الرئيسية / اخبار اسلامية / اخلاق أهل البيت – السيد مهدي الصدر 02
0c6d9d8b-04c4-466c-bd78-cf292ab5010b

اخلاق أهل البيت – السيد مهدي الصدر 02

حسن الخلق

حسن الخلق هو : حالة تبعث على حسن معاشرة الناس ، ومجاملتهم بالبشاشة ، وطيب القول ،
ولطف المداراة ، كما عرّفه الإمام الصادق عليه السلام حينما سُئل عن حدّه فقال :
« تلين جناحك ، وتطيب كلامك ، وتلقى أخاك ببشر حسن » ( 1 ) .
من الأماني والآمال التي يطمح إليها كل عاقل حصيف ، ويسعى جاهداً في كسبها وتحقيقها ،
أن يكون ذا شخصية جذّابة ، ومكانة مرموقة ، محبباً لدى الناس ، عزيزاً عليهم .
وإنها لأمنية غالية ، وهدف سامي ، لا يناله إلا ذوو الفضائل والخصائص التي تؤهلهم
كفاءاتهم لبلوغها ، ونيل أهدافها ، كالعلم والأريحية والشجاعة ونحوها من الخلال
الكريمة .

بيد أن جميع تلك القيم والفضائل ، لا تكون مدعاة للإعجاب والاكبار ، وسمو المنزلة ،
ورفعة الشأن ، إلا إذا اقترنت بحسن الخلق ، وازدانت بجماله الزاهر ، ونوره الوضّاء .
فإذا ما تجردت منه فقدت قيمها الأصيلة ، وغدت صوراً شوهاء تثير السأم والتذمر .
لذلك كان حسن الخلق ملاك الفضائل ونظام عقدها ، ومحور فلكها ،
وأكثرها إعداداً وتأهيلاً لكسب المحامد والأمجاد ، ونيل المحبة والاعزاز .
أنظر كيف يمجد أهل البيت عليهم السلام هذا الخلق الكريم ، ويطرون المتحلين به
إطراءاً رائعاً ، ويحثون على التمسك به بمختلف الأساليب التوجيهية المشوقة ، كما
تصوره النصوص التالية :
قال النبي صلى اللّه عليه وآله : « أفاضلكم أحسنكم أخلاقاً ، الموطئون أكنافاً ، الذين
يألفون ويؤلفون وتوطأ رحالهم » ( 1 ) .
وقال الباقر عليه السلام : « إن أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً » ( 2 ) .
وقال الصادق عليه السلام : « ما يقدم المؤمن على اللّه تعالى بعمل بعد الفرائض ، أحبّ
إلى اللّه تعالى من أن يسع الناس بخلقه » ( 3 ) .
وقال عليه السلام : « إن اللّه تعالى ليعطي العبد من الثواب على حسن الخلق ، كما يعطي
المجاهد في سبيل اللّه ، يغدو عليه و يروح » ( 4 ) .
وقال النبي صلى اللّه عليه وآله : « إن صاحب الخلق الحسن له مثل أجر الصائم
القائم » ( 5 ) .
وقال الصادق عليه السلام : « إن الخلق الحسن يميت الخطيئة ، كما تميت الشمس
الجليد » ( 6 ) .
وقال عليه السلام : « البر وحسن الخلق يعمران الديار ، ويزيدان
في الأعمار » ( 7 ) .
وقال عليه السلام : « إن شئت أن تُكرمَ فَلِن ، وإن شئت أن تُهان فاخشن » ( 8 ) .
وقال النبي صلّى اللّه عليه وآله : « إنكم لم تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم
بأخلاقكم » ( 9 ) .
وكفى بحسن الخلق شرفاً وفضلاً ، أن اللّه عز وجل لم يبعث رسله وأنبياءه إلى الناس
إلا بعد أن حلاّهم بهذه السجية الكريمة ، وزانهم بها ، فهي رمز فضائلهم ، وعنوان
شخصياتهم .
ولقد كان سيد المرسلين صلى اللّه عليه وآله المثل الأعلى في حسن الخلق ، وغيره من
كرائم الفضائل والخِلال . واستطاع بأخلاقه المثالية أن يملك القلوب والعقول ، واستحق
بذلك ثناء اللّه تعالى عليه بقوله عز من قائل : ( وإنّك لعلى خلق عظيم ) .
قال أمير المؤمنين علي عليه السلام وهو يصور أخلاق رسول اللّه صلّى اللّه عليه
وآله : « كان أجود الناس كفاً ، وأجرأ الناس صدراً ، وأصدق الناس لهجة ، وأوفاهم ذمة ،
وألينهم عريكة ، وأكرمهم عشرة . من رآه بديهة هابه . ومن خالطه فعرفه أحبّه ، لم أرَ
مثله قبله ولا بعده » ( 1 ) .
