الرئيسية / اخبار اسلامية / من صحيفة الروح – الدُّعاءُ يدْفَعُ الْبَلاءَ النّازِلَ وَما لَمْ ينْزِلْ
1398020816504594717295104 (1)

من صحيفة الروح – الدُّعاءُ يدْفَعُ الْبَلاءَ النّازِلَ وَما لَمْ ينْزِلْ

الدرس الثاني: الدُّعاء عند أهل البيت عليهم السلام

 

أهداف الدرس:

على الطالب مع نهاية هذا الدرس أن:

يتعرّف إلى معالم الدُّعاء عند أهل البيت عليهم السلام.

يفهم العلاقة بين الدُّعاء والقدر.

يفهم كيف يستجيب الله الدعاء ولا يرّده.

تمهيد:

الدُّعاء هو روح العبادة وحقيقتها، وقد مرّ معنا في الدرس السابق شرح حقيقة الدُّعاء في القرآن الكريم، ونجد هذه الحقيقة الساطعة أيضاً عند أهل البيت عليهم السلام، الذين يشكّلون الدعامة الثانية التي يقوم عليها الطريق إلى الله تعالى، إذ قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: “إنّي تارك فيكم الثقلين، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض[1]. وبالتالي سيكون هدفنا في هذا الدرس هو عرض أهمّ معالم الدُّعاء عند أهل البيت عليهم السلام.

 

معالم الدُّعاء عند أهل البيت عليهم السلام

1- الدُّعاء ضرورة

يعيش الإنسان في هذه الدُّنيا وهو معرَّضٌ لأنواع من النّقص، والضرر المادية منها والمعنوية. وإذا كان دفع الضَّرر ورفع النّقص متيسِّراً له، فإنّ العقل وكذلك السنّة يحكمان بضرورة دفع الضرر، وجبر النقص. والدُّعاء, من الوسائل التي ثبت

في الشَّرع الشّريف أنّها تستطيع أن تدفع الضرر عن الإنسان, لأنّها تربطه بمسبّب الأسباب النَّافع الضّارّ عزَّ وعلا، فلا بدّ للإنسان من أن يعتمد على الدُّعاء في كلّ ما فيه ضرر ويشوبه نقص.

 

وأمّا الضّرورات فإنَّها مختلفة بحسب اختلاف النَّاس، ومواقعهم في سلّم السير والسلوك إلى الله تعالى، فضرورات العوام غالباً لا تخرج عن كونها من ضرورات المطعم والمشرب والملبس وغير ذلك، وضرورات أهل المعرفة تكون من باب طلب المعارف، وضرورات أهل المحبّة هي لقاء المحبوب ومعرفة شؤونه. ولا يرفع ضررَ كلّ طائفةٍ بحسبها شيءٌ مثل الدُّعاء.

 

فقد روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام أنَّه قال: “ما من أحد ابتُلي، وإن عظمت بلواه، أحقّ بالدُّعاء من المعافى الذي لا يأمن البلاء”[2]، يقول الشيخ الجليل ابن فهد الحلي في التعليق على هذه الرواية: “ظهر من هذا الحديث احتياج كلّ أحد إلى الدُّعاء، معافى ومبتلى. وفائدته رفع البلاء الحاصل ودفع السوء النازل، أو جلب نفع مقصود، أو تقرير خير موجود ودوامه ومنعه من الزوال”[3].

 

وقد قال الله تعالى: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا[4]، فالدُّعاء أمرٌ مطلوب في كلّ أحوال الإنسان الذي لا تخرج أحواله عن حالتي الخوف والرجاء، فالدُّعاء ضرورةٌ حثّ عليها أهل البيت عليهم السلام في موارد كثيرة.

