الرئيسية / اخبار اسلامية / 20 جدال في شهر العسل – السيد حسين الحيدري
1

20 جدال في شهر العسل – السيد حسين الحيدري

     الفصل التاسع عشر

أنهوا صلاتيهما فإذا بجرس الباب يُقرع بشدّة ولمراتٍ عديدةٍ ومتتالية، رفعتْ هدى السماعة واستفسرت عن الطارق، فإذا بملامح وجهها قد تغيرتْ وعلامات الغضب قد بدتْ عليها، سألها عليٌّ عن الطارق، فأخبرته بأنّ سائلاً وقحاً يطلب المساعدة، فسألها عن كيفية معرفتها بوقاحته، فأجابته بأنه قد طرق الباب بشدة ولعدة مرات، وكان عليه أنْ يطرقها مرّة واحدة وبلطف ثم ينتظر حتى يجيبوه، لكنّ علياً سارع بإخراج فاكهة متنوعة، ووضعها في كيس ثم خرج مسرعاً إليه، وبعد عودته مباشرة، بيّن لها أنّ صاحب الحاجة أعمى لا يرى إلا قضاء حاجته، فما يدريكِ لعلّه ترك أطفالاً جياعاً، ولم يجدْ لهم ما يُشبع جوعتهم، فقالتْ له بأنّ أكثرهم محتالين وغير صادقين، فأجابها: ولكنْ لو صدق السائل لهلك المسئول إذا لم يُنجده ويُعينه، استحسنتْ هدى جوابه وباركتْ عمله، خصوصاً أنّ وضع الناس لا يُحسد عليه اليوم، وخيّم الصمتُ مدة من الزمن، فحاولتْ هدى العودة إلى الحوار السابق.  

هدى: ما دمنا قد ذكرنا مسألة الغلو، فهناك شبهات تتهمكم بالغلو في أئمتكم، أرجو أنْ تجيبني عنها، منها أنكم تفضِّلون علياً على جميع الأنبياء.

علي: هل هناك شخصٌ هو أفضل مِنْ جميع الأنبياء؟

هدى: حسب علمي بأنّ أهل السنة لا يغالون في الأشخاص.

علي: ولكنكم تفضّلون شخصاً على جميع الأنبياء.

هدى: كلا فنحن لا نفضّل أحداً على الأنبياء.

علي: وماذا عن النبي محمد ص؟

هدى: أتقصد سيدَ الأنبياء والمرسلين محمد المصطفى ص؟ طبعاً إننا نؤمنُ بأنه أفضل من كلّ الأنبياء والمرسلين.

علي: فلو قال قائلٌ: إنّ فلاناً هو نفس النبي محمد ص، فماذا ستقولين حينئذٍ؟

هدى: أولاً: مَنْ هو هذا القائل؟ فليس كلُّ قولٍ يكون له قيمة عندنا، وثانياً: لو كان كلامه له قيمة، فلابدّ مِنْ إثبات هذا القول لقائله، وثالثاً: فيمن قيل بأنه نفس النبي ص، ومتى قيل ذلك؟

علي: أحسنتِ، فأنتِ دائماً تسهّلين عليّ مُهمّة الجواب بتفريعاتكِ اللطيفة.

هدى: طيّب، فأجبني الآن بوضوح، ما دُمْتُ قد سهّلتُ عليكَ الإجابة.

علي: أمّا القائل فهو الله سبحانه، وأمّا مَنْ قِيلتْ في حقه، فهو الإمام علي ع، وأما متى كان ذلك، ففي حادثة مباهلة نصارى نجران.

هدى: اصبر يا علي ولا تـُربكني بكثرة المعلومات التي تطرحها، ولنبدأ واحدة فواحدة، أولاً: أين قال الله ذلك؟

علي: قال تعالى مخاطباً رسوله الكريم: (فمَنْ حاجَّك فيه مِنْ بَعدِ ما جاءَكَ من العِلم فقلْ تعالوا ندعُ أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين) آل عمران: 61.

هدى: ومَنْ قال بأنّ كلمة أنفسنا في هذه الآية هو الإمام علي؟

علي: أخرج مسلم في صحيحه كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل علي بن أبي طالب ج7 ص120 طبع دار الفكر، بسنده عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه قال: (أَمَرَ معاويةُ سعداً، فقال: ما منعك أنْ تسبَّ أبا الترابِ؟ فقال: أمَّا ما ذكرتُ ثلاثاً قالهنَّ لهُ رسولُ الله ص فَلَنْ أسُبَّهُ، لـَئِنْ تكونَ لي واحدةٌ منهنَّ أحبُّ إليَّ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ، سَمِعْتُ رسولَ الله ص…ِ. ولمَّا نَزَلَتْ هذهِ الآيةُ: (فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أبْنَاءَنَا وَأبْنَاءَكُمْ) دَعَا رسولُ الله ص عَلِيّاً وفاطمة وحسناً وحُسَيناً، فقال: اللهمَّ هؤلاءِ أهلي)، وأخرجه الترمذي في سننه وقال الألباني في صحيح سنن الترمذي ج3 ص204- 205 حديث 2999: صحيح الإسناد، وأخرجه أحمد في مسنده ج3 ص160 حديث 1608، وقال شعيب الأرنؤوط: إسناده قوي على شرط مسلم.

هدى: ولكن ليس فيها بأنّ علياً هو أنفسنا؟

علي: لِنحلـِّلْ الآية والحديثَ سويّةً، فالآية ذكرتْ أبناءنا، فمَنْ هم (أبناءنا)؟

هدى: الرواية تقول بأنه دعا حسناً وحسيناً، فلابُدّ أنْ يكونا هما المقصودين بأبنائنا في الآية الكريمة.

علي: أحسنتِ وبوركَ فيكِ، فمَنْ هم (نساءنا) في الآية؟

هدى: المفروض أنها فاطمة، لأنه ليس مع النبي ص غيرها مِنَ النساء.

علي: ممتاز وجيد جداً، فمَن بَقِيَ مع النبي ص في الرواية؟

هدى: بقيَ الإمام علي.