وحسبنا أن نذكر ما أصابه من قريش ، فقد تألبت عليه ، وجرّعته ألوان الغصص ، حتى اضطرته
إلى مغادرة أهله وبلاده ، فلما نصره اللّه عليهم ، وأظفره بهم ، لم يشكّوا أنّه سيثأر
منهم ، وينكّل بهم ، فما زاد أن قال لهم : ما تقولون إني فاعل بكم ؟ ! قالوا : خيراً ، أخ
كريم وابن أخ كريم . فقال : أقول كما قال أخي يوسف : لا تثريب عليكم ، اذهبوا فأنتم
الطلقاء .
وجاء عن أنس قال : كنت مع النبي صلى اللّه عليه وآله ، وعليه برد غليظ الحاشية ، فجذبه
أعرابي بردائه جذبة شديدة ، حتى أثرت حاشية البُرد في صفحة عاتقه ، ثم قال : يا محمد
إحمل لي علي بعيريّ هذين من مال اللّه الذي عندك ، فإنك لا تحمل لي من مالك ، ولا مال
أبيك . فكست النبي صلى اللّه عليه وآله ثم قال : المال مال اللّه ، وأنا عبده . ثم قال :
ويقاد منك يا أعرابي ما فعلت بي ؟ ! قال : لا . قال : لِمَ ؟ قال : لأنّك لا تكافئ بالسيئة
السيئة . فضحك النبي ، ثم أمر أن يحمل له على بعير شعيراً ، وعلى الآخر تمراً ( 2 ) .
وعن أمير المؤمنين عليه السلام قال : إن يهوديّاً كان له على رسول اللّه صلى اللّه
عليه وآله دنانير ، فتقاضاه ، فقال له : يا يهودي ما عندي ما أعطيك . فقال : فإني لا
أفارقك يا محمد حتى تقضيني . فقال : إذن أجلس معك ، فجلس معه حتى صلّى في ذلك الموضع
الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة والغداة ، وكان أصحاب رسول اللّه يتهددونه
ويتواعدونه ، فنظر رسول اللّه إليهم فقال : ما الذي تصنعون به ؟ ! فقالوا : يا رسول
اللّه يهودي يحبسك ! فقال : لم يبعثني ربي عز وجل بأن أظلم معاهداً ولا غيره . فلما
علا النهار قال اليهودي : أشهد أن لا إله إلا اللّه ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ،
وشطر مالي في سبيل اللّه ، أما واللّه ما فعلت بك الذي فعلت ، إلا لأنظر إلى نعتك في
التوراة ، فاني قرأت نعتك في التوراة : محمد بن عبد اللّه ، مولده بمكة ، ومهاجره
بطيبة ، وليس بفظ ولا غليظ ، ولا سخّاب ، ولا متزين بالفحش ، ولا قول الخنا ، وأنا أشهد
أن لا إله إلا اللّه ، وأنّك رسول اللّه ، وهذا مالي فاحكم فيه بما أنزل اللّه ، وكان
اليهودي كثير المال ( 1 ) .
وهكذا كان الأئمة المعصومون من أهل البيت عليهم السلام في مكارم أخلاقهم ، وسمو
آدابهم . وقد حمل الرواة إلينا صوراً رائعة ودروساً خالدة من سيرتهم المثالية ،
وأخلاقهم الفذة :
من ذلك ما ورد عن أبي محمد العسكري عليه السلام قال : ورد على أمير المؤمنين عليه
السلام أخوان له مؤمنان ، أب وابن ، فقام إليهما وأكرمهما وأجلسهما في صدر مجلسه ،
وجلس بين يديهما ، ثم أمر بطعام فأحضر فأكلا منه ، ثم جاء قنبر بطست وإبريق خشب
ومنديل ، فأخذ أمير المؤمنين عليه السلام الإبريق فغسل يد الرجل بعد أن كان الرجل
يمتنع من ذلك ، وتمرغ في التراب ، وأقسمه أمير المؤمنين عليه السلام أن يغسل مطمئناً ،
كما كان يغسل لو كان الصابّ عليه قنبر ففعل ، ثمن ناول الإبريق محمد بن
الحنفية وقال : يا بني لو كان هذا الابن حضرني دون أبيه لصببت على يده ، ولكن اللّه
عز وجل يأبى أن يُسوي بين ابن وأبيه ، إذا جمعهما مكان ، ولكن قد صب الأب على الأب ،
فليصب الابن على
الابن ، فصب محمد بن الحنفية على الابن .
ثم قال العسكري عليه السلام : فمن اتبع علياً على ذلك فهو الشيعي حقاً ( 1 ) .
وورد أن الحسن والحسين مرّا على شيخ يتوضأ ولا يُحسن ، فأخذا في التنازع ، يقول كل
واحد منهما أنت لا تحسن الوضوء ، فقالا : أيّها الشيخ كن حَكَماً بيننا ، يتوضأ كل