 

2- الدُّعاء والمعرفة

إنَّ حاجة الإنسان الدائمة إلى سدِّ النَّقص فيه ودفع الضَّرر عنه، تجعله يبحث عمّن يستطيع أن يؤمّن له هذه الحاجة في كلّ زمان ومكان، وهذا ما نسمّيه بدافع

المعرفة. فلا يمكن للإنسان أن يرفع حاجاته وعناوين نقصانه إلى جهة مجهولة غير معلومة إطلاقاً أو جزئياً، بل مقتضى العقل أن يبحث الإنسان عن أفضل من يقدر على ملء فراغ احتياجه وإرواء ظمأ نقصه. والله سبحانه وتعالى هو الجهة الوحيدة التي تستطيع أن تؤمِّن لكلّ الناس، باختلاف مواقعهم، احتياجاتِهم المتنوّعة. ومعرفته تعالى على أنَّه هو السَّبب الأساس والعلّة الرَّئيسة في تقدير كلّ الأمور، معرفة لا بدّ منها لكي يوجَّه الإنسان بها دعاءه.

 

عن الرَّسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال لأبي ذر رضوان الله عليه: “احفظ الله يحفظك الله، احفظ الله تجده أمامك، تعرّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدّة، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله, فقد جرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة، ولو أنّ الخلق كلّهم جهدوا على أن ينفعوك بما لم يكتبه الله لك ما قدروا عليه[5]، فالرّواية الشَّريفة هذه تبيِّن لنا حصريَّة النفع والإعانة والحفظ بالله تعالى. وموضع الشاهد هنا قوله صلى الله عليه وآله وسلم “تعرَّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدّة” فعلى الإنسان أن يدعو الله في الرَّخاء ولا ينساه، فإذا جاء وقت الشدّة استجاب دعاءه ولم ينسه. وذلك أنَّ نسيان الله في الرَّخاء يعني أنَّ الإنسان يذعن بأنَّه لا حاجة لله تعالى في الرَّخاء، وأنّه يتّكل على الأسباب دون الله تعالى. ثمّ لو دعا ربّه في الشدّة، فإنّ معنى ذلك أنَّه يُذعن بالرّبوبية في حال الشدّة فقط، وعلى هذا التقدير، يكون الإنسان متوجِّهاً إلى ربٍّ ينفع وقت الشدَّة دون وقت الرَّخاء “وليس تعالى على هذه الصِّفة، بل هو ربّ في كلّ حال وعلى جميع التَّقادير, فهو لم يدْعُ ربَّه[6].

3- الدُّعاء يقوِّي المعرفة

عندما يتَّجه الإنسان إلى الله تعالى فإنَّه سوف يبدأ بالتَّفكير بأنَّ الله قادرٌ وعالم بما خفي عنَّا وبما ظهر وبأنَّه محيطٌ بجميع الأسرار، وهذا ما سوف يرفع من مستوى معرفة الإنسان، بخاصّةٍ إذا كانت الأدعية المقروءة من الصّحيفة السّجادية أو المناجاة الشَّعبانية أو الصَّباح أو كميل أو النُّدبة، التي تضمّ أرقى الدُّروس المعرفيّة والإلهيّة. وعلى هذا، فالدُّعاء يوقد نورُ المعرفة في قَلْبِ الإنسان.

 

وقد يأتي سؤال مشروع حول عبارة الدُّعاء في شهر رجب: “يا من يعطي من سأله، يا من يعطي من لم يسأله ومن لم يعرفه[7]، فكيف يعطي الله من لم يعرفه؟ فما فائدة المعرفة والدُّعاء؟

 

“الجواب: إنّ لفيض الله وبركاته أقساماً وأنواعاً:

- قسم يمنحه الله لجميع البشر، مثل الغيث، فالجميع من الكافر والمؤمن والعارف وغيره يفيدون منه.

- وقسم من البركات تُمنح للعارفين والمؤمنين ولا تشمل غيرهم.

- وقسم من البركات والفيضِ يُمنح للداعين فقط دون غيرهم”[8].

