الرئيسية / اخبار اسلامية / الولاء والولاية من كتب الفكر الاسلامي 03
7eb852d8-6d3d-40a0-99f3-cbf94d0b7773

الولاء والولاية من كتب الفكر الاسلامي 03

إنّ في الإسلام حباً وبغضاً. وهماً حب وبغض عقليان ومنطقيان، وليسا ناشئين عن الأحاسيس والإنفعالات لا يضبطهما ضابط ولا تنتظمهما قاعدة. إنّ الحب والبغض الناشئين عن الإنفعالات لا منطق لهما، بل يكونان من الإنفعالات العمي والصم التي تتسلط على دخيلة الإنسان وتجره إلى حيث تشاء. أما الحب والبغض العقليان فإنهما ينشآن من إدراك الحقيقة، والواقع إنهما ينشآن من الإهتمام بمصير الإنسان الآخر الذي نحبه.

إليكم المثال التالي:

حب الأبوين لطفلهما ينقسم إلى نوعين: نوع عقلي ومنطقي، ونوع انفعالي. إنّ الحب العقلي يوجب أحياناً على الوالدين أن يسببا الألم لطفلهما بكل جد وبوعي، كأن يأخذانه إلى الطبيب لإجراء عملية جراحية. إنّ الأبوين قد يذرفان الدموع على طفلهما وهو في تلك الحالة وتنقطع نفساهما حسرات عليه، ولكنهما يطلبان من الطبيب أن يستعجل العملية وأن يقطع من جسمه ما يجب قطعه على الرغم مما في ذلك من ألم أو فقدان عضو. فتلك الدموع ناشئة من الحب الإنفعالي، والإلحاح على الطبيب ناشئ من الحب العقلي.

فإذا عنيا بحبهما العاطفي وقدماه على حبهما العقلي ورفضا أن ينقص من ابنهما عضو من أعضائه، وإن يكن فاسداً، فإنهما في الحقيقة قد قضيا على ابنهما بالموت.

ولكنهما بسبب حبهما المنطقي وبحكم العقل واهتمامهما بمصير ابنهما، داسا على عواطفهما ورضيا بعذاب ابنهما وألمه.

كل إنسان عاقل لا يتوانى عن تسليم نفسه إلى مبضع الجراح ليقتطع له أصبعاً يؤلمه ولا فائدة من بقائه. إنه بالطبع لا يحب أن يعاني ألم القطع، كما أنه يتألم نفسياً من ذهاب أحد أصابعه، ولكنه منطقياً يتحمل هذا الألم ويستسلم عقلياً لفقده أحد أعضائه. فالمنطق والعقل هما اللذان يدفعان به لمراجعة الطبيب، وإلا فإن حكم العواطف حكم يختلف عن ذلك.

إنّ الإسلام إذا رأى مجتمعاً فاسداً يحكمه الكفر والجهل، يأمر من جهة بمجاهدته واقتلاع جذور الفساد منه: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ}[2] ويأمر من جهة أخرى بالحذر واجتناب الإنفتاح عليهم لكي يبقى المجتمع سالماً. ولا يتناقض هذا أدنى تناقض مع الإنسانية وحب الإنسان.

إنّ اللصوصية من طبيعة الإنسان، ومن طبيعته أيضاً الضبط والإلتزام، إذ كثيراً ما يحدث أن يثبت الإنسان في لوح فكره بوعي أفكار الآخرين وآرائهم. يقول القرآن:

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءكُم مِّنَ الْحَقِّ}[3].

إلى أن يقول: {… إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاء وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُم بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ}[4].

فالقرآن يرى أن سبب طلب الحذر منهم وتجنبهم هو أنهم يحبون أن يروا الآخرين, وقد دانوا بدينهم ومالوا إليهم. ولكن ترى ما الخطر في أن تكون هذه هي رغبتهم؟

هنا يشير القرآن إلى أن منشأ أصل الخطر ليس مجرد الرغبة، بل هم يسعون جاهدين لبلوغ ذلك الهدف.

كل هذا يستوجب أن تتسم روابط المسلم مع غير المسلم بالحذر، وعلى المسلم ألاّ يغفل عن الخطر، وألا ينسى أنه عضو في مجتمع موحّد, وأن غير المسلم عضو في مجتمع آخر. غير أن ذلك لا يستوجب أيضاً أن يقطع المسلم كل صلة له بغير المسلم، وألاّ تكون له معه علاقات اجتماعية واقتصادية, وأحياناً سياسية أيضاً، إذا كانت تلك العلاقات منسجمة طبعاً مع مصالح المجتمع الإسلامي.

شاهد أيضاً

تنزيل

دعم أميركي صريح لمظاهرات لبنان

د. جمال شهاب المحسن في أول رسالة دعم صريحة لمطالب المتظاهرين بمكافحة الفساد في لبنان، ...