علي: وماذا بَقِيَ مِنَ الآية مما ينطبق عليه؟

هدى: (تحاول أنْ تتهرّب مِنَ الإجابة) لا أعلم.

علي: أرجو أنْ تُصغي إليَّ جيداً، فالآية تقول للنبي ص: (ندعُ أبناءنا … ونساءنا … وأنفسنا …)، وحسب رواية صحيح مسلم، قلنا بأنّ الأبناء هما الحسن والحسين، والنساء هي فاطمة، فمن هو أنفسنا؟ علماً بأنه لم يبق مع النبي ص في رواية مسلم سوى الإمام علي ع.

هدى: ربما يكون تفسير (أنفسنا) هو النبي محمد ص.

علي: أولاً: الآية تقول: تعالوا نَدْعُ، فهل يدعو الإنسانُ نفسَه، أم يدعو غيرَه؟

هدى: صحيح، لابدّ أنْ يدعو غيرَه، لأنه لا معنى أنْ يدعوَ الإنسانُ نفسَه.

علي: وثانياً: حسب رواية مسلم دعا النبي ص علياً معه، وحسب الآية بقيتْ كلمة أنفسنا، فيكون علي هو نفس النبي ص، وثالثاً: لو فسّرنا أنفسنا بالنبي ص، فيكون الإمام علي ع الذي جاء به النبي معه غير مشار إليه في الآية.

هدى: لعلّ ما تقوله هو الذي يُفهم مِنْ ظاهر القرآن، ولكنْ هل هناك تصريحٌ مِنْ قِبَل علمائِنا ومفسرينا بأنّ (أنفسنا) تعني علي بن أبي طالب؟

علي: قبلَ الذهاب لِعلمائكم، فهناك تصريحٌ مِنَ النبي ص في أنّ علياً هو نفس النبي.

هدى: وأين هذا التصريح؟

علي: قال الحاكم النيسابوري في معرفة علوم الحديث ص230 طبع مكتبة المعارف، تحقيق أحمد بن فارس السلوم: (وقد تواترت الأخبار في التفاسير عن عبد الله بن عباس وغيره أنّ رسول الله ص أخذ يوم المباهلة بيد علي والحسن والحسين وجعلوا فاطمة وراءهم فقال: هؤلاء أبناؤنا ونساؤنا وأنفسنا، فهلمّوا أنفسكم ونساءكم وأبناءكم، ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين).

هدى: سبحان الله، لا يُمكن أنْ يُقال بأنّ أنفسنا هو النبي ص، لأنه أشار فيها إلى الذين معه بكلمة (هؤلاء … أنفسنا).

علي: أحسنتِ، كما أنّ النبي ص سمّى علياً نفسه في عِدّة أحاديث.

هدى: وما هي تلك الأحاديث؟

علي: روى أحمد بن حنبل في فضائل الصحابة، باب فضائل الإمام علي ع، حديث 934 بسنده: (قال رسول الله ص: لينتهينّ بنو وليعة أو لأبعثنّ إليهم رجلاً كنفسي يمضي فيهم أمري، يقتل المقاتلة ويسبي الذرية، قال: فقال أبو ذر: فما راعني إلا برد كفِّ عمر في حجزتي مِنْ خلفي، فقال: مَنْ تراه يعني؟ قلتُ: ما يعنيك، ولكنْ يعني خاصف النعل) يقصدُ علياً.

هدى: وهل لديك غيره؟

علي: روى الحاكم في مستدركه، كتاب الجهاد، قصة فتح مكة والطائف وهجر حديث 2605: 2512 بسنده (عن عبد الرحمن بن عوف قال: افتتح رسول الله ص مكة ثم انصرف إلى الطائف فحاصرهم ثمانية أو سبعة، ثم أوغل غدوة أو روحة، ثم نزل ثم هجر ثم قال: أيها الناس إني لكم فرط، وإني أوصيكم بعترتي خيراً، موعدكم الحوض، والذي نفسي بيده لتقيمنّ الصلاة ولتؤتونّ الزكاة، أو لأبعثنّ عليكم رجلاً مني أو كنفسي، فليضربنّ أعناقَ مقاتليهم وليسبينّ ذراريهم، قال: فرأى الناس أنه يعني أبا بكر أو عمر، فأخذ بيدِ عليٍّ فقال: هذا هذا).

هدى: وهل هذا الحديث صحيحُ السند؟

علي: نعم، فقد قال الحاكم عنه: حديثٌ صحيحُ الإسناد ولم يخرجاه.

هدى: وهل روى هذا الحديث آخرون؟

علي: رواه ابن حجر في المطالب العالية، حديث 4021، وابن أبي شيبة في المصنف كتاب الفضائل حديث 31476، و31520، و36291، والنسائي في السنن الكبرى ج5 ص127 حديث 8457، وآخرون غيرهم.

هدى: كأنكَ تريد أنْ تقولَ بأنه ما دام عليٌّ هو نفسُ النبي ص، والنبي أفضل من جميع الأنبياء والمرسلين، فكذلك نفسه أي علي هو أفضل منهم.

علي: صدقتِ، فهذا ما أردتُ قوله.

هدى: ولكن لو كان علي نفس النبي ص، فيعني ذلك أنّ له جميع خصائص النبي محمد، ولأصبح عليٌّ نبياً كما أنّ سيدنا محمداً نبيٌّ أيضاً.

علي: لو لم يستثنِ النبي ص النبوة، لكان الأمر كما قلتِ.

هدى: ومتى استثنى النبي ص النبوة؟

علي: حين قال لعلي: (أنتَ مني بمنزلةِ هارونَ مِنْ موسى إلا أنه لا نبيَّ بعدي) رواه مسلم في صحيحه ج7 ص120 طبع دار الفكر بيروت.

هدى: ذكرتَ لي هذا الحديث سابقاً، وقد استثنى النبي ص النبوة فيه، ولكنْ ماذا عن باقي صفات النبي ص؟

علي: هذا بحثٌ طويل إذ لابدّ مِنْ استقصاء الأحاديث، وملاحظة التشابه بين علي ع والنبي ص فيها.