 

وفي رواية عن الإمام الصادق عليه السلام عندما سأله بعضهم عن سبب عدم استجابة الدُّعاء أنَّه أجابهم: “لأنّكم تدعون من لا تعرفونه”، فالمعرفة مرتبطةٌ بحقيقة الدُّعاء وجوهره ارتباطاً جذرياً.

 

4- الدُّعاء والعبادة

إنَّ النقطتين السّابقتين يوصلانا إلى نتيجةِ أنّ حقيقةَ الدُّعاء هي دفع الإنسان نحو إلهٍ واحدٍ تنحصرُ به جهة المساعدة ودفع الضرر، ونفي أيِّ قدرةٍ لغيره تعالى

في أن يقوم بهذه الدّور. فالدُّعاء بهذا المعنى ظلُّ العبادة، بل هو نفسها, لأنَّ الدَّاعي حقيقةً لا يمكن له أن يتوجَّه إلى غير الله تعالى، والعبادة أيضاً تحصرُ جهةَ العبودية به تعالى، فكلُّ دعاءٍ عبادةٌ، وكلُّ عبادةٍ دعاءٌ، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال: “الدُّعاء مخّ العبادة”[9].

 

ولذلك كثرت الروايات عن أهل البيت عليهم السلام التي تجعل الدُّعاء بموازاة العبادة، فلا يجوز أن يدّعي إنسان العبودية لله ثم يترفَّع عن الدُّعاء, لأنّ الترفُّع عن الدُّعاء يُخفي في حقيقته استقلال الإنسان بحاجته عن الله، والله تعالى يقول: ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاء[10].

 

والقرآن الكريم صريح وواضح في أنَّ العبادة هي الغاية من خلق الإنسان، يقول تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾[11]. وقد أوضحت آية أخرى حقيقة العبادة الدُّعاء في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ[12]، فالآية “تجعل مطلق العبادة دعاء، حيث إنّها تشتمل الوعيد على ترك الدُّعاء بالنار, والوعيد بالنار إنَّما هو على ترك العبادة رأساً لا على ترك بعض أقسامه دون بعض، فأصلُ العبادة دعاء”[13].

 

5- الدُّعاء أقوى من القدر

 من المعالم البارزة للدعاء في مدرسة أهل البيت عليهم السلام، حقيقة أنّ الله تعالى جعل الدُّعاء حاكماً على القدر، بل هو من القدر إلا أنَّه أعلى مرتبة من غيره من

التقديرات. فإذا كان أمرٌ ما مقدَّر الحصول، بل كان وشيكَ الوقوع مُبرَماً، لما ردَّه وبدّل مساره إلا الدُّعاء لله تعالى، فقد روي عن أبي جعفر عليه السلام أنَّه قال لزرارة: “ألا أدلّك على شيء لم يستثن فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ قلت: بلى، قال: الدُّعاء يرد القضاء وقد أُبرم إبراماً – وضم أصابعه -“[14].

 

وعن الإمام موسى الكاظم عليه السلام: “عليكم بالدُّعاء, فإنَّ الدُّعاء والطلب إلى الله عزّ وجلّ يردّ البلاء، وقد قدّر وقضى، فلم يبقَ إلّا إمضاؤه فإذا دُعي الله وسُئل، صرَفَ البلاء صرفاً”[15]. وهذه الروايات وغيرها تؤكّد حقيقةً راسخةً, وهي أنّ الله سبحانه وتعالى قد فتح أبواب رحمته إلى حدود واسعة، ولم يبقَ على الإنسان إلا أن يلتفت إلى ضرّه وفاقته، ويبادر نفسَه بالدُّعاء قبل وقوع القضاء ونزول القدر.

