الرئيسية / اخبار اسلامية / 2 جدال في شهر العسل – السيد حسين الحيدري
IMG_٢٠١٩٠٦١٩_١٥٢٥٤٧

2 جدال في شهر العسل – السيد حسين الحيدري

الفصل الأول

بعد حفل زفافٍ صاخبٍ وطويل، تناول الضيوف طعام العشاء، ثم ودّع الأهلُ العروسين علياً وهدى، فاستقلا سيارة عرسهما المزينة بالورود، قاصدين التوجه إلى البيت الذي سيقضيان فيه سويةً أولى لياليهما، بل أحلى ليالي عمريهما، إنَّها ليلة الزفاف وبداية شهر العسل، وهي أول ليلة من حياتهما المشتركة التي طالما تمنياها، وها هي قد تحققتْ بفضل الله سبحانه.

 انطلقتْ السيارة مبتعدة عن بيت والديها، والجميع يلوّح لهما بأيديهم مبتهجين فرحين، وكانتْ دموعُ والديها تنهمر على خديهما وهما يتابعان بنظرهما ابنتهما التي ستفارقهما إلى بيت زوجها، فيدعوان الله تعالى لها أنْ يسعدَها وزوجَها، وأنْ يؤلِّفَ بين قلبيهما ويبارك في زواجهما، وأنْ يرزقهما ذرية صالحة سالمة مباركة.

بينما كان عليٌ يقود السيارة بهدوءٍ تام، يحاول أنْ يختلس بين الفينة والأخرى نظرةً إلى وجه حبيبته هدى مبتسماً لها، فيخفقُ قلبُها بشدّة وتحمرُّ وجنتاها، ويكسوها الحياء بهاءً رائعاً، فيشعّ وجهها نوراً وجمالا، وتبادله هي الابتسامة، لكنها تغضُّ الطرفَ عنه حياءً كلما حدّق النظر في عينيها الكحيلتين، وتشيحُ بوجهها عنه إلى الجهة الأخرى، فتشغلُ نفسها بمنظر الأشجار على جانبي الطريق.

أخيراً وصلا إلى البيت ودخلاه، وكان أوّلُ عملٍ قام به عليٌ هو السجود، انتظرتْ هدى حتى رفع عليٌّ رأسه، فإذا دموعه قد سالتْ بغزارةٍ، فزعتْ واضطربتْ واستفسرتْ منه عن السبب، فابتسم وأخبرها بأنها دموعُ السرور والفرح، ووضّحَ لها بأنها سجدةُ الشكر لله على نعمه التي لا تعدُّ ولا تُحصى، فقد طلب منه تعالى زوجةً صالحةً، فوهب له الجمال والعفاف والحسب والنسب والإيمان والصلاح، فكيف لا يشكرُ اللهَ سبحانه على هذه النعم الكبرى، هدأتْ نفسُها واستبشرتْ روحُها لِسماعها كلامَه اللطيف، وشكرتْ الله هي أيضاً على أنْ مَنّ عليها بشابٍ مؤمنٍ خلوقٍ جميل، ثم قام علي بإغلاق جواله لئلا يزعجهما أحد، وطلب منها القيام بنفس العمل، فأخبرته بأنّ والديها سوف يقلقان إذا وجدا جوالها مغلقاً، فأخبرها بأنه قد أخبر أهله أنه سيغلق جواله، فاتصلتْ هي بأمها فوراً وأخبرتها بأنها سوف تغلق جوالها، فلا تقلق إذا لم تردّ عليها، ثم أغلقته أيضاً.

خيّم السكوتُ عليهما للحظات، فحاولتْ هدى قطعه لأنها شعرتْ بمللٍ مِنْ ثقل ذاك الصمت، فسألتْهُ فوراً عن سببِ اختياره لها مِن بين طالبات الكليّة، فأشار إلى عفافِها وحِجابِها الذي كان مضربَ المثل بين الطلاب، ثم عدم تحدّثها مع طلاب صفها، إضافةً إلى جمالها الخلاب، طأطأتْ رأسَها للأرض حياءً.