هدى: لا بأس بذكر ما يمكنك الآن باختصار، دون الدخول في التفاصيل.

علي: حسناً، أما الحبُّ والبغضُ: فقد قال رسول الله ص: (مَنْ أحبَّ علياً فقد أحبني ومَنْ أحبَّني فقد أحبَّ الله عزّ وجلَّ، ومَنْ أبغَضَ علياً فقد أبغَضَني ومن أبغَضَني فقد أبغضَ اللهَ عزَّ وجلَّ). سلسلة الأحاديث الصحيحة ج3 ص287 حديث 1299.

وأما أذيّته: فقال رسول الله ص: (مَنْ آذى علياً فقد آذاني) سلسلة الأحاديث الصحيحة ج5 ص373- 374 حديث 2295.

أما سبابه: فأخرج أحمد في مسنده ج44 ص328- 329 حديث 26748، عن أبي عبد الله الجَدَلِي، قال: (دخلتُ على أمِّ سَلَمة، فقالتْ لي: أيُسَبُّ رسولُ الله ص فيكم؟ قلتُ: معاذ الله أو سبحانَ الله أو كلمةً نحوها، قالتْ: سمعتُ رسولَ الله ص يقول: مَنْ سَبَّ علياً فَقَد سبَّني). وقال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح.

وقد جمع المحقق حسين سليم أسد في حاشيته على مسند أبي يعلى مضامين هذه الأحاديث كلها في سياق واحد حيث قال: (وأخبر النبي أنّ من آذى علياً فقد آذاه، ومن أبغضه فقد أبغضه، ومن سبه فقد سبه، ومن أحبه فقد أحبه، ومن تولاه فقد تولاه، ومن عاداه فقد عاداه).

هدى: هذا يكفي لإثبات مطلوبك، وأشعرُ بأنك قد فتحتَ على قلبي وعقلي باباً واسعاً في معرفة الإمام علي ع لم أكنْ لأدركه بمفردي مطلقاً، فجزاك الله خير الجزاء.

علي: وجزاكِ أنتِ الجزاء الأوفى والثواب الأوفر.

هدى: لكني أتصور بأنه لو أوضح النبي ص لأصحابه، بأنّ علياً هو أفضل الناس لما وقع الخلاف.

علي: لم يترك النبيُّ وسيلة في بيان هذه الحقيقة إلا بيّنها لهم.

هدى: وكيف ذلك؟ وما هي تلك الوسائل؟

علي: أولاً: قال النبي ص: (عليٌّ خيرُ البشر فمن أبى فقد كفر).

هدى: عجيب، وهل ورد هكذا حديث في مصادرنا؟

علي: ورد في تاريخ دمشق لابن عساكر ج2 ص445- 446 طبع بيروت، وكنز العمال للمتقي ج2 ص221، وتجهيز الجيش للدهلوي ص308، رواه عن أحمد بن حنبل في فضائل الصحابة والديلمي في فردوس الأخبارعن جابر بن عبد الله، وتاريخ بغداد للخطيب البغدادي ج3 ص154 وفي ج7 ص421 رقم 3984 طبع السعادة بمصر، ولكنه رواه هكذا: (علي خير البشر فمن امترى فقد كفر)، وفردوس الأخبار للديلمي ص52 و97 وفيه: (علي خير البشر من شكّ فيه فقد كفر).

هدى: (تنهمر الدموع من عينيها) أشعر يا علي بقشعريرة تسري في بدني.

علي: ولماذا؟

هدى: لا أدري، ولكنّ المشاعر قد اختلطت في نفسي، بين إعجابٍ وإكبارٍ بشخصية الإمام علي ع، وبين شعوري بالأسى والحزن لجهلي بهذه الأحاديث النبوية في حقِّ الإمام علي ع، بل إنّ دراستي لكتب ابن تيمية جعلتني أنفر من اسم الإمام علي ع، حيث كان يزرع بغضه في نفس القارئ.

علي: علماً أنه قد روتْ هذه الرواية عائشة أيضاً، روى عطاء أنّه قال: سُـئِلَتْ عائشة عن عليٍّ فقالت: (ذاك خير البشر لا يشكّ فيه إلاّ كافر).

هدى: سبحان الله، عائشة تقول فيه ذلك، ومن رواها عنها؟

علي: روي في تاريخ دمشق لابن عساكر ج2 ص448 رقم 965، وإعراب ثلاثين سورة لابن خالويه ص148 طبع دار الكتب بمصر، ومودّة القربى لعلي بن شهاب الدين ص40 طبع لاهور، وكفاية الطالب للحافظ الكنجي ص246.

هدى: ولكنك قلتَ بأنّ النبي ص استخدم أساليب مختلفة لبيان هذه الحقيقة.

علي: نعم، منها نزل جبرئيل على النبي ص بطائر مشوي مِنَ الجنة، فدعا النبي ص قائلاً: (اللهم ائتني بأحبّ الخلق إليك، يأكل معي هذا الطائر) فجاء عليٌّ وأكل معه.

هدى: حقاً إنه أسلوب جديد وجميل، وأينَ نجدُ هذا الحديث؟

علي: تجدينه في صحيح الترمذي ج5 ص636 حديث 3721، وأسد الغابة لابن الأثير ج4 ص30، والبداية والنهاية ج7 ص351، ومستدرك الحاكم ج3 ص130، وقد صحّحه وقال: رواه أنس عن أكثر من ثلاثين شخصاً، وفضائل الصحابة لابن حنبل ج2 ص560 حديث 945، وجامع الأصول لابن الأثير ج9 ص471، ومصابيح السنة للبغوي ج4 ص173.

هدى: كلمة أحبُّ الخلق إليك مُجملة، فقد يُقال بأنها تعني في زمانه ص.

علي: لقد أورد ابنُ المغازليّ في المناقب هذا الحديث مع تتمة توضّح المُراد، حيث رواه ص168 هكذا: (اللهم ائتني بأحبّ الخلق إليك من الأولين والآخرين ….).