 

إشكال وردّ

قد يُشكل بعض الناس حول علاقة الدُّعاء بالقدر، إذ قد يقول بأنّ الحاجة المدعوّ لها إذا كانت مقدّرةً فهي واجبة الحصول، وإن لم تكن مقدّرة فلا يمكن أن تحصل، فما فائدة الدُّعاء؟

 

ويجيب السيّد الطباطبائي قدس سره على ذلك بقوله: “إنَّ فرض تقدير وجود الشَّيء لا يُوجب استغناءه عن أسباب وجوده، والدُّعاء من أسباب وجود الشَّيء, فمع الدُّعاء يتحقّق سببٌ من أسباب الوجود فيتحقَّق المسبَّبُ عن سببه، وهذا هو المراد بقولهم: إنّ الدُّعاء من القدر[16].

 

فرتبة الدُّعاء في مقام حصول الأشياء وعدمها إن لم تكن في رتبةِ الأسبابِ الأُخرى نفسها، فهي مقدَّمةٌ عليها كما ظهر في النُّصوص المتقدِّمة، وبالتالي فإنّ

الدُّعاء متى ما وقع كان سبباً مستقلّاً لحصول الحاجة المدعوّ لها، ويتغيَّر لذلك مجرى القدر إلى قدرٍ جديد، ولذلك كان “الدُّعاء من القدر“.

 

6- الدُّعاء لسان الفقر ونفي الأنا

يعتبر وعي الفقر الذاتي الذي جُبل عليه الإنسان من الأمور المهمَّة التي يستثيرها الدُّعاء، وذلك أنّ من طبيعة الحياة الدُّنيا أنَّ الإنسان فيها يعاني من مرضٍ شرسٍ وهو مرضُ الغفلة، يقول تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ[17]، والغفلة تولِّدُ مرضاً آخر، واسمه مرض حبّ النفس وتوهُّم استقلالها في النّفع والضّرر. يثيرُ الدُّعاء في الإنسان حقيقةَ الفقر الكامل الذي ينبغي أن يقف عنده في هذه الدُّنيا، وأن يتوجَّه إلى الغنيّ الذي لا تنفد خزائنه.

 

يقول الله تعالى: ﴿اللّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ[18]، فالله هو القيوم على هذا العالم، ويعني هذا أنَّ عالم الوجود مرتبط به سبحانه.

 

وإدراك هذا الغنى واجبٌ، كما أنّ إدراك فقر الإنسان واجب أيضاً. إذا أدرك الإنسان “الفقر” فلن تأتي “الأنانية” إلى الوجود. والروح الفرعونية موجودةٌ في الجميع. وإذا تهيَّأت الأرضيّة المناسبة فإنّ أكثر الناس تقول: “أنا ربّكم الأعلى” إلا من استطاع كسر أنانيته[19].

 

إنّ الدُّعاء والمناجاة مع الله يقلع جذور هذه الأنانية من الإنسان، فيرى نفسه ضئيلاً أمام الله، وفي الوقت نفسه، الذي يطلب فيه شيئاً من الله فإنَّه يثبت الغنى المطلق لله تعالى والفقر المطلق لنفسه عملياً.

 

نستطيع من خلال وعي الحاجة والفقر أن نكتشف علاقة الدُّعاء بالاستجابة،

ونفهم كيف يكون الدُّعاء مفتاحاً لرحمة الله، وكيف يستنزل الدُّعاء رحمة الله تعالى. يجسّد كلّ دعاءٍ درجةً من وعي الفقر، ويعبِّر عن مرتبةٍ من مراتب وعي الحاجة إلى الله. وبقدر ما يكون وعي العبد لحاجته إلى الله أكثر يكون دعاؤه أقرب إلى الاستجابة، وتكون رحمة الله أقرب إليه. فليس مِن شحٍّ ولا بُخلٍ في رحمة الله تعالى، وإنَّما يختلف حظُّ النّاس من رحمة الله لاختلاف أواني نفوسهم و أوعيتها. وعي الحاجة والفقر هو وعاء الإنسان الذي ينال به رحمة الله، وكلّما يكون وعيه لفقره إلى الله أكثر، يكون وعاؤه الذي ينال به رحمة الله أكبر.

