98fbc63b-049d-4646-aa00-69e421c82e1b

مواعظ شافية

الأبناء محبَّة.. ومسؤوليَّة

يقول الله سبحانه تعالى في محكم كتابه:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾1

 

1- سورة التحريم، الآية: 6.


تمهيد

 

تحدّثنا في الدرس السابق عن الزواج وأهمّيته وذكرنا مقوّمات الزواج الناجح. وفي السياق ذاته واستكمالاً للحديث عن العائلة نصل للحديث عن الأولاد. لقد شملت الروايات الزوجة والأولاد معاً وتحدّثت عن التقرّب من العيال والذود عنهم وإرضائهم.

 

لقد حثّ الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم على الزواج والإنجاب لأنّ هذا يشكِّل ضمانةً واستمراريّة للبشريّة. وقد ورد أنّه من سعادة المرء أن يكون له ولد صالح يبقى بعده، يفي عنه الدّين ويقضي عنه الصلاة والحجّ، ويهدي إليه ثواب الأعمال. وقد روي أنّ عيسى ابن مريم عليه السلام مرّ بقبر يُعذَّب صاحبه وكان للمسيح معجزات كثيرة، منها الاطلاع على ما في القبور ثمّ مرّ به بعد عام فإذا هو لا يعذّب، فقال: “يا ربّ، مررت بهذا القبر عام أوّل وكان يُعذَّب صاحبه، ومررتُ به هذا العام، وهو ليس يُعذَّب، فأوحى الله جلّ جلاله إليه: يا روح الله، قد أدرك له ولد صالح فأصلح طريقاً وآوى يتيماً، فغفرتُ له بما عمل ابنه”2.

 

إذاً الولد الصالح هو ضمانة للمرء بعد موته. وبالمقابل، فإنّ الروايات نفسها

 

2- وسائل الشيعة، الحرّ العاملي، ج 16، ص 338.

 

تقول إنّ “ولد السوء يهدم الشرف ويشين السلف”3. فالمسؤوليّة تجاه الأولاد كبيرة على صعيد الدنيا والآخرة، يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ4. فالإنسان مسؤول عن دنيا أولاده وآخرتهم.

 

حبّ الأطفال أفضل الأعمال

 

لقد أكّد الإسلام على قواميّة الحبّ في العلاقة بين الأهل والأولاد بحيث يبرز الوالدان المودّة والرحمة نحو أبنائهما، إلى حدّ التصابي، فقد ورد عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: “من كان له صبي فَلْيَتصابَ له”5.

 

وفي الحديث: “قال موسى بن عمران عليه السلام: يا ربّ، أيّ الأعمال أفضل عندك؟ فقال: حبّ الأطفال”6. مع أنّ هذا شيء فطريّ لكنّ الله تعالى يصبغه بصبغة دينيّة، ويُعطي عليه أجراً، وهذا من كرم الله عزّ وجلّ.

 

وقد روي أنّه في يوم من الأيّام خرج على الصحابة عثمان بن مظعون ومعه صبيٌّ له يُقبِّله. فرآه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فقال له: “ابنك هذا؟ قال: نعم، قال: أتحبّه يا عثمان؟ قال: إي والله يا رسول الله إنّي أحبُّه، قال: أفلا أزيدك له حبّاً؟ قال: بلى، فداك أبي وأمّي. قال: إنّه منْ يُرضي صبيّاً له صغيراً من نسله حتّى يرضى، ترضّاه الله يوم القيامة حتّى يرضى”7. وعن الإمام الصادق عليه السلام: “إنّ الله ليرحم العبد لشدّة حبّه لولده”8. وعن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: “من قبَّل ولده كتب الله تعالى له حسنة، ومن فرَّحه فرَّحه الله يوم القيامة، ومن علَّمه القرآن دُعي بالأبوين فيأتيان

 

3- مستدرك الوسائل، الميرزا النوري، ج 15، ص 215.

4- سورة التحريم، الآية: 6.

5- ميزان الحكمة، ج 4، ص 3670.

6- بحار الأنوار،العلامة المجلسي، ج 101، ص 97.

7- ميزان الحكمة، الريشهري، ج 4، ص 3669.

8- الكافي، الكليني، ج 6، ص 50.

بحلَّتين يضيء من نورهما وجوه أهل الجنّة”9.

 

وروي أيضاً أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كان يقبّل الحسن والحسين عليه السلام ، فاستغرب أحدُ الأشخاص، واسمُه الأقرع بن حبوة، تصرُّف النبيّ قائلاً: إنّ لي عشرة أبناء ما قبَّلتُ واحداً منهم قَطّ. فغضب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حتّى التمع (تغيَّر) لونُه، وقال للرجل: “إن كان الله قد نزع الرحمة من قلبك فما أصنع بك؟ من لم يرحم صغيرنا ويعزِّز كبيرنا ليس منّا”10. هذا هو دينُنا دين الرحمة بالصغار، والتكريم وتقدير الكبار.