هدى: ما شاء الله، فهل مِنْ أسلوبٍ آخرَ سلكه النبي ص؟

علي: ورد عنه ص في مدح الحسن والحسين قوله: (الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة) وتعلمين بأنّ أهل الجنة كلهم شباب، فيكون الحسنان أفضل أهل الجنان.

هدى: (مقاطعة كلامَه) ولكنّ موضوعنا كان عن الإمام علي ع؟

علي:  وأردف النبي ص قائلاً: (وأبوهما خيرٌ منهما) فعلمنا بأنّ عليّاً هو خيرُ الناس بعد رسول الله ص مِنَ الأولين والآخرين.

هدى: اُذكر مصادر حديث (الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة وأبوهما خير منهما) لكي أرجع إليها.

علي: راجعيه في المعجم الكبير ص129 و136، ومجمع الزوائد للهيثمي ج9 ص182 و183 طبع القدسي بالقاهرة، والصواعق المحرقة لابن حجر ص189 طبع عبد اللطيف بمصر، والجامع الصغير للسيوطي ج1 ص518 طبع مصر، والفتح الكبير للنبهاني ج1 ص19 و80، وتهذيب التهذيب للعسقلاني ج2 ص297 طبع حيدر آباد، والمستدرك على الصحيحين للحاكم ج3 ص167، وسنن ابن ماجة ج1 ص56 طبع مصر، والبداية والنهاية لابن كثير ج8 ص35 طبع القاهرة.

هدى: وهل بقيتْ طرق أخرى سلكها النبي ص في بيان أفضليته؟

علي: نعم، منها قوله ص: (عليّ خيرُ البريّة) والبريّة هم الخلائق جميعاً، وهو مذكور في تفسير الطبري ج30 ص146 طبع الميمنية بمصر، والفصول المهمة لابن الصباغ المالكي ص105، وتفسير روح المعاني للآلوسي ج30 ص207 طبع المنيرية بمصر، وتفسير الدر المنثور للسيوطي ج6 ص379، وتفسير فتح القدير للشوكاني ج5 ص464 طبع مصر، وتفسير فتح البيان لصديق حسن ج10 ص323 طبع بولاق بمصر.

هدى: والآن سوف أرفع الرايات البيضاء استسلاماً لك وتسليما لله ولرسوله ص حيث جعلا علياً خير البشر.

علي: وأخيراً سوف أخبركِ بأنّ هناك عملاً واحداً مِنْ أعمال علي ع، هو أفضل مِنْ عمل أمة النبي ص إلى يوم القيامة.

هدى: إذا كنتُ قد سلمتُ لك بفضل علي ع، فهذا لا يعني أني سأقبل منك كلَّ مبالغةٍ قيلتْ في فضله، بحيث يصل إلى هذا الحد مِنَ الشمول والسعة.

علي: قال رسول الله ص: (لمبارزةُ عليٍّ لعمرو يوم الخندق، أفضلُ من عمل أمّتي إلى يوم القيامة)، راجعي هذا الحديث في تفسير الفخر الرازي ج8 ص445، والسيرة الحلبية ج2 ص340، والمستدرك على الصحيحين للحاكم ج3 ص32، وكنـز العمال للمتقي ج6 ص156.

هدى: حقاً إنّ مثل هذا لا تحتمله العقول.

علي: ذكرتيني بالشخص الذي جاء إلى حذيفة يسأله عن علي ع، فلما أجابه حذيفة عن فضل علي ع، قال: هذا المدح الذي لا يُقام له ولا يُقعد ولا يُحمل.

هدى: اذكر هذه القصة مِنْ فضلك.

علي: روى ابن أبي الحديد في شرح النهج ج19 ص60 – 61: (عن ربيعة بن مالك السعدي قال: أتيتُ حذيفة بن اليمان فقلتُ: يا أبا عبد الله، إنّ الناس يتحدثون عن علي بن أبي طالب ومناقبه، فيقول لهم أهل البصيرة: إنكم لتفرّطون في تقريظ هذا الرجل، فهل أنتَ مُحدِّثي بحديثٍ عنه أذكره للناس؟ فقال: يا ربيعة، وما الذي تسألني عن علي، وما الذي أحدثك عنه! والذي نفس حذيفة بيده، لو وُضِعَ جميعُ أعمال أمّة محمد ص في كفة الميزان منذ بعثَ الله تعالى محمداً إلى يوم الناس هذا، ووضع عملٌ واحدٌ مِنْ أعمال عليٍّ في الكفة الأخرى، لرجحَ على أعمالهم كلها، فقال ربيعة: هذا المدحُ الذي لا يُقام له ولا يُقعد ولا يُحمل، إني لأظنه إسرافا يا أبا عبد الله! فقال حذيفة: يا لكع، وكيف لا يُحمل! وأينَ كان المسلمون يومَ الخندق وقد عَبَرَ إليهم عمرو وأصحابُه فملكهم الهلع والجزع، ودعا إلى المبارزة فأحجموا عنه، حتى برز إليه عليٌّ فقتله! والذي نفس حذيفة بيده، لعمله ذلك اليوم أعظمُ أجراً مِنْ أعمال أمّة محمد ص إلى هذا اليوم وإلى أنْ تقوم القيامة).

هدى: ما دُمنا قد انتهينا مِنْ هذه الشبهة، أرى مِنَ المناسب طرح شبهةٍ أخرى يتهمونكم فيها بالغلو في علي ع أيضاً.

علي: تُهَمُ الوهابية للمسلمين عموماً وللشيعةِ خصوصاً لا تنتهي يا عزيزتي، وإذا كانتْ رغبتُك بطرحها، فأنا طوع أمر سيدتي.

هدى: عفواً عفواً يا عزيزي، فالمؤمن أخو المؤمن، وأمّا الشبهة فتقول بأنكم تتوسلون بعليٍّ وهو ميّتٌ في حوائجكم، ولا تدعونَ الله الذي بيده كلّ شيء.