 فبادرها هو بالسؤال أيضاً عن سببِ قبولها السريع حين خطبَ يديها من دون تحقيقٍ عنه، فقهقهتْ هدى وأخبرتـْهُ عن السرِّ في ذلك، حيثُ إنّ جميعَ الطالباتِ في الكلية كانوا ومنذُ زمنٍ بعيد، يتحدّثون عن شابٍ أنيقٍ مؤمنٍ مؤدّبٍ خلوقٍ وملتزمٍ بدينه، وكانتْ نفسي تحدّثني للتعرُّفِ عليه من باب حبِّ الاستطلاع والفضول، وفي أحد الأيام كنتُ أمشي مع صديقتي، وفجأةً قالتْ: هذا علي الذي كنتُ أحدِّثكِ عنه، رفعتُ رأسي فإذا بي أراك أمامي، فغضضتُ بصري فوراً، وطأطأتُ رأسي للأرض، واستغفرتُ الله مِنْ ذلك.

سألها عليٌّ عن باقي القصة، وهل انتهى الموضوعُ عند هذا الحد؟ فامتنعتْ حياءً، ألحّ عليها فنزلتْ عند رغبته، وأنبأتـْه بأنّه قد وقع حبُّه في قلبها منذ تلك النظرة، ولقد قلتُ في نفسي حينها: (حاشا لله ما هذا بشرٌ إنْ هو إلا ملكٌ كريم)، قهقه عليٌ عالياً سروراً بما سمع، فصَمتتْ مرةً أخرى خجلاً ولم تُكمل حديثها، أصرّ عليها كثيراً وأقسم عليها، فأكملتْ حديثها بأنك أصبحتَ فارسَ أحلامي، حتى كنتُ أدعو الله دائماً أنْ تكون زوجاً لي، ضحك عليٌّ مرّةً أخرى فرحاً وابتهاجاً بذلك، وقال لها: لقد استجاب الله دعاءَكِ بل دعاءَنا معاً، لأني لا أخفي عليكِ الحقيقة، فإنّ نفسَ هذا الشعور والدعاء كان عندي أيضاً.

 ابتهجتْ هدى عند ذلك أيضاً، وفرحتْ كثيراً لأنّ الحبّ كان متبادلاً بين الطرفين، مرّت تلك اللحظات الرائعات بسرعة البرق، وهما في قمّة السعادة وغاية اللذة الروحية، وكلٌّ منهما يتمنى أنْ تطول هذه اللحظات ولا تنتهي، أو أنْ تتوقف عقارب الساعة عن الحركة والمسير.

استسلما لنومٍ عميق بعد التعبِ الشديد الذي أصابهما، ولم يستيقظا إلا عند أذان الفجر، فصلى عليٌّ صلاة الصبح ثم أيقظها لتؤدّي فرضها هي أيضاً، وإذا بهما يعودان للنوم ثانيةً، لِمَا يشعرانِ به من إرهاقٍ غير طبيعي، فأخلدا إلى النوم ولم يستيقظا إلا عند أذان الظهر، بدأ عليٌّ يتهيّأ للصلاة، وكانت هدى لا تزالُ راقدةً في فراشها وهي مفتحة العينين، لكنها كانتْ تلاحق زوجَها بنظراتِها وكأنها تريد أنْ تُشبع عينيها من النظر إليه، وتراقبَ جميعَ حركاتِهِ وسكناتِهِ سروراً وفرحاً به، ولتتعرّفَ على طبائع زوجها جيداً.

بدأ عليٌ بالوضوء وفجأةً تضطربُ هدى، وتخيِّمُ على قلبها الصغير سحابةٌ سوداء قاتمة، يا إلهي ماذا أرى؟ ماذا يفعلُ عليٌّ؟ ثم يقوم عليٌّ لِيُصلي فيزدادُ قلقـُها وتكثرُ هُمومُها، أنهى صلاةَ الظهر فقام مباشرةً ليؤدِّي صلاة العصر دون أنْ يفصل بينهما، فاسودّتْ الدنيا بعينيها حينَ اكتشفتْ لأول مرة أنّ زوجها شيعيٌّ وهي لا تعلم.

قفزتْ هدى مِنْ فراشها فوراً وارتدتْ ثيابها الخارجية، وغادرتْ المنزل على عجلٍ قبل أنْ يُنهي عليٌّ صلاة العصر،  ظنّ عليٌّ للوهلة الأولى بأنّ هدى ذهبتْ لِشراء بعض الحوائج الضرورية، بحيث لم تستطع انتظاره حتى يُكمل صلاته فتستأذن منه.