 

“والله تعالى يعطي كلّاً بقدر وعائه, وكلّ ينال من رحمة الله بقدر ما يتَّسع له وعاؤه، وكلَّما كان وعاؤه أكبر كان حظُّه من رحمةِ الله أعظم”[20]. ويمكننا في هذا السِّياق أن نختصر علاقة الدُّعاء بالفقر في ثلاث كلمات:

أ- “الفقر إلى الله.

ب- الوعي لافتقاره إلى الله.

ج- رفع الفقر ونشره وبثّه بين يدي الله[21].

 

والفقر غير وعي الفقر، فقد يكون الإنسان، وهو الفقير إلى الله في كلّ شيءٍ، غيرَ واعٍ لفقره إلى الله، وقد يكون واعياً لفقره إلى الله، ولكنّه لا يحسن أنْ يرفع فقرَه إلى الله وينشره ويبثُّه بين يديه، ولا يُحسن السُّؤال والطَّلب والدُّعاء من الله، وعندما تجتمع هذه الكلمات الثَّلاث يتحقَّق الدُّعاء. إذاً، الحاجة والفقر من منازل رحمة الله تعالى، وحيثُ يكون الفقرُ وتكونُ الحاجة تجدُ رحمةَ الله تعالى.

 

وهذا المعنى من الفقر، والوعي له، ونشره بين يدي الغني المطلق، تجده في مناجاةٍ بليغةٍ ومؤثرةٍ للإمام السجاد عليه السلام، يقول فيها:

“مَوْلايَ يا مَوْلايَ، أَنْتَ المَوْلى وَأَنا العَبْدُ، وَهَلْ يَرْحَمُ العَبْدُ إِلاّ المَوْلى؟ مَوْلايَ يا مَوْلايَ، أَنْتَ المالِكُ وَأَنا المَمْلُوكُ، وهَلْ يَرْحَمُ المَمْلُوكَ إِلاّ المالِكُ؟ مَوْلايَ يا مَوْلايَ، أَنْتَ العَزِيزُ وَأَنا الذَّلِيلَ، وَهَلْ يَرْحَمُ الذَّلِيلَ إِلاّ العَزِيزُ. مَوْلايَ يا مَوْلايَ، أَنْتَ الخالِقُ وَأَنا المَخْلُوقُ، وَهَلْ يَرْحَمُ المَخْلُوقَ إِلاّ الخالِقُ؟ مَوْلايَ يا مَوْلايَ، أَنْتَ العَظِيمُ وَأَنا الحَقِيرُ، وهَلْ يَرْحَمُ الحَقِيرُ إِلاّ العَظِيمُ؟ مَوْلايَ يا مَوْلايَ، أَنْتَ القَوِيُّ وَأَنا الضَّعِيفُ، وَهَلْ يَرْحَمُ الضَّعِيفَ إِلاّ القَوِيُّ؟ مَوْلايَ يا مَوْلايَ، أَنْتَ الغَنِيُّ وَأَنا الفَقِيرُ، وَهَلْ يَرْحَمُ الفَقِيرَ إِلاّ الغَنِيُّ؟ مَوْلايَ يا مَوْلايَ، أَنْتَ المُعْطِي وَأَنا السَّائِلُ، وَهَلْ يَرْحَمُ السَّائِلُ إِلاّ المُعْطِي”[22].