 

وعن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: دخلت على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والحسن والحسين عليه السلام على ظهره، وهو يجثو لهما ويقول: “نِعمَ الجملُ جملكما، ونِعمَ العِدلانِ أنتما!”11. وقد تكرّرت هذه الحادثة أمام الصحابة الآخرين، فقال أحد الصحابة: رأيتُ الحسن والحسين عليه السلام على عاتقي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقلت: نعمَ الفرس لكما! فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “ونِعمَ الفارسان هما”12.

 

عدم التمييز بين الأبناء والبنات

 

كانت فكرة وأد البنات منتشرة قبل الإسلام، وكان وجه الجاهليّ يسودّ إذا بُشِّر بالأنثى، يقول تعالى:﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاء مَا يَحْكُمُونَ13. فأتى الإسلام وحرَّم هذا الأمر، وأظهر حقوقاً للمرأة طالما كانت محرومة منها، ودعا إلى احترامها كأمّ وأخت وبنت، فعن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: “لا تكْرَهوا البنات، إنَّهنَّ المؤنسات الغاليات”14. والتجربة تقول إنّه عندما يكبر الوالدان غالباً

 

9- الكافي، الكليني، ج6، ص 49.

10- بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج 43، ص 283.

11- م.ن.

12- م.ن.

13- سورة النحل، الآيتان: 58- 59.

14- ميزان الحكمة، ج4، ص 3672.

ما تكون الفتيات أكثر عطفاً واهتماماً وبِرّاً بهما. وفي الحديث عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: “من وُلدت له ابنة فلم يؤذها ولم يُهنها ولم يُؤثر ولده عليها أدخله الله بها الجنّة”15. وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: “نِعمَ الوِلدُ البنات المخدّرات! من كان عنده واحدة جعلها الله له ستراً من النار”16. وعن الإمام الصادق عليه السلام: “البنات حسنات، والبنون نعمة، فالحسنات يُثاب عليها، والنِّعَم مسؤول عنها”17.

 

مسؤوليّة التربية والعناية

 

ومن الأمور الهامّة مسؤوليّة تربية الأولاد وتعليمهم وإصلاح اعوجاجهم إذا اعوجُّوا، وذلك بمحادثتهم وإقناعهم وليس بالضرب، بل بالإفهام، وكذلك بالقدوة الحسنة؛ أي أن يكون الأب والأُمّ قدوة في البيت، فيتأثّر الولد بسلوك أهله وعاداتهم، وكذلك بأخذ الأولاد إلى المساجد وتعليمهم الصلاة وتعويدهم على الصيام منذ صغرهم، وتعليمهم القرآن واصطحابهم إلى مجالس العزاء؛ فإنّ لهذا كلّه تأثيراً كبيراً في تنشئة الأولاد ومستقبلهم.

 

ثمّ لا بدّ من العناية بالأولاد صحيّاً وجسديّاً، فضلاً عن إطعامهم وإكسائهم، فيوم القيامة سنُسألُ عن هذه الأمور كما نُسألُ عن صلاتنا وصيامنا.

 

اعدلوا بين أولادكم

 

لا بدّ من العدل بين الأولاد، فلا يجوز تفضيل ولد على ولد في المعاملة، فعن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: “اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم”18. ستُسألون عن التمييز بين أولادكم، وقد يؤدّي ذلك إلى معاصٍ وانحرافات وأحياناً إلى جرائم، ويمكن أن يتحوّل ذلك إلى حسد بين الإخوة فيكيد بعضهم لبعض. فعن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: “ساوُوا بين

 

15- م.ن.

16- م.ن.

17- م.ن.

18- جواهر الكلام، الشيخ الجواهري، ج 28، ص 181.

 

 أولادكم في العطية، فلو كنتُ مفضلاً أحداً لفضَّلت النساء”19. وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: “إنّ الله تعالى يحبّ أن تعدلوا بين أولادكم حتّى في القُبَل”20.

 

هكذا نتصرّف إذا أردنا أن يكون لنا أولاد صالحون ليكونوا عوناً لنا في الدنيا وذخراً في الآخرة.

 

وهناك أولاد هم ذُخر لأهلهم في الآخرة حتّى قبل موت الأبوين، وهم الشهداء. فمن المعروف عندنا أنّ الشهداء يُرزقون حقّ الشفاعة، فعندما يُوتَى بالشهيد إلى باب الجنّة يقف ويقول: لا أدخلها إلّا وأبواي معي. فالشهداء في ثقافتنا هم ذُخر لآبائهم يوم القيامة، وعزٌّ وكرامة لهم في الدنيا، فطوبى لرحم حمل بهؤلاء العظماء وهنيئاً لأصل تفرّع منه هذا الغصن المثمر إيماناً وتضحيةً وعزّاً وشفاعة.

