5f9874cc-f1e8-4ad9-9942-0c53e15a5155

مواعظ شافية

1- الاختبار الإلهيّ

 

يقول الله سبحانه تعالى في محكم كتابه:

﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾1

 

 

 

 

1- سورة هود، الآية: 7.

تمهيد

 

عندما خلق الله تعالى الإنسان، قضت المشيئة الإلهيّة أن تكون له حياتان، حياة الدنيا، وحياة الآخرة. ففيما يتعلّق بالحياة الآخرة، شاء الله سبحانه وتعالى أن تكون هي الحياة الحقيقية، ولذلك أعطاها صفة الخلود، فهي حياة أبدية، لا موت فيها ولا زوال.

 

ولأنّها الحياة الحقيقيّة، السرمديّة والواقعيّة، فإنّ كلّ الحقائق ستظهر فيها ، ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ2 ﴿لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ3.

 

دار الجزاء

 

جعل الله سبحانه وتعالى العنوان الرئيس للحياة الآخرة “دار الجزاء” بمعنى أنّ كلّ إنسان بدون أيّ استثناء سيلاقي جزاءَ عمله في الحياة الآخرة، يقول تعالى:

﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَاللّهُ رَؤُوفُ بِالْعِبَادِ4.

 

2- سورة الطارق، الآية: 9.

3- سورة ق، الآية: 22.

4- سورة آل عمران، الآية: 30.

وكلّ ما ذكر في أحداث ما بعد الموت إلى القيامة، هو مقدّمة لحصول الجزاء الأخروي: سؤال منكر ونكير, النفخ في الصور، الحشر، وكتب الأعمال الّتي تُعطى للناس:﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ5 ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيهْ6،الميزان:﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ7، الشفاعة: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ8. كلّ هذه الأحداث والأسماء هي في الحقيقة مقدّمة للجزاء (أي للثواب والعقاب).

 

ويستقرّ المشهد بعد انتهاء الحساب وسلوك الناس الصراط، فريق في الجنّة وفريق في السعير.

 

دار الفناء

 

وهي الدنيا والحياة الأولى الّتي تسبق حياة الآخرة، ولكنّها حياة قصيرة ومحدودة مقارنة بها وسُمّيت بالعاجلة في مقابل الآخرة (الآجلة). وقد وجدت لأجل محدّد لسبب دورها الّذي يقترن بالإعداد والتجهّز لعالم الآخرة. وعندما ينتهي أجل المرء فيها تبدأ أحداث الآخرة.

 

إذاً هذا النظام الكوني يتّجه إلى نهاية، لأنّ لعالم الآخرة كوناً مختلفاً ونظاماً جديداً، ومعايير أخرى. أراد الله سبحانه وتعالى أن تكون الدنيا دار العمل كما أنّ الآخرة دار الجزاء، ومع ذلك لا يعني هذا أنّه لا يوجد جزاء دنيويّ، ولكن حتّى الجزاء الدنيوي هو زائل فانٍ، وليس بشيء أمام الجزاء الحقيقي في الآخرة.

 

5- سورة الحاقة، الآية: 19.

6- سورة الحاقة، الآية: 25.

7- سورة الأنبياء، الآية: 47.

8- سورة البقرة، الآية: 255.

 

والله سبحانه وتعالى أقام علاقات بين العمل وبين الجزاء، في الدنيا وفي الآخرة. الجزاء هو نتيجة عمل الإنسان وذلك حتّى يحصل الإنسان على جنّته، وعلى نعيمه وكرامته.

 

ولكنَّ ذلك يحتاج إلى جهاد، وعمل، وصبر، وتضحيات. هذه مشيئة الله سبحانه وتعالى، وهذه ميزة الإنسان الّذي أراد الله تعالى له أن يحصل على مقام الخلافة، والأمانة، والكرامة، والقرب من الله عزّ وجلّ.

 

يقول تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ9.

 

ويقول سبحانه: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾10.

 

ويقول عزّ من قائل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ11.

 

الدنيا هي دار العمل، دار الاختبار، هي دار الامتحان، أو هي دار البلاء والابتلاء، وهناك ثلاث آيات كريمة تضيء على هذا الموضوع:

 

يقول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً12. أي ليختبركم في هذه الحياة الدنيا.

 

وقال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ13.

 

9- سورة البقرة، الآية: 30.

10- سورة الأحزاب، الآية: 72.

11- سورة الحجرات، الآية: 13.

12- سورة هود، الآية: 7.

13- سورة الملك، الآية: 2.

 

وفي آية ثالثة قال الله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا﴾ لماذا؟ يقول الله:﴿لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا14. ويقول تعالى: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا15. بمعنى أنّ كلّ هذه الأرض فانية. وهنا الله تعالى يبلونا ليرى أيّنا أحسن عملاً، لأنّه فيما بعد هناك جزاء وحساب، لنكون أهلاً للثواب بجدارة، أو مستحقّين للعقاب وليس لنا حجّة على الله عندما يُعاقبنا بذنوبنا أو بسوء أعمالنا.

شاهد أيضاً

130114_1353201286-jalaali-ir - Copy

شبهات و ردود – المحقق السيد محمد رضا الحسيني الجلالي

الالزام انما هو بما في علم الكلام نص الشبهة:  بسمه تعالى إن هناك من يناقشنا، ...