علي: أعتقد بأنّ مثل هذه الشبهة، لا ينبغي أنْ تصدرَ منكِ.

هدى: ولماذا؟

علي: لأنّ أهل السنة والجماعة يتوسلون بالأولياء في كلّ البلاد الإسلامية، وقد ألف علماؤكم كتباً كثيرة في جواز التوسل رداً على الوهابية.

هدى: أعلم ذلك جيداً وأعرف أنّ قومي أهل السنة، يزورون قبور الأولياء ويتوسلون بهم، ولكني طرحتُ هذه الشبهة الوهابية لأرى جوابكم عنها.

علي: حسناً، ولكنه موضوعٌ طويلٌ ويحتاج لبحثٍ كثير.

هدى:  ما هو المانع أو الشغل الذي يمنعنا مِنْ بحثه؟

علي: إذا كنتِ مستعدة لبحثه رغم طوله، فليس لديّ مانعٌ في ذلك.

هدى: طيّب، اِبدأ على بركة الله.

علي: إنّ الله تعالى قد جعل الدنيا دارَ أسبابٍ وعللٍ ووسائل.

هدى: وضّح لي ذلك واشرحه بشكل أبسط وأسهل.

علي: لو سألنا الوهابي عن أعماله التي يأتيها في حياته اليومية، فإننا سنجده عملياً يتوسل بغير الله في كلِّ شيء.

هدى: هذا شيء غريبٌ وعجيبٌ، فهم يحرِّمون التوسل بغير الله نظرياً ويكفـِّرون مَنْ يقوم به، فكيف تقول بأنهم مِنَ الناحية العملية يتوسّـلون بغير الله في كلّ شيء؟!

علي: لو مَرضَ الوهابيّ فماذا يصنع؟

هدى: يذهبُ للطبيب كي يعالجه، ويصف له الدواء المناسب ليتشافى به.

علي: لماذا لا يدعو الله كي يشفيه؟ أليس الله هو الشافي وقد قال تعالى: (وإذا مرضتُ فهو يشفين)؟ فهذا نوعٌ مِنَ الشرك حسب نظرية الوهابي.

هدى: صدقتَ، فإنّ وسيلته العملية لِرفع مرضه استعمال الدواء الذي يصفه الطبيب.

علي: وإذا عطش الوهابي فماذا يصنع؟

هدى: طبعاً يشرب الماء لِرفع عطشه.

علي: ولماذا لا يدعو الله كي يرفع عطشه؟ فالله هو وحده القادر على رفع عطشه، وليس أحدٌ غيره في هذا الكون يستطيع فِعل ذلك.

هدى: صحيحٌ يا علي، ورغم ذلك فهو يتوسّل بالماء لرفع عطشه.

علي: وإذا جاع الوهابي فماذا يفعل؟

هدى: يأكل الطعام كي يرفع جوعه.

علي: ولماذا لا يدعو الله ليرفع جوعه؟ أليس الله هو القادر على رفع جوعه، وهل يشكّ الوهابي بقدرة الله في ذلك؟ لماذا نشاهده يتوسل بالطعام ليرفع الجوع عنه؟

هدى: فهمتُ الآن بوضوح مرادَك.

علي: وهكذا في كلِّ أموره، فلو أراد نشر النور في غرفته المظلمة، فإنه يتوسل بالكهرباء لجلب الضياء، ولا يدعو الله أبداً ليضيءَ له الغرفة، ولو أراد الدِفءَ فوسيلته ارتداء الملابس الصوفية أو النار ليدفـِّئ نفسه أو بيته.

هدى: ولو أراد الانتقال من مكان لآخر كانتْ وسيلته السيارة أو الطائرة أو المصعد.

علي: أحسنتِ كثيراً، ولو أراد القضاء على حيوان ضار أو حشرة ضارة، فإنه يتوسل بالسموم القاتلة، ولا يفكر لحظة واحدة بأنّ هذه الوسائل هي شركٌ أبداً.

هدى: كما إنه لا يفكر أبداً بأنْ يدعو الله في مثل هذه الأمور.

علي: والعجيب أنه لا يقول لنفسه كما يقول للشيعة: بأنّ القرآن يقول لك: (ادعوني أستجب لكم) فكيف تترك الدعاء وتتوسل بغير الله؟

هدى: صدقتَ والله، ما كنتُ أتصوّر بأنّ الأمر بمثل هذا الوضوح.

علي: ولو أراد أنْ يرزقه الله ولداً، فهل يدعو الله أنْ يرزقه ولداً دون أنْ يتزوج؟ ولو أراد أنْ يجنيَ برتقالاً أو عنباً، فهل يكتفي بالدعاء دونَ أنْ يزرع في أرضه البرتقال أو العنب؟ أو لو أنه زرعها ببذور النومي الحامض فهل يدعو الله أنْ يرزقه النومي الحلو، باعتبار أنّ الله قادرٌ ولا يعجزه شيء؟

هدى: أتصوّر بأنّ الأمثلة كافية وواضحة.

علي: لابدّ هنا من توضيحٍ مهم: فمَنْ كان يعتقد بأنّ هذه الوسائل (كالماء لرفع العطش أو الدواء لرفع المرض) تؤثـِّر بذاتها مستقلةً عن الله تعالى، فهذا هو عينُ الشرك بلا شكٍّ ولا ريب.

هدى: فماذا ينبغي أنْ نعتقد في هذه الوسائل؟

علي: ينبغي إذا توسّلنا بهذه الأشياء، أنْ نعتقد بأنّ الله هو الذي جعل فيها هذا التأثير وأودع فيها هذه القابليات، كرفع العطش والمرض، وهذا هو عينُ التوحيد.

هدى: أحسنتَ، فهذا توضيحٌ ضروريٌ ومهمٌ جداً، والآن ماذا عن الأولياء؟

علي: نفسُ الكلام يأتي بالنسبة للأولياء أو الأنبياء، فلو اعتقدنا بأنّ الله هو الذي أعطاهم القدرة على ما يفعلونه مِنْ كرامات ومعاجز، فهو عينُ التوحيد، لأنّ الله هو الذي أقدرهم عليها، ولا يفعلونها مستقلين عن الله أو مستقلين عن قدرته.