 

لماذا هم فتنة؟

 

يبقى أن نتحدّث عن شبهة موجودة في أذهان الناس، مثلاً هناك آيات وروايات تعبّر عن الأبناء بالفتنة كقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ21، والفتنة تعني أنّ علينا أن نهرب منها. هذا شرح خاطئ. وفي بعض الآيات والروايات أنّ الأزواج والأولاد أعداء لكم. ويأتي أحياناً الشرح ليقول: لا يجوز أن يجتمع في قلبك حُبَّان: حبّ الله وحب آخر. فإذا وُجد في قلبك حبّ لوالديك أو لزوجتك وأولادك فهذا يتنافى مع وحدانيّة حبّ الله.

 

وجواباً عن الشبهة الأولى نقول: الفتنة تعني الاختبار والامتحان. فأموالنا وأولادنا فتنة لنا بمعنى ابتلاء واختبار، فالله تعالى يرى كيف نتصرّف بهذه النِّعَم الّتي أغدقها علينا، هل في الخيرات والطاعات؟ أم في الموبقات؟ وكذلك في شأن الأولاد، هل نربّيهم تربية صالحة؟ أم نهملهم؟

 

19- ميزان الحكمة، الريشهري، ج4، ص 3673.

20- م.ن.

21- سورة الأنفال، الآية:28.

 

 

أمّا الشبهة الثانية – موضوع الحبّ – فإنّه سبحانه أوجب على الإنسان أن يحبّ والديه، فحبّ الوالدين من حبّ الله، وكذلك حبّ الزوجة والأولاد. أمّا عندما يصغي الأبوان لرغبات أولادهما المحرّمة فيعصيان الله تعالى بسبب حبّ الأولاد، فهذا هو الحبّ الّذي ينافي حبّ الله. فالرسول صلى الله عليه وآله وسلم وُلد يتيماً، وهو يحبّ أهل بيته حبّاً جمّا، ومع ذلك ففي معركة بدر دفع إلى المعركة أحبّ الناس إليه، ابن عمّه علياً عليه السلام وعمَّه الحمزة عليه السلام ، وصحابة الرسول كانوا يقدّمون أبناءهم أمامهم ليُقتلوا بين يدي الرسول صلى الله عليه وآله وسلم. وكذلك كان أمير المؤمنين عليه السلام يقدّم أولاده إلى المعركة، ولم يبخل بهم. وأصحاب الإمام كذلك، فهذا حجر بن عدي (رض) رفض التبرُّؤ من الإمام عليّ عليه السلام. ولمّا هُدِّد بالقتل قدَّم ابنه أمامه للاستشهاد، لأنّه خشي إن هو قتل أوّلاً أن يضعف قلب ابنه فيتبرَّأ من أمير المؤمنين عليه السلام !

 

وختاماً نسأل الله سبحانه وتعالى ما سأله إبراهيم الخليل عليه السلام:﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء * رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ22.

 

22- سورة إبراهيم، الآيتان: 40 41.

 

 للمطالعة

حبّ الأبناء في كربلاء

 

عندما نتأمل في واقعة كربلاء فإنّنا نرى سيّد الشهداء أبي عبد الله الحسين عليه السلام قدَّم للشهادة أولاده وإخوانه وأصحابه وهم من أحبّ الناس إليه، ولم يبخل بأحد منهم. وأوّل من أذن له في القتال ابنه عليّ الأكبر، هذا الشابّ الّذي كان الحسين عليه السلام وكلّ أهل البيت عليه السلام يحبّونه حبّاً شديداً لأنّه أشبه الناس برسول الله خَلقاً وخُلقاً ومنطقاً. فعندما استشهد عليّ الأكبر عليه السلام قال الحسين عليه السلام: “على الدنيا بعدك العفا يا بنيّ”23. هذا فلذة كبد الحسين عليه السلام ، ولكنَّ حبّه له لم يمنعه من تقديمه للشهادة إعلاءً لكلمة الله وإعزازاً لدينه. إنّ هذا الحبّ هو عين حبّ الله.

 

في حبّ الله24

 

عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: “إذا أحبّ الله عبداً من أمّتي قذف في قلوب أصفيائه وأرواح ملائكته وسكّان عرشه محبّته ليحبّوه، فذلك المحبُّ حقّاً. طوبى له ثمّ طوبى له، وله عند الله شفاعةٌ يوم القيامة”.

 

عن الإمام الصادق عليه السلام:”حبّ الله نارٌ لا يمرُّ على شيء إلا احترقه ونور الله لا يطلع على شيء إلا أضاء…”.

 

23- إقبال الأعمال، ابن طاووس، ج 3، ص 343.

24- مصباح الشريعة، ص192.

شاهد أيضاً

13299_438

على أحرار العالم أن لايصمتوا ازاء جرائم السلطات الهندية في كشمير

أدان المرجع الديني الايراني آية الله حسين نوري همداني الممارسات اللاانسانية التي ترتكبها السلطات الهندية ...