الرئيسية / اخبار اسلامية / أسرار الصلاة – الجليل الشيخ الجوادي الآملي 24
5fcfae77-9ebd-465e-86b6-b9b7f8e8138a

أسرار الصلاة – الجليل الشيخ الجوادي الآملي 24

إنّ من تلك الأحوال الممثّلة للخضوع هو : القنوت ، لأنّه ابتهال وتضرّع ، وتبتّل تجاه الربّ الجليل ، وحيث إنّ اللَّه جواد لا يخيّب آمله ولا يردّ سائله ، قال أبو عبد اللَّه عليه السّلام : « ما أبرز عبد يده إلى اللَّه العزيز الجبّار إلَّا أستحيي اللَّه – عزّ وجلّ – أن يردّها صفرا حتّى يجعل فيها من فضل رحمته ما يشاء ، فإذا دعا أحدكم
فلا يردّ يده حتّى يمسح على وجهه » « 1 » هذا عدا ما يذكر في القنوت ممّا يدلّ على ضراعة العبد ومسكنته وكونه ذا متربة لاصقا به ، غير قادرة على القيام عنها ، نحو ما في دعاء قنوت الوتر « . ربّ أسأت . ، فهذه يداي يا ربّ جزاء بما كسبت ، وهذه رقبتي خاضعة لما أتيت . » « 2 » .

وللاهتمام بالقنوت الممثّل لما هو السرّ التكوينيّ ، المورث للتطابق بينه وبين النظام التشريعيّ قال مولانا الحسين بن عليّ عليهما السلام : « رأيت رسول اللَّه – صلَّى اللَّه عليه وآله – يقنت في صلاته كلَّها وأنا يومئذ ابن ستّ سنين » « 3 » فهو – عليه السّلام – بحيث يحضر في صلوات جدّه – صلَّى اللَّه عليه وآله – كلَّها ، وكان زكيّا وذكيّا ، ومراقبا ومحاسبا ، حتّى يتبيّن له ما يأتيه جدّه صلَّى اللَّه عليه وآله ، إذ الناس مأمورون بأخذ الأحكام من سنّته – صلَّى اللَّه عليه وآله – وسيرته . ولهذا الاعتداد بالقنوت قال مولانا الصادق عليه السّلام : « من ترك القنوت متعمّدا فلا صلاة له » « 4 » ، أي : لا كمال لها ؛ لأنّ الصلاة إنّما هي للهداية إلى ما هو النظام التكوينيّ من الطاعة التامّة والهداية البالغة ، والقنوت الذي هو مظهر تامّ للتبتّل والابتهال موجب لكمالها ، فإذا ترك القنوت فيها فتفقد – حينئذ – كما لها النهائيّ .

وأمّا التشهّد فأصله قد تمثّل في المعراج ، حيث إنّه لمّا أراد رسول اللَّه – صلَّى اللَّه عليه وآله – ليقوم قيل : يا محمّد ، اجلس ، فجلس ، فأوحى اللَّه إليه : يا محمّد ، إذا ما أنعمت عليك فسمّ باسمي ، فألهم أن قال : بسم اللَّه ، وباللَّه ، ولا إله إلَّا اللَّه ، والأسماء الحسنى كلَّها للَّه ، ثمّ أوحى اللَّه إليه : يا محمّد ، صلّ على نفسك وعلى أهل بيتك ، فقال صلَّى اللَّه عليه وآله : صلَّى اللَّه عليّ وعلى أهل بيتي « 5 » .

وتأويل التشهّد حسبما في رواية جابر هو تجديد الإيمان ، ومعاودة الإسلام ، والإقرار بالبعث بعد الموت . وتأويل قراءة التحيّات هو تمجيد الربّ سبحانه وتعظيمه عمّا قال الظالمون ونعته الملحدون « 1 » .

وقد تقدّم أنّ سرّ تعدّد السجود هو الإقرار بالبدء من التراب والعود فيه والنشور منه ، فإذا جلس المصلَّي للتشهّد فكأنّه قد انبعث من مرقده ، فيقرّ بالبعث بعد الموت ، ويتكلَّم هنا بالتعليم الإلهيّ ما يشاهده هنالك بعد الانبعاث من الجدث ، فكما أنّ للقرآن تأويلا فيأتي ذلك التأويل يوم القيامة كما أخبره اللَّه تعالى كذلك للتشهّد سرّ عينيّ ، وتأويل تكوينيّ يتجلَّى ذلك السرّ يوم القيامة ؛ لأنّ في ذلك اليوم تبلى السرائر والأسرار ، كما أنّ النظام الاعتباريّ ينطوي بساطه ببسط النظام الحقيقيّ .

وللجلوس حال التشهّد كيفيّة مندوب إليها ، وهو التورّك برفع الرجل اليمنى على اليسرى ، وتأويله كما في مرسلة الفقيه : « اللَّهمّ أمت الباطل وأقم الحقّ » « 2 » ، لأنّ اليمنى مظهر الحقّ والصدق ، واليسرى كناية عن الباطل والكذب ، ولقد روعي هذا الأمر في الآداب والسنن لتكون كلمة اللَّه هي العليا ، وإلَّا فالمؤمن كلتا رجليه يمنى ، كما أنّ كلتا يديه كذلك ؛ لأنّه من أصحاب اليمين والميمنة ، كما أنّ غير المؤمن كلتا رجليه يسرى وكلتا يديه كذلك ، والأصل في ذلك كلَّه ما ورد في حقّ اللَّه سبحانه من أنّ كلتا يديه يمين ، مع أنّه لا يد ولا أيّة جارحة أخرى هنالك لتنزّهه تعالى عمّا يدركه الطرف أو يحسّه الحسّ .