عادتْ هدى مباشرة إلى دار أبويها، وفجأةً وجد الوالدان ابنتيهما حزينةً كئيبةً مضطربةً مُرتجفةً، مُحمرّةَ العينين مِنْ شدّةِ البكاء، فاستفسرا منها عن السبب، فأخبرتـْهما بأنّ مصيبة عظمى قدْ حلتْ بها، فظنا بأنّ حادثاً مؤسفاً كاصطدامٍ أو شبهه قد حدثَ لهما، فنفتْ هدى كلَّ ذلك فازداد ذهولهما، وسألاها عن زوجها، ما الذي حلّ به؟ فطمأنتهما بأنه سالمٌ وبخير ولم يَحدُثْ له شيء، فتضاعفتْ حيرتهما.

وفجأةً سألتْ هدى والدَها: هل تعلم يا أبي أنّ زوجي مِنَ الشيعة؟ أجابها: نعم، فتعجّبتْ وقالتْ: فلماذا وافقتَ على زواجي منه، ولماذا لم تُخبرني بذلك؟ أجابها: يا ابنتي، أتذكرين بأنِّي سألتُك عنه: هل تعرفينه جيداً؟ فقلتِ: أعرفـُه بشكلٍ كاملٍ وتام.

هدى: لكني لم أعلم بأنه شيعيٌّ، وإلا لما وافقتُ على زواجي منه أبداً.

الوالد: (يبتسم ويبدو عليه الهدوء الشديد، بعدَ أنْ كان يتصور أنّ مصيبةً حقيقيةً نزلتْ بهما) إننا في العراق يتزوّج الشيعي من السنية، والسني من الشيعية منذ مئات السنين، ولم تحدُثْ مشاكل مِنْ ذلك مطلقاً.

هدى: (يدهشها سماع ذلك) ولكني لم أسمع أنّ شيعيا تزوج سنيةً أو العكس.

الوالد: ألم تعلمي بأنّ زوج خالتك أم زيد من الشيعة، وأنّ زوجة ابن عمك رشيد شيعية أيضاً، وهذا الشيء موجود في كلِّ عشائرنا؟

هدى: (أطرقتْ نحو الأرض طويلاً، ثم رفعتْ رأسها وعلاماتُ الاستفهامِ والتعجّبِ تغمرُها، لكنَّها هدأتْ وسكنتْ فورةُ غضبها) كيف يتزوجون منهم أو يزوّجوهم، وهم كما يُقال بأنهم كفار؟

الوالد: (بغضبٍ شديدٍ وصراخٍ عالٍ) ما هذا الهُراء يا ابنتي؟ أليسوا يشهدون الشهادتين ويصلون الصلوات الخمس ويصومون رمضان ويحجّون البيت الحرام؟

هدى: (تجفل من صُراخهِ) نعم يا أبي ولكن …

الوالد: (مقاطعاً إياها) إذا كانوا يشهدون الشهادتين، فهذا يكفي في إسلامهم وجواز تزويجهم والزواج منهم.

هدى: وكيف حكمتَ بكفاية ذلك يا أبي؟

الوالد: ألم تسمعي بحديث النبي ص الذي رواه البخاري في صحيحه ج1 ص103 طبع دار الفكر بيروت: (مَنْ شهد أنْ لا إله إلا الله واستقبل قبلتنا وصلى صلاتنا وأكل ذبيحتنا، فذلك المسلم، له ما للمسلم وعليه ما على المسلم).

هدى: (تنفرج أسارير وجهها، وتسيل دموعُها فرحاً لِسماعها هذا الحديث النبوي الشريف مِنْ فم أبيها) كلا لم أسمعه، وهل مِنْ مزيد؟

الوالد: وفي صحيح مسلم ج7 ص121 طبع دار الفكر: (لمّا بَعَثَ النبي ص علياً رض إلى خيبر …. قال عليٌّ: يا رسولَ الله على ماذا أقاتلُ الناس؟ قال: قاتلهم حتى يشهدوا أنْ لا إله إلا الله وأنّ محمداً رسول الله، فإذا فعلوا ذلك، مُنِعوا منك دماءهم وأموالهم إلا بحقها).

هدى: سبحان الله .. لم أسمعه مِنْ قبل، رغم أني درستُ الشريعة.