هدى: هل بإمكانك ضرب أمثلة توضّح ذلك؟

علي: حين كان المؤمنون أيامَ عيسى ع يأتون إليه ويطلبون منه شفاءهم، ولا يدعون الله لكي يشفيهم، فهل هم مشركون بذلك؟

هدى: حاشا لله أنْ نتهمهم بالشرك إذا رجعوا إلى نبيهم.

علي: لقد كان عيسى ع يشفيهم بإمرار يديه عليهم، ولا يقول لهم اِذهبوا وادعوا الله، كما لا يقول لهم بأنّ عملكم بطلب الشفاء مني هو شرك.

هدى: أحسنتَ، فلو كان عملهم غير صحيح لنهاهم عنه.

علي: بل إنّ عملهم هذا هو عين التوحيد، لأنّ عيسى ع لا يفعل ذلك مستقلاً عن الله بل بإذن الله تعالى، والمؤمنون أيام عيسى كانوا يعلمون بأنّ الله هو الذي أعطى عيسى ع القدرة على فِعل ذلك.

هدى: وكذلك في إحيائه للموتى أو خلقه مِنَ الطين كهيئة الطير ووو.

علي: بارك الله فيكِ، وهكذا فإنّ القرآن مليءٌ بأمثلة تشبه ذلك.

هدى: مثل ماذا؟

علي: مثل يوسف ع حيث بعثَ قميصَه لشفاء عيني أبيه، ولم يَدْعُ الله تعالى أنْ يشفيَ عيني أبيه، وهو عينُ التوحيد.

هدى: كلامُك جيّد فنبيُّ الله يوسف ع كان يدعو الناس لعبادة الله وتوحيده نظرياً وعملياً، ولكنْ أليس يعقوب ع نبيٌ أيضاً، فلماذا بعثَ يوسف ع قميصه لِشفاء عينيه؟

علي: لأنّ الله أراد بيان بركة وعظمة نبيه يوسف ع لأخوته، بحيث أنّ قميصَهُ الذي لامَسَ جَسَدَهُ الشريف، له هذه البركة في شفاء عيني أبيهم.

هدى: أتمنى أنْ أقرأ القرآنَ بتدبّرٍ، حتى أستطيع استنباط مثلَ هذه الأمور منه، فهل هناك أمثلة قرآنية أخرى؟

علي: لما طلب سليمان أنْ يأتوه بعرش بلقيس من اليمن، قال الذي عنده علمٌ مِنَ الكتاب، وهو وصيّه آصف بن برخيا: (أنا آتيك به قبل أنْ يرتدَّ إليك طرفك).

هدى: جميل، فسليمان لم يدعُ الله ليأتيه بعرشها، ولا أنّ آصف دعا الله ليأتيه به.

علي: أحسنتِ، بل نسبَ ذلك الفعل إلى نفسه (أنا آتيك به) وذكرَ الله سببَ قدرتهِ على فِعل ذلك بأنّ (عنده عِلمٌ مِنَ الكتاب).

هدى: وما هو السبب في أنّ سليمان لم يجلبْ عرشها بنفسه؟ هل كان عاجزاً عما فعله وصيّه آصف بن برخيا؟

علي: كلا، فقد كان قادراً لأنه أفضل مِنْ آصف، ولكنّ السبب هو لبيان عظمة آصف وصيّ سليمان، لكي يطيعه قومُهُ مِنْ بعده ولا يعصوه، ولكنهم رغم ذلك تركوا آصف بن برخيا بعد وفاة سليمان ولم يتـَّبعوه.

هدى: شيءٌ مؤسفٌ حقاً، أنْ يتركوا مَنْ ظهرتْ كرامةُ الله على يديه.

علي: وهكذا بالنسبة لتأثير وبركة قدم الرسول حين وطأتْ على التراب، حيث أخذ السامريُّ مِنْ أثر الرسول فرماه على العجل فكان له خوار.

هدى: ولماذا أغواهم السامري وهو يعرف الحقَّ، حيث عرف بركة قدم الرسول وتأثيرها على التراب الذي وطأته؟

علي: حبُّ الدنيا والحسد والطمع بالمناصب، فالسامريُّ بدلَ أنْ يبيّنَ عظمة الرسول وبركته، استخدم ذلك لإضلال الناس بدلاً عن هدايتهم إلى الحق.

هدى: والعجيبُ مِنْ هؤلاء الوهابيين أنهم إذا وصلَ الأمر إلى أهل بيت النبي ص، صرخوا بأنّ هذا شرك وغلو.

علي: صدقتِ يا عزيزتي، على الرغم مِنْ أنّ ابن تيمية يزعم في كتاب (النبوات) بأنّ الأولياء يستطيعون إحياء الموتى، ثم لا يتهمه أتباعه بالشرك والغلو أبداً.

هدى: لم أسمع بهذا منهم، ولقد روى البخاري في صحيحه أنّ الخليفة عمر بن الخطاب توسّل بالعباس عمّ النبي ص، فهل يتهمونه بالشرك؟

علي: لو كانوا أتباعَ السلفِ كما يزعمون، فإنّ لِعمر مواقف لو كان موجودا اليوم بينهم لاتهموه بالشرك.

هدى: وما هي تلك المواقف؟

علي: منها قول عمر بن الخطاب للحسين بن علي بن أبي طالب ع: (وهل أنبتَ الشعرَ فوق رؤوسنا إلا الله ثم أنتم).