واحد منّا ، فتوضئا ثم قالا : أيّنا يحسن ؟ قال : كلاكما تحسنان الوضوء ، ولكن هذا الشيخ
الجاهل هو الذي لم يكن يحسن ، وقد تعلّم الآن منكما ، وتاب على يديكما ببركتكما
وشفقتكما على أمة جدّكما ( 2 ) .
وجنى غلام للحسين عليه السلام جناية توجب العقاب عليه ، فأمر به أن يضرب ، فقال : يا
مولاي والكاظمين الغيظ . قال : خلّوا عنه . فقال : يا مولاي والعافين عن الناس . قال : قد
عفوت عنك . قال : يا مولاي واللّه يحب المحسنين . قال : أنت حرّ لوجه اللّه ، ولك ضعف ما
كنت أعطيك ( 3 ) .
وحدّث الصولي : أنه جري بين الحسين وبين محمد بن الحنفية كلام ، فكتب ابن الحنفية إلى
الحسين : « أما بعد يا أخي فإن أبي وأباك علي لا تفضلني فيه ولا أفضلك ، وأمّك فاطمة
بنت رسول اللّه ، لو كان ملء الأرض ذهباً ملك أمّي ما وفت بأمّك ، فإذا قرأت كتابي
هذا فصر إليّ حتى تترضاني ، فإنك أحق بالفضل مني ، والسلام عليك ورحمة اللّه وبركاته » ففعل الحسين
فلم يجر بعد ذلك بينهما شيء ( 4 ) .
وعن محمد بن جعفر وغيره قالوا : وقف على علي بن الحسين عليه السلام رجل من أهل بيته
فأسمعه وشتمه ، فلم يكلمه ، فلما انصرف قال لجلسائه : لقد سمعتم ما قال هذا الرجل ،
وأنا أحب أن تبلغوا معي إليه حتى تسمعوا مني ردّي عليه .
فقالوا له : نفعل ، ولقد كنا نحب أن يقول له ويقول . فأخذ نعليه ومشى
وهو يقول : « والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس واللّه يحب المحسنين » ، فعلمنا أنه لا يقول له
شيئاً .
قال : فخرج حتى أتى منزل الرجل ، فصرخ به ، فقال : قولوا له هذا علي بن الحسين . قال :
فخرج متوثباً للشر ، وهو لا يشكّ أنّه إنما جاء مكافئاً له على بعض ما كان منه .
فقال له علي بن الحسين : يا أخي إنّك وقفت عليّ آنفاً وقلت وقلت فإن كنت قلت ما في
فأستغفر اللّه منه ، وإن كنت قلت ما ليس فيّ فغفر اللّه لك . قال : فقبّل الرجل بين
عينيه ، وقال : بل قلت فيك ما ليس فيك وأنا أحق به ( 1 ) .
وليس شيء أدل على شرف حسن الخلق ، وعظيم أثره في سمو الانسان واسعاده ، من الحديث
التالي :
عن علي بن الحسين عليه السلام قال : ثلاثة نفر آلوا باللات والعزى ليقتلوا محمداً
صلى اللّه عليه وآله ، فذهب أمير المؤمنين وحده إليهم وقتل واحداً منهم وجاء بآخرين ،
فقال النبي : قدّم إليّ أحد الرجلين ، فقدّمه فقال : قل لا إله إلا اللّه ، واشهد أني
رسول اللّه . فقال : لنقل جبل أبي قبيس أحبّ إلي من أن أقول هذه الكلمة ، . قال : يا علي
أخره واضرب عنقه . ثم قال : قدم الآخر ، فقال : قل لا إله إلا اللّه ، واشهد أني رسول
اللّه . قال : ألحقني بصاحبي . قال : يا علي أخره واضرب عنقه . فأخره وقام أمير المؤمنين
ليضرب عنقه فنزل جبرئيل على النبي صلى اللّه عليه وآله فقال : يا محمد إنّ ربك يقرئك
السلام ، ويقول لا تقتله فإنه حسن الخلق سخي في قومه . فقال النبي صلى اللّه عليه
وآله : يا علي أمسك ، فان هذا رسول ربي يخبرني أنّه حسن الخلق سخيّ في قومه . فقال
المشرك تحت السيف : هذا رسول ربك يخبرك ؟ قال : نعم . قال : واللّه ما ملكت درهماً مع أخ
لي قط ، ولا قطبت وجهي في الحرب ، فأنا أشهد أن لا إله إلا اللّه ، وأنك رسول اللّه .
فقال رسول اللّه : هذا ممن جرّه حسن خلقه وسخائه إلى جنات النعيم ( 2 ) .

شاهد أيضاً

13980431001237_Test_PhotoI

روحاني: من حسن الحظ إتخاذ خطوات فاعلة في تعزيز العلاقات بين طهران وبغداد

صرح الرئيس الايراني حسن روحاني انه، “من حسن الحظ قد شهدنا خلال السنوات الأخيرة إتخاذ ...