الوالد: وأخرج البخاري في صحيحه ج1 ص102 طبع دار الفكر: عن أنس قال: قال رسول الله ص: (اُمِرْتُ أنْ أقاتلَ الناسَ حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها وصلوا صلاتنا وذبحوا ذبيحتنا حُرِّمَتْ علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها).

هدى: أشكرك يا أبي على هذه الأحاديث النبوية الرائعة، ولكنْ ألا تظن يا أبي أنّ الأحاديث التي تلوتَها، تقصد جواز التعامل معهم في الدنيا، وليس النجاة في الآخرة.

الوالد: أولاً: تكفينا هذه الأحاديث في أنْ نتعامل معهم كمسلمين، وهذا هو المطلوب، ثانياً: هناك أحاديث أخرى تبيّن نجاة الموحدين يوم القيامة.

هدى: هلا ذكرتها لي يا أبي؟

الوالد: روى البخاري في صحيحه ج7 ص172 طبع دار الفكر: عن عتبان قال: قال رسول الله ص: (لنْ يُوافيَ عبدٌ يومَ القيامة يقولُ لا إله إلا الله يبتغي به وجهَ الله، إلا حرّم اللهُ عليه النار).

وأخرج مسلم بطرق متعددة في صحيحه ج1 ص45 طبع دار الفكر وفيها: (أليس يشهد أنْ لا إله إلا الله وأني رسول الله؟) قالوا: إنه يقول ذلك وما هو في قلبه، قال ص: (لا يشهدُ أحدٌ أنه لا إله إلا الله وأني رسول الله، فيدخل النار أو تطعمه).

هدى: (تتفكر في معنى الأحاديث) ولكنّ الأحاديث التي ذكرتـَها، توضّح بأنه لا يدخل النار، ولا تبيّن بأنه يدخل الجنة؟

الوالد: أولاً: لا يوجد في القيامة إلا مكانين فقط هما الجنة والنار، فإذا لم يدخل النار فهو في الجنة، ثانياً: توجد أحاديث غيرها تصرّح بدخوله الجنة. فقد روى مسلم في صحيحه ج1 ص41 طبع دار الفكر: عن عثمان بن عفان أنّ رسول الله ص قال: (منْ ماتَ وهو يعلم أنْ لا إله إلا الله دخل الجنة).

هدى: (تبتسم ابتسامة عريضة وتطيل النظر إلى وجه أبيها إعجاباً وإكباراً به) حقاً إنَّه لأمرٌ غريبٌ جداً يا والدي …

الوالد: وما الغريب فيه يا عزيزتي؟

هدى: أولاً: جهلي بمثل هذه الأحاديث، رغم دراستي للشريعة لمدة طويلة، وثانياً: اطلاعك الواسع يا أبي على السنة النبوية، فما كنتُ أتصور سِعةَ معرفتك بها.

الوالد: لا تبالغي يا ابنتي، فأبوكِ يجهل كثيراً من أحكام الشريعة، وقد نسيتُ أغلبَ ما كنتُ أحفظه أيام شبابي.

هدى: لا زلتَ شاباً في نظري، أطالَ اللهُ في عمرك، وأبقاك خيمة على رؤوسنا، ثم يبقى في ذهني سؤال آخر يُزعجني، وهو أنه إذا كانتْ مثل هذه الأحاديث مروية في الصحاح، فلماذا يكفِّر علماؤنا الشيعة؟

الوالد: (يقطـِّبُ جبينه مُستنكراً) اُذكري واحداً من العلماء حكموا بكفرهم.

هدى: ابن تيمية وابن عبد الوهاب وتلاميذهما.

الوالد: (يقهقه عالياً) هؤلاء من علماء الوهابية، وليسوا من علماء أهل السنة والجماعة، وهم يكفِّرون أهلَ السنة أيضاً.

هدى: (يَصدِمُها كلامُ أبيها بشدّة) أينَ كفـَّر الوهابيون أهلَ السنة والجماعة؟

الوالد: في البداية دعيني أسألك: هل تعلمين من هم أهل السنة والجماعة؟

هدى: أتقصد الحنفية والشافعية والمالكية والحنبلية؟

الوالد: نعم، أهلُ السنة يتبعون هؤلاء الفقهاء في الفقه، ولكنْ قصدتُ في أصول الدين والعقائد، حيثُ ينقسمُ أهلُ السنة إلى أشاعرة وماتريدية وصوفية.