هدى: ماذا؟! يَعتبرُ الوهابية مثل هذا القول من أوضح مصاديق الشرك بالله، وأنّ قائله يستحقُّ القتلَ ويستبيحون دمه لأجل ذلك، فهل هم أفهم مِنْ عمر؟! ولكن مَنْ روى هذه المقولة عن الخليفة الثاني؟

علي: رواه الذهبي في سير أعلام النبلاء ج3 ص285 قال: (عن عُبيد بن حنين عن الحسين قَال: صعدتُ المنبرَ إِلَى عمر فقلتُ: اِنزلْ عن منبر أَبي واذهب إِلَى منبر أبِيك، فَقَال: إِنَّ أَبِي لَم يكنْ لَه منبر! فأقعدني معه، فَلمَّا نزلَ، قَال: أَي بُنيَّ! مَنْ علـّمك هذا؟ قلتُ: ما علمنيه أَحدٌ، قَال: أَي بُنيَّ! وهل أَنبتَ على رؤوسنا الشَّعرَ إِلا اللهُ ثمَّ أنتم! ووضع يده على رأسه، وقال: أي بُنيَّ! لو جعلتَ تأتينا وتغشانا)، ثم قال الذهبي: إسناده صحيح.

هدى: ما كنتُ أتصور أنّ مثل هذه الأحاديث موجودة عندنا بهذه الصراحة، وهل رواه أحدٌ غيرُ الذهبيّ؟

علي: نعم، رواه ابن حجر في الإصابة في تمييز الصحابة ج2 ص69 وقال عمر في آخر الحديث: (فإنما أنبتَ ما ترى في رؤوسنا الله ثم أنتم)، ثم قال ابن حجر: سنده صحيح، ورواه ابن حجر أيضا في المطالب العالية كتاب المناقب حديث 3992، ورواه أيضا في تهذيب التهذيب ج2 ص300 وصححه أيضاً، ورواه ابن شبة النميري في تاريخ المدينة حديث 1264، والمتقي في كنز العمال ج13 ص654 حديث 37665، وابن عساكر في تاريخ دمشق ج14 ص175، إلا أنه نقل قول عمر هكذا: (منبر أبيك والله منبر أبيك والله، وهل أنبتَ على رؤوسنا الشعر إلا أنتم، لو جعلتَ تأتينا وجعلتَ تغشانا)، والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد ج1 ص151، والمزي في تهذيب الكمال ج6 ص404.

هدى: كلُّ هذه المصادر روته، فهل عميتْ عيون الوهابيين عنها، ولكنْ يبقى إشكالٌ ذكره الوهابيون، وهو أنهم يقولون بأنّ العباس مثلاً كان حياً وليس ميّتاً فيجوز التوسّل بالحيّ.

علي: أولاً: هم يحرّمون التوسّل سواء كان بميتٍ أو بحيٍّ، وثانياً: إنّ قميص يوسف ليس بحيٍّ، فكيف توسلّ به يوسف لِشفاء عين أبيه يعقوب؟ وثالثاً: إنّ أهلَ البيت ع قد قتلوا في سبيل الله، والله تعالى بيّن أنّ الشهداء أحياء: (ولا تقولوا لِمَنْ يُقتلُ في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون).

هدى: ولكنهم يقولون جواباً على ذلك، بأنّ الشهداء أحياءٌ عند ربهم، فهم في عالمٍ آخر بعيدين عنا فكيف نتوسّل بهم.

علي: عقيدة الوهابية أنّ الله بعيدٌ، ويقول الله: (ونحن أقربُ إليه من حبل الوريد) و(هو معهم أين ما كانوا) و(وهو معكم أين ما كنتم) و(أينما تولوا فثمّ وجه الله).

هدى: ثم ماذا؟

علي: إذا كان الله معنا أينّ ما كنا وأين توجهنا، بل هو أقرب إلينا من حبل الوريد، وإذا كان الشهداء عند الله، إذن فالشهداء قريبون منا أيضاً، لأنهم عند الله القريب منا فيسمعون كلامنا، وليسوا في عالمٍ آخر كما يزعمون.

هدى: ما أجمل استدلالك بالآيات، وأظنّ بأنهم إنما تصوروا كون الشهداء في عالم آخر، لأنّهم يعتقدون بأنّ الله في السماء يجلس على عرشه، لذلك يعتقدون بأنه بعيدٌ عنهم، وكذلك الشهداء بعيدون عنده.

علي: هذا لِجهلهم بالآيات التي توضّح بأنّ الله معنا، بل هو أقرب إلينا من حبل الوريد.

هدى: قد يُقال: بأنا نُسلـِّم لكم أنّ الشهداء أحياء، ولكنْ ليس كلُّ حيٍّ يستطيع أنْ يسمع على بُعد المسافات، فلو كنا في الحجاز مثلاً، فكيف يُمكن أنْ يسمع مَنْ هو في العراق أو سوريا؟

علي: هل مرَّ عليك قصة (يا سارية الجبل)؟

هدى: كلا، وما هي قصتها؟

علي: روى علماؤكم أنّ عمر كان على منبر المدينة، فرأى سارية الذي بعثه بجيشٍ لبلاد فارس، وكاد يقع في كمين للعدو، فناداه عمر: يا سارية الجبل، فسمعه سارية وهو في بلاد فارس، فاتجه نحو الجبل ونجا مما كاد أنْ يقع فيه مِنْ كمين العدو.

هدى: أتصوّر بأنّ هذه مِنْ قصص الخيال، أو أنها رويتْ بروايةٍ ضعيفة.

علي: ولكن علماءَكم صحّحوها.

هدى: مَنْ رواها ومَنْ صحّحها؟

علي: رواها كثيرون كالمتقي في كنز العمال ج12 ص571 حديث 35788، وابن حجر في الإصابة ج3 ص5 وقال عنه: إسناده حسن، والعجلوني في كشف الخفاء ج2 ص380 حديث 3172 وفي ص381 وقال: قال في اللآلئ: وقد أفرد الحافظ القطب الحلبي لطرقه جزءاً، ووثق رجال هذه الطريق.

هدى: تريد أنْ تقول: إذا كان عمر يرى ويسمع رغم هذه المسافات الكبيرة بين المدينة وايران، فعليٌّ ع كذلك.

علي: نعم، فكما يدّعي علماؤكم بأنّ عمر فعل ذلك، فعلي ع أولى بفعل ذلك، لأنه من أهل البيت الذين طهرهم الله تطهيرا.