 

7- الدعوة والاستجابة

يَظهر من روايات أهل البيت عليهم السلام أنّ دعاء الله سبحانه دائماً ما يكون له حظٌّ من الاستجابة. وذلك أنّ الله سبحانه وتعالى لا يمكن أنْ يرُدّ دعاء عبدٍ يطلب منه حاجةً, لأنّ ردّ الله للدعاء فيه يستطبن إنكار شّيء من ربوبيته عزّ وعلا، والله يأبى أن تنتزع الربوبية منه وتعطى لغيره، وبالتّالي كان لا بدّ له تعالى أنْ يستجيب لدعاء الدَّاعي طالما أنَّه يدعو لحاجات مشروعة. من الممكن أن لا تكون الاستجابة حالّةً، أو أنْ تكونَ على طبق المدعوّ له، ومن الممكن أن تكون كذلك أيضاً، والمعيار في نوعية الاستجابة يذكره سيّد المتّقين الإمام علي عليه السلام فيما روي عنه في نهج البلاغة، في وصية لابنه الإمام الحسين عليه السلام: “ثُمَّ جَعَلَ فِي يَدَيْكَ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِه، بِمَا أَذِنَ لَكَ فِيه مِنْ مَسْأَلَتِه، فَمَتَى شِئْتَ اسْتَفْتَحْتَ بِالدُّعاء أَبْوَابَ نِعْمَتِه، واسْتَمْطَرْتَ شَآبِيبَ رَحْمَتِه، فَلَا يُقَنِّطَنَّكَ إِبْطَاءُ إِجَابَتِه، فَإِنَّ الْعَطِيَّةَ عَلَى قَدْرِ النِّيَّةِ، ورُبَّمَا أُخِّرَتْ عَنْكَ الإِجَابَةُ لِيَكُونَ ذَلِكَ أَعْظَمَ لأَجْرِ السَّائِلِ، وأَجْزَلَ لِعَطَاءِ الآمِلِ، ورُبَّمَا سَأَلْتَ الشَّيْءَ فَلَا تُؤْتَاه، وأُوتِيتَ خَيْراً

مِنْه عَاجِلاً أَوْ آجِلاً، أَوْ صُرِفَ عَنْكَ لِمَا هُوَ خَيْرٌ لَكَ، فَلَرُبَّ أَمْرٍ قَدْ طَلَبْتَه فِيه هَلَاكُ دِينِكَ لَوْ أُوتِيتَه، فَلْتَكُنْ مَسْأَلَتُكَ فِيمَا يَبْقَى لَكَ جَمَالُه، ويُنْفَى عَنْكَ وَبَالُه”[23].

 

وموضع الشاهد هنا قوله عليه السلام “فإنّ العطيّة على قدر النيّة“, لأنّها تعني أنّ الاستجابة تطابق الدّعوة، “فما سأله السّائل منه تعالى على حسب ما عقد عليه حقيقةَ ضميره وحمله ظهر قلبه هو الذي يؤتاه، لا ما كشف عنه قوله وأظهره لفظه، فإنّ اللفظ ربّما لا يُطابق المعنى المطلوب كلّ المطابقة كما مرَّ بيانه، فهي أحسن جملة وأجمع كلمة لبيان الارتباط بين المسألة والإجابة”[24].

 

وفي الرّواية الشَّريفة إشارات لطيفة لموارد عدّة قد يظهر للدّاعي فيها عدم استجابة الدُّعاء، ولكنّه تخلّفٌ ظاهريٌّ لا غير، وحقيقةُ الأمر أنَّ الله تعالى له تدبيرٌ حكيمٌ في كيفيَّة الاستجابة وتوقيتها.

 

فالقاعدة إذاً، تقتضي أنّ الدُّعاء الموافق للشُّروط، دعاءٌ يعود على صاحبه بالنَّفع يقيناً، فقد روي عن الإمام الباقر عليه السلام: “مَا أَبْرَزَ عَبْدٌ يَدَه إِلَى الله الْعَزِيزِ الْجَبَّارِ إِلَّا اسْتَحْيَا الله عَزَّ وجَلَّ أَنْ يَرُدَّهَا صِفْراً حَتَّى يَجْعَلَ فِيهَا مِنْ فَضْلِ رَحْمَتِه مَا يَشَاءُ, فَإِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ فَلَا يَرُدَّ يَدَه حَتَّى يَمْسَحَ عَلَى وَجْهِه ورَأْسِه[25].