هدى: سمعتُ بهذه التسميات خلال دراستي الصيفيّة.

الوالد: فهل تعلمين بأنّ الوهابية يكفِّرون الأشاعرة والماتريدية والصوفية؟

هدى: نعم سمعتُ مِنْ أساتذتي هجوماً لاذعاً وحملةً شعواءً على هذه الفرق، ولكنِّي ما كنتُ أتصور بأنّها من فِرَق أهل السنة، بل تصوّرتُ أنها فِرَقٌ ضالةٌ قد انقرضتْ.

الوالد: لا يا عزيزتي، إنّ أكثر بلدان أهل السنة هم أشاعرة وماتريدية، كما إنّ أكثر بلدان شمال أفريقيا هم من أهل السنة الصوفية.

هدى: عجيبٌ والله! إنه أمرٌ جديدٌ عليّ لم أسمع به سابقاً، وإنّ كلامك قد هزّ وجداني، وأشعرُ بأنّ ضميري يؤنـِّبني لحضور هذه الدورة، فهم يكفروننا.

الوالد: لو كنتُ أعلم بأنها دورة لتدريس الوهابية، لما سمحتُ لكِ بالدراسة عندهم، لأنهم يريدون تخريب عقائد أبنائنا.

هدى: كنتُ أتصوّر أنّهم من أهل السنة فالتحقتُ بهم، ولكن أليسوا مِنْ أهل السنة؟

الوالد: هل سمعتي بمؤتمر (غروزني) الذي حضره مائتا عالم من كبار علماء أهل السنة من مختلف البلاد الإسلامية، وعلى رأسهم أحمد الطيب شيخ الجامع الأزهر؟ 

هدى: وما الذي حدث فيه؟

الوالد: صدر بيانٌ نهائي بعد المؤتمر، حدّدوا فيه مَنْ هُم أهل السنة والجماعة، فلم يعتبروا الوهابيين منهم.

هدى: لم أسمع بما جاء في البيان، ولكني أتذكر بأنّ أساتذتي كانوا غاضبين جداً مِنْ هذا المؤتمر، والآن فقط فهمتُ سببَ غضبهم.

الوالد: لقد قتل الوهابيون العشرات من علماء أهل السنة في العراق، كما قتلوا العشرات مِنْ كبار شيوخ عشائر أهل السنة، إضافة للألوف مِنْ عامّة أهل السنة.

هدى: (تستغرب من هذه الأخبار بشدّة، ويثورُ في نفسها بركانُ الغضب على هؤلاء القتلة المجرمين) لقد كنتُ أجهل هذه الحقائق يا أبي، ولكن لماذا قتلوا علماءنا وشيوخ عشائرنا؟

الوالد: لأنهم يختلفون معهم في بعض العقائد والأفكار، ولعلك سمعتِ بالقتال الذي يدور بين نفس هذه المجاميع الإرهابية الوهابية، رغم أنهم جميعاً وهابيون، ثمّ لابدّ لي هنا أنْ أذكر لكِ شيئاً مُهمّاً، وهو أنّ ابن تيمية رغم تعصّبه وتشدّده، فإنّه يقول في أوائل رسالة (الاستغاثة) وهي الرسالة 12 من (مجموع الرسائل الكبرى) ج1 ص470: (ثم اتفق أهلُ السنة والجماعة على أنه ص يشفع في أهل الكبائر، وأنه لا يخلد في النار مِنْ أهل التوحيد أحد).

هدى: شيءٌ غريبٌ جداً، فأساتذتي ينكرون موضوع الشفاعة، ويسخرون بمن يعتقد بها، بل لا ينقلون عنه في كتبه إلا تكفير جماعات كثيرة مِنَ المسلمين، يتهمهم بالشرك ووجوب قتلهم، ولكنْ ماذا يقول علماء أهل السنة عن الشيعة؟ فلدى الشيعة بدَعٌ ما أنزل الله بها مِنْ سلطان.

الوالد: في طبقات الشعراني ص10 قال: سُئِلَ سيدُنا ومولانا شيخ الإسلام تقي الدين السبكي عن حكم تكفير غلاة المبتدعة وأهل الأهواء والمتكلمين على الذات المقدسة؟ فقال رض: (اِعلم أنّ كلّ مَنْ خاف الله عزّ وجلّ، استعظم القولَ بتكفير من يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله).