وحيث إنّ ولاية أهل البيت – عليهم السّلام – هي العلَّة الوسطى لدوام الفيض من اللَّه الذي لا يشركه في أمره أحد ولا شيء أمر بلحاظها في التشهّد ، كما أمر بعنايتها في افتتاح الصلاة ، وكما أنّ أصل الصلاة لا تقبل بدون الولاية كذلك صلاة من ترك التصلية على أهل البيت – عليهم السّلام – مردودة وإن كان المصلَّي وليّا
لهم ، كما يستفاد من رواية جابر الجعفيّ حيث قال : سمعت أبا عبد اللَّه – عليه السّلام – يقول : « إذا صلَّى أحدكم فنسي أن يذكر محمّدا وآله في صلاته سلك بصلاته غير سبيل الجنّة ، ولا تقبل صلاة إلَّا أن يذكر فيها محمّد وآل محمّد صلَّى اللَّه عليه وآله » « 1 » .

وعن النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله : « من صلَّى صلاة لم يصلّ فيها عليّ وعلى أهل بيتي لم تقبل منه » « 2 » .
وفي رواية زرارة ، عن الصادق عليه السّلام : « أنّ من تمام الصوم إعطاء الزكاة كالصلاة على النبيّ – صلَّى اللَّه عليه وآله – من تمام الصلاة » « 3 » وحيث إنّ الصلاة على النبيّ – صلَّى اللَّه عليه وآله – بدون الصلاة على أهله بتراء فالصلاة عليهم أجمعين من تمام الصلاة ، كما أنّ بالولاية كمل الإسلام ، وتمّ نصاب النعمة الإلهيّة ، وصار الإسلام الولائيّ مرضيّا للَّه سبحانه حسبما في آية من المائدة « 4 » .

ثمّ إنّ للقيام من السجدة أدبا له تأويل ، وله ذكر ذو سرّ ، أمّا القيام من السجدة في الركعة الثانية الَّتي لها جلوس وتشهّد فمسبوق بالقعود ، ولا كلام فيه ، وأمّا في الركعة الأولى وكذا الثالثة من الرباعيّة اللتين لا تشهّد فيهما فليس للمصلَّي أن ينهض من السجود إلى القيام بلا جلوس ، بل عليه أن يجلس مطمئنا ، ثمّ يقوم ، كما في التهذيب ، عن أمير المؤمنين – عليه السّلام – حيث قال : « إنّما يفعل ذلك – أي :

النهوض بلا جلوس – أهل الجفاء من الناس ، إنّ هذا – أي : الجلوس ثمّ النهوض – من توقير الصلاة » « 5 » ، وفي المستدرك عن مولانا أبي الحسن عليه السّلام : « إذا رفعت رأسك من آخر سجدتك في الصلاة قبل أن تقوم فاجلس جلسة ، ثمّ بادر بركبتك إلى الأرض قبل يديك ، وابسط يديك بسطا واتّك عليهما ثمّ قم ، فإنّ ذلك
وقار المرء المؤمن الخاشع لربّه ، ولا تطيش من سجودك مبادرا إلى القيام كما يطيش هؤلاء الأقشاب في صلاتهم » « 1 » .

إنّ الصلاة الاعتباريّة المعهودة تحكي واقعيّتها المعنيّة الَّتي لها آثار جمّة ، فتكون مكرّمة ، وكرامتها تقتضي توقيرها ، والجلوس مطمئنا حافظ لتوقيرها ، فلجلوس تأويل يستظهر عند ظهور واقعيّة الصلاة ، وهو يوم يطوي فيه بساط الاعتبار كطيّ السجلّ .

وأمّا الذكر حال القيام من الجلوس فهو : بحول اللَّه تعالى وقوّته أقوم وأقعد « 2 » ، وسرّه هو : أنّ النظام العينيّ التكوينيّ الذي به يعيش الإنسان المتفكَّر المختار منزّه عن دم إفراط التفويض ، ومبرّأ عن روث تفريط الجبر ، بل هو لبن خالص سائغ للشاربين ، لكونه منزلة بين تينك المنزلتين المشؤومتين ، فالمفوّض يقول : لا حول ولا قوّة للَّه فيما يفعله الإنسان في شؤونه الإراديّة ، والجبريّ يقول : لا حول ولا قوّة إلَّا للَّه في ذلك ، والقائل بالاختيار ، المصون عن ذينك المحذورين يقول : لا حول ولا قوّة إلَّا باللَّه ، فهو يثبت للإنسان حولا بحول اللَّه تعالى ، وقوّة بقوّته ، فالذكر الذي يأتيه المصلَّي حين النهوض إلى القيام بعد الجلوس حاو لأصل كلَّيّ متحقّق في جميع شؤونه الإراديّة بلا خصيصة له بحال الصلاة ، كما لا اختصاص له بحال القيام حسبما أخذ في متن الذكر أيضا ، إذ قعود الإنسان أيضا بحول اللَّه وقوّته ، كما أنّ قيامه بذلك ، وذلك السرّ التكوينيّ يتجلَّى يوم القيامة الَّتي يظهر فيها ما هو الباطن ، وهنالك يتّضح بطلان طرفي المتوسّط من الجبر والتفويض ، وكون المتوسّط بينهما حقّا .

وهذا الذي قدّمناه هو المستفاد من قول مولانا الصادق عليه السّلام : « كان أمير المؤمنين – عليه السّلام – يبرأ من القدريّة في كلّ ركعة وبقول : بحول اللَّه وقوّته أقوم
وأقعد » « 1 » .

شاهد أيضاً

IMG-20140122-WA0004

الاكتفاء بما روي في أصحاب الكساء

(إعلام الله بوفاة رسول الله(ص)) 93 – عن ابن عباس قال: لمَّا نزلت «إذا جاء ...