مفاهيم رئيسة

يقوم الدُّعاء عند أهل البيت عليهم السلام على دعائم أساسية عدة، لا بد للداعي وأن يتلفت إليها في مقام الدُّعاء، خاصة أن الالتزام بإرشادات أهل البيت عليهم السلام هو من دواعي الهداية.

 

كون الإنسان يعيش في عالم النقص ويتعرض فيه للضرر، فلا بد له من دفع الضرر، والدعاء هو من الوسائل الشَّريفة التي جعلها الله تعال رافعة للضرر ومتممة للنقص.

 

حاجة الإنسان وسد النقص، تدفعه للبحث عن الجهة التي بمقدورها أن تسد هذا النقص وترفعه، وبالتالي لا يمكن أن يتوجه الإنسان بالدعاء إلى جهة مجهولة، بل لا بد له أن يتعرف عليها، وكلما ازدادت معرفته بها، كلما تمّ دعاؤه.

 

إنّ حقيقةَ الدُّعاء هي دفع الإنسان نحو إلهٍ واحدٍ تنحصرُ به جهة المساعدة ودفع الضرر، ونفي أيِّ قدرةٍ لغيره تعالى في أن يقوم بهذه الدّور. فالدُّعاء بهذا المعنى ظلُّ العبادة بل هو نفسها، لأنَّ الدَّاعي حقيقةً لا يمكن له أن يتوجَّه إلى غير الله تعالى.

 

لقد جعل الله تعالى الدُّعاء حاكماً على القدر، بل هو من القدر إلا أنَّه أعلى مرتبة من غيره من التقديرات. فإذا كان أمرٌ ما مقدَّر الحصول، بل كان وشيكَ الوقوع مُبرَماً، لما ردَّه وبدّل مساره إلا الدُّعاء لله تعالى.

 

إنّ الدُّعاء والمناجاة مع الله يقلع جذور هذه الأنانية من الإنسان، فيرى نفسه ضئيلاً أمام الله، وفي نفس الوقت الذي يطلب فيه شيئاً من الله فإنَّه يثبت الغنى المطلق لله تعالى والفقر المطلق لنفسه عملياً.

 

إن الله يستجيب الدُّعاء إذا كان دعاءً صحيحاً، لأن الله لا يمكنه أنَّه يرد الدُّعاء، لأنه إذا ردّه دفع بالإنسان إلى أن يبحث عن ربّ غيره، وهو محال.

للمطالعة

الدّعاء سلاح المؤمن، وأفضل عبادة

إنّ الدعاء مفتاح الخزائن الإلهيّة، سلاح المؤمن، وأفضل عبادة, يدفع البلاء ويجلب النعمة والرحمة الإلهيّة. إنّ ثمار الدعاء الوفيرة جعلته مخّ العبادة وأفضلها، ومن يعش دون هذا السلاح، تكن حياته ضياعاً وعجزاً يبقَ بلا مأوى.

 

روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال لأصحابه: “ألا أدلّكم على سلاحٍ ينجيكم من أعدائكم ويدرّ أرزاقكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال صلى الله عليه وآله وسلم: تدعون ربّكم بالليل والنّهار, فإنّ سلاح المؤمن الدعاء”[26].

 

فمن أراد السعي، عليه أن يحمل سلاح الدعاء، ومن وقع في سجال مع عدوّ أو في حادثة أو بليّة، فعليه بسلاح الدعاء.

 

وعن الإمام الكاظم عليه السلام قال: “كان علي بن الحسين عليهما السلام يقول: الدُّعاءُ يدْفَعُ الْبَلاءَ النّازِلَ وَما لَمْ ينْزِلْ”[27]. يعني إذا لم تدعوا، سيصيبكم البلاء.