هدى: وهل هذا رأيٌ متفقٌ عليه بين علمائنا؟

الوالد: نعم يا عزيزتي، قال ابن العربي في (الفتوحات المكية) في باب الوصايا: (إياكم ومعادات أهل لا إله إلا الله، فإنّ لهم الولاية العامة، فهم أولياء الله).

وقال محمد رشيد رضا في (المنار) ج17 ص44: (إنّ مِنْ أعظم ما بُليت به الفرق الإسلامية، رمي بعضها بعضاً بالفسق والكفر، مع أنّ قصد الكلّ الوصول إلى الحقّ، بما بذلوا من جهدهم لتأييده واعتقاده والدعوة إليه).

هدى: ولكنهم لم يصرّحوا باسم الشيعة.

الوالد: هل سمعتِ بالمرحوم الشيخ محمود شلتوت شيخ الجامع الأزهر الأسبق؟

هدى: نعم سمعتُ باسمه، فهل صرّح بأنّ الشيعة مسلمون؟

الوالد: بل صرّح بأكثر مِنْ ذلك، حيث أصدر فتوى مشهورة عام 1959 ميلادي، بجواز أخذ المسلم السني بالمذهب الشيعي.

هدى: (تنظر لوالدِها شزراً) يَصعُبُ عليَّ تقبُّـلَ هذه الفتوى، فهل أنت مُتأكـِّدٌ منها؟

الوالد: نعم يا ابنتي، فلقد أحدثتْ ضجّةً إعلاميةً كبرى في حينها، ثم إنّ مُفتي مصر السابق علي جمعة، له نفس هذه الفتوى تماماً، ولقد أصدر شيخ الأزهر الحالي أحمد الطيب عِدّة مرّات فتاوى بحرمة تكفير الشيعة، وأنهم مسلمون مثلنا، وتستطيعين استخراجها من الإنترنت بسهولة.

هدى: (ترجع السكينة إلى قلبها وتهدأ نفسها، وتعود البسمة إلى وجهها) أشكرك يا أبي مِنْ صميم قلبي، على ما كشفتَ عني مِنْ همٍّ وغمٍّ كبيرين قد سيطرا عليّ، فرَّجتَ عني فرّج الله عنك كلَّ كـُرْبَة.

الوالد: هل يعلم زوجُكِ سببَ خروجكِ مِنَ البيت وترككِ إياه؟

هدى: كلا يا أبي، لم أخبره بشيء.

الوالد: حسناً فعلتِ، إذنْ ارجعي إليه بسرعة وتصرّفي معه بشكل طبيعيّ وعادي جداً، وإيّاك ثم إيّاكِ أنْ تذكري له السبب الحقيقي أبداً، قولي له: كانتْ عندي حاجة ضرورية، فخرجتُ على عجلة مِنْ أمري، واعتذري منه لعدم استئذانه أو إخباره.

هدى: (تطير فرحاً وتكادُ الأرض لا تحملها ولكنها قبل أنْ تعود لزوجها) فقط قل لي يا أبي، كيف أصنع معه فيما نختلف فيه بيننا وبينهم؟

الوالد: اُطلبي منه الدليل من القرآن أو السنة على كلِّ فِعْلٍ يختلف معنا فيه، لكنْ بلطفٍ واحترامٍ وإكرام، خصوصاً كونكما طالبين مثقفين وتدرسان في نفس الجامعة.

هدى: أكرّر شكري الجزيل على إنقاذي من هذه الورطة التي كِدتُ أنْ أقع فيها، والحمد لله لأني سأبقى أعيشُ مع زوجي رغم الاختلافات بيننا.

(تقبِّل يدي والديها وتخرج مسرعة) مع السلامة يا أبي .. مع السلامة يا أمّي .. لا تنسوني مِنْ صالح دعواتكم.

 

https://t.me/wilayahinfo

https://chat.whatsapp.com/JG7F4QaZ1oBCy3y9yhSxpC

https://chat.whatsapp.com/CMr8BZG9ohjIz6fkYqZrmh

شاهد أيضاً

1397111717142156016568802

الكويت الغنية تعجز عن تجنيس مواطنيها الحاملين وثائق ل..30 سنة مضت

الكويت الغنية تعجز عن تجنيس مواطنيها الحاملين وثائق ل..30 سنة مضت. الولاية الاخبارية:تقرير عن المضوع ...