الرئيسية / اخبار اسلامية / شرح رسالة الحقوق للإمام علي بن الحسين زين العابدين29
20737

شرح رسالة الحقوق للإمام علي بن الحسين زين العابدين29

ومن أجل أن اللسان آلة للتكلم ، ومن أجل أن الأصوات تخرج من
الحنجرة كما تعلم ، ومن أجل أن الحنجرة لا تستطيع توليد الحروف كلها ،
بل يقتصر عملها على توليد الحروف الصوتية ( المعروفة بحروف العلة ) دون
الحروف الأخرى ( المعروفة بحروف الصحة ) التي لا بد لتوليدها من تقطيع
مجرى الهوى الذي يحمل الصوت من الحنجرة ، فقد شاءت المصادفة أن يخلق
هذا اللسان مع الشفتين ليكون وسيلة لتقطيع الهواء وإخراج حروف الصحة ،
ولولا ذلك ما كان لنا كلام فصيح ، بل كنا نكون كالحيوانات نطلق أصواتا
نمدها مدا ، فلا نحس إلا عواء ونعيقا ، أو صفيرا ونقيقا ، أو صهيلا ونهيقا .

فما أعجبها هذه المصادفات التي كثرت وتوالت وتلاقت ، وتلاءمت وتوافقت
حتى كونت لنا هذا اللسان العجيب . حقا أن اللسان عضو عجيب ،
ولكن ماذا في الشفتين سوى أنهما تساعدان على لفظ بعض الحروف .
أكان يرضيك أن تخلق بلا شفتين مكشرا فاغرا ، يسيل لعابك ويدخل
الغبار إلى صدرك ، والذباب إلى لهاتك . . . ؟ ألا تشكر المصادفة التي خلقت
هذا الإنسان ( في أحسن تقويم ) فجعلت له من الشفتين زينة لوجهه ، وسترا
لفمه ، وحاجزا للعابه ، ومانعا من دخول الغبار إلى رئاته ، والذباب إلى
لهاته ، ليتنفس من حيث ينفع التنفس بأنفه وخيشومه ، ويصد المؤذيات عن
حلقه وبلعومه . . . ؟

ألا تشكر المصادفة التي سلمت هاتين الشفتين بقوة مرهفة من الاحساس
ليصدا كل مؤذ وكاو ومحرق ، وزودتهما تحت غشائهما المخاطي بغدد تفرز
اللعاب لتظلا رطبتين مرطبتين ، وربطتهما بأعصاب تجعل كل حركة لهما ، ( من
فتح وإغلاق ، ومط وزم ) بإرادة الإنسان واختياره ليفتحهما ساعة يشاء
ويغلقهما ساعة يريد ، فيقطع بهما الهواء ويحبس الصوت ليتمكن من لفظ
الحروف الشفوية ، فلولا كل هذه المصادفات لانقلب هذا الإنسان المليح الفصيح
الظريف النظيف ، مسخا قبيحا مكشرا فاغرا عيا قذرا ، يسيل لعابه على ذقنه
وثيابه ، ويزدحم الذباب على رضابه .

ولعلك تقول فما ذكر المصادفة وتكررها في المقام : فنقول : إن تكرار
ذكر المصادفة في المقام هو إرادة اقتحام العقبة لأبلغ بنفسي الذروة ، عقبة الشك
التي يريد الله منا أن نكابد لنقتحمها ، وذروة الإيمان التي يريد سبحانه منا
أن نكابد لنصل إليها .

ذروة الإيمان التي يريد أن نبلغها ، هي النواصي بالحق . ( ألم نجعل له
عينين ولسانا وشفتين ، وهديناه النجدين ، فلا اقتحم العقبة ، وما أدراك ما العقبة ) ( 1 )
* * *
هذا عرض مصغر عن اللسان ، ولعله ما أوصلنا إلى الغرض ، ويحتمل
أن يكون مغمضا معقدا ، لذلك ولهذا لا مندوحة لنا من البسط في المسألة فنقول :
اللسان : عضو الكلام والذوق . وهو كتلة عضلية مغطاة بالغشاء المخاطي
تملأ أكثر الفم .