 

فقد أعطى الله تعالى الإنسان وسيلةً، يستطيع من خلالها أن يحصل على ما يريد وهي الطلب من الله تعالى.

 

نُقل عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال: “…ثمّ جعل في يدِكَ مفاتيحَ خزائنه، بما أَذِنَ فيه من مسألته[28]. فالإذنُ الذي أعطاهُ الله تعالى لك لتطلُبَ منه ما بدا لك، هو مفتاحُ جميع الخزائن الإلهيّة. فإذا استخدم الإنسان هذا المفتاح (أي الطلب من الله) على النحو الصحيح، فلا شكّ أنّ الله سيعطيه ما يطلبه. عن الإمام علي عليه السلام: “…فمتى شئت استفتحت بالدُّعاء أبواب نعمته”[29].[30]

[1] العاملي، الشيخ الحرّ: وسائل الشيعة، ج27، ص34، مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث (تحقيق)، قم، مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، 1414 هـ، ط2.

[2] الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج7، ص42.

[3] الحلي، ابن فهد: عدة الدَّاعي ونجاح السَّاعي، ص12، أحمد الموحدي القمي(تحقيق وتعليق)، قم، مكتة الواجدي، ط1.

[4] سورة الأعراف، الآية 56.

[5] الشيخ الطوسي، أبو جعفر محمد بن الحسن: الأمالي، ص536، قسم الدراسات الإسلامية – مؤسسة البعثة (تحقيق)، قم، دار الثقافة للطباعة والنشر والتوزيع، 1414 هـ، ط1.

[6] الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج2، ص39.

[7] الشيخ الطوسي، أبو جعفر محمد بن الحسن: مصباح المتهجّد، ص353، بيروت، مؤسسة فقه الشيعة، 1991م، ط1.

[8] الشيرازي، أمثال القرآن الكريم، ص221.

[9] الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج7، ص27.
“ومخ كلّ شيء: خالصه”، كما في: الإفريقي، ابن منظور: لسان العرب، ج3، ص53، قم، نشر أدب الحوزة، 1405هـ، ط1.

[10] سورة محمد، الآية 38.

[11] سورة الذاريات، الآية 56.

[12] سورة غافر، الآية 60.

[13] الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج2، ص34.

[14] الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص470.

[15] م.ن.

[16] الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج2، ص41.

[17] سورة الروم، الآية 7.

[18] سورة آل عمران، الآية 2.

[19] مظاهري، الشيخ حسين: الفضائل والرذائل، ص111، دار الصفوة (تعريب)، بيروت، دار الصفوة، 1994م، ط1.

[20] الآصفي، الدُّعاء عند أهل البيت عليهم السلام، ص44.

[21] م.ن، بتصرُّف.

[22] الإمام علي بن الحسين عليهما السلام, الصحيفة السجادية، ص387، السيد محمد باقر الموحد الأبطحي الأصفهاني (تحقيق)، قم، نمونه، 1411هـ، ط1.

[23] نهج البلاغة، ص399، الشريف الرضي (اختياره وضبطه)، صبحي الصالح (تحقيق وفهرسة)، بيروت، 1967م، ط1.

[24] الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج2، ص37.

[25] الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص471.

[26] الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص468.

[27] م.ن، ج2، ص469.

[28] نهج البلاغة، ج3، ص37.

[29] م.ن.

[30] الإمام القائد الخامنئي دام ظله، خطب صلاة الجمعة، 17/2/1995.

 

https://t.me/wilayahinfo

https://chat.whatsapp.com/JG7F4QaZ1oBCy3y9yhSxpC

 

شاهد أيضاً

7850_344 (1)

اميركا تحاول من خلال التصعيد بوجه ايران قلب موازين الصراع

شدد نائب رئيس المجلس التنفيذي في “​حزب الله​” الشيخ علي دعموش على أن “الصراع في ...