ووظيفته جمع الطعام الممضوغ في الفم وتوجيهه إلى الحلق والإعانة على
الازدراد .
وهو موضوع في مؤخر الفم وأسفله . وله قمة متحركة في كل اتجاه .
وهو للانسان مرشد أمين ومنبه له ، فمتى حكم بأن الطعم لا يوافقه
تنبهت النفس واشمأزت منه وكرهت المعدة قبوله مخافة أن يهيجها أو يضر بها ،
أما إذا حكم بأن الطعم لذيذ ، وأن المذوق نافع للبدن ، فالنفس تشتهيه
وتزداد رغبتها فيه كما تزداد المعدة اشتياقا لقبوله ، وسائر أعضاء الهضم تزداد
قوة ونشاطا لهضمه فتهيأ لقبوله ولذا يجب أن تتحقق أنه ليس لنا غنى عن
اللسان ، إذ لولاه لانعدمت حاسة الذوق التي مركزها سطح اللسان ، ولأكثر
الإنسان من تعاطي ما يضره فيتلف صحته ، ولكانت البلعة الغذائية في الفم كما
تكون في اليد على حد سواء ، ولكان الإنسان لا يميز عند الأكل بين الخبز
الجيد والخبز العفن الردئ الذي يترتب على كثرة الأكل منه ضرر عظيم ، لأنه
سم قاتل .

وصفوة القول : فمنفعة اللسان لصحة الإنسان بديهية ، وحينئذ لا ينبغي
احتقار شأنه وعدم اعتبار أمره .
وهو أيضا : ترجمان الضمير وآلة المنطق والبيان ، وإن كان عضوا
بسيطا مركبا من اللحم والدم والأعصاب والشرايين والأوردة كباقي
الأعضاء إلا أنه سر الحياة الصحيحة ، حتى عبروا عنه بنصف .

الإنسان
والجزء الذي لا يتجزأ من الجنان . ويؤيد هذا قول علي أمير المؤمنين عليه السلام
( المرء بأصغريه قلبه ولسانه ) . وقول زهير بن أبي سلمى – حكيم
الشعراء – :
لسان الفتى نصف ونصف فؤاده
فلم يبق إلا صورة اللحم والدم
وهو مؤتمر بأوامر الإرادة المنفذة للضمير ، فإن الضمير يوحي إلى اللسان
ما يشاء والإرادة تحركه ، فينطق بمكنونات الضمير ، وما يتخلق به المرء من
صفات إيجابية تعلي من شأنها صاحبها وترفع من مكانته ، أو من أخلاق سلبية
تؤدي بذويها إلى الردى ، وتنحدر بهم في مهاوي الدرك الأسفل .
وهو من النعم الجليلة التي حبانا الله سبحانه بها ، لذلك يجب علينا أن
نعطيه حقه بأن نصونه من مبتذل القول وبذئ الكلم ، وأن نجنبه الآفات التي
تعود على الإنسان بالضرر والخسارة .

وأن نعوده على الخير مثل إصلاح ذات
البين ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ونشر العلوم النافعة ، وغير ذلك
ومن حقه كذلك أن يعفى عن الكذب ، وفضول القول الذي لا يرجع على
صاحبه بالخير ، وربما عاد عليه بالضرر .

وهو أيضا نقمة أي نقمة إن هو ترك ولم يمسك عليه . وهو عجيب من عجائب خلق الله ،
ولطائف صنعه الغريبة ، فإنه صغير جرمه كبير ضرره ، فترى الكفر والإيمان
والبغض والمحبة ، والشر والخير ، والسفاهة واللطافة ، لا يستبين شئ منها
ولا يعرف حق المعرفة إلا باللسان ، ثم لا يكب الناس في النار على مناخرهم
إلا حصائد ألسنتهم ، ولا ينجو من شر اللسان إلا من قيده بلجام الصمت ،
فلا يطلقه إلا فيما ينفعه في الدين والدنيا .

 

https://t.me/wilayahinfo

شاهد أيضاً

8d2b35d5-4e80-4eea-8f0f-3351df8c3e4a

المرأة والأسرة

 اقتران العلم بالأخلاق والقيم المعنوية إنّ المزج بين العلم والعاطفة الإنسانية أمر مهمّ وضروريّ في ...