هدى: ولماذا قلتَ كما يدّعي علماؤكم؟

علي: لأننا لا نعتقد بصحتها، ولكن ما دام علماؤكم يروون عن عمر ذلك ويعتقدون بأنّ مثل عمر يمكنه سماع ورؤية الأشخاص رغم بُعدِ المسافات، فالحُجّة عليهم قائمة، بأنه يُمكن لمثل عليٍّ ع أن يفعلَ ذلك أيضاً، فلا يحقُّ لهم إنكار مثلها لعليٍّ ع.

هدى: ولكني أريدُ دليلاً صريحاً وواضحاً وقوياً.

علي: لقد مرّ علينا في صحيح البخاري أنّ النبي ص وصف علياً ع في معركة خيبر بأنه (يحبُّ اللهَ ورسولـَهُ ويُحبُّهُ اللهُ ورسولـُهُ).

هدى: نعم، أتذكـّرُ ذلك.

علي: ويوجد حديثٌ يرويه البخاري أيضاً في صحيحه ج7 ص190 طبع دار الفكر بيروت، يقول فيه: (…. ما تقرّبَ إليّ عبدي بشيءٍ أحبُّ إليّ مما افترضتُ عليه، وما يزال عبدي يتقرّبُ إليّ بالنوافل حتى أحبّه، فإذا أحببته كنتُ سمعه الذي يسمعُ به وبصره الذي يُبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ….).

هدى: إنه حديثٌ لطيفٌ جداً، ولكن ماذا تريد أنْ تستدلّ به؟

علي: لقد قال الله في هذا الحديث: (فإذا أحببته كنتُ سمعه الذي يسمعُ به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها)، وقد علمنا مِنْ حديث يوم خيبر بأنّ الله يحبُّ علياً، والنتيجة هي أنّ الله سيكون سمع عليٍّ وبصره ويده.

هدى: ما أروع هذه النتيجة !!!

علي: وهنا نسأل: إذا كان الله قد أصبح سمعَ عليٍّ، فهل يمكن أنْ يخفى عليه صوتُ مَنْ يناديه أو يستغيث به، وإذا كان الله عينَ عليٍّ، فهل سيخفى عنه شيءٌ مِنَ الأمور، وإذا كان الله يدَ عليٍّ، فهل سيُعجزه فِعلُ شيءٍ؟

هدى: رغم أنّ النتيجة منطقية مائة في المائة، إلا أنه يصعبُ عليّ الإيمان بذلك بسرعةٍ وسهولة.

علي: ألا يتوسّل أهلُ السنة بأولياء هم أقلُّ منزلةً مِنْ عليّ؟

هدى: نعم، هذا صحيح.

علي: فكيف يتوسّـلون بهم إذا كانوا لا يسمعون ولا يتدخلون في قضاء الحوائج، ولو بتوسّط هؤلاء الأولياء وشفاعتهم عند الله.

هدى: وتكملة دليلك: إنّ عليّاً أفضل منهم، فكيف لا نؤمن بأنه يقضي الحوائج، لِقربه مِنَ الله كما يفعل باقي الأولياء؟

علي: نعم، هو كما تفضلتِ يا عزيزتي، وقد أمرنا الله في القرآن بقوله: (وابتغوا إليه الوسيلة) فالنبي ص وأهل بيته وسيلتنا إلى الله، لذا ورد عن فاطمة الزهراء ع تقول: (بنا يتوسّل إلى الله مَنْ في السماوات والأرض).

هدى: ما تقوله صحيح، ولكنّ دراستي عند الوهابية جعلتْ في نفسي مانعاً عن تقبّل هذه الحقائق، ولقد قلتَ قبل قليل بأنّ لِعمر مواقف كثيرة وذكرتَ واحداً منها.

علي: لقد استغاث عمر بغير الله حين أصاب القحط المدينة.

هدى: متى استغاث بغير الله، ومَنْ روى ذلك؟

علي: في صحيح ابن خزيمة ج8 ص413 حديث 2176: (…. عن زيد بن أسلم، عن أبيه أسلم: أنه لما كان عام الرمدات، وأجدبت ببلاد الأرض، كتب عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص: مِنْ عبد الله عمر أمير المؤمنين، إلى عمرو بن العاص: لعمري ما تبالي إذا سمنتَ ومَنْ قِبَلك، إنْ أعجف أنا ومَنْ قِبَلي، ويا غوثاه).

هدى: حقاً هو كما تقول، فإنّ عمر يستغيث بعمرو بن العاص وليس بالله تعالى.

علي: كما إنّ عمرو بن العاص أجابه: لبيك، وهذا القول يعتبره الوهابية شركاً أيضاً، ولم يعترض عمر على قول عمرو لبيك له.

هدى: وما كان جواب عمرو له؟

علي: كتب عمرو: (سلام، أما بعد لبيك لبيك، أتتك عيرٌ أولها عندك وآخرها عندي، مع أني أرجو أنْ أجدَ سبيلاً أنْ أحمل في البحر ….).

هدى: ومَنْ صحّح هذا الحديث؟

علي: صحّحه ابن خزيمة الذي روينا الحديث عنه، وصححه كذلك الذهبي في المهذب ج5 ص2523.

هدى: وهل رواه غيرهما؟

علي: وروى ابن كثير في البداية والنهاية ج7 ص92: (وقد روينا: أنّ عمر عسّ المدينة ذاتَ ليلة عام الرمادة، فلم يجد أحداً يضحك …. الناس في همٍّ وضيق، فهم لا يتحدثون ولا يضحكون، فكتب عمر إلى أبي موسى بالبصرة: أن يا غوثاه لأمة محمد، وكتب إلى عمرو بن العاص بمصر: أنْ يا غوثاه لأمة محمد، فبعث إليه كلُّ واحدٍ منهما بقافلة عظيمة تحمل البُرّ وسائر الأطعمة، ووصلتْ ميرة عمرو في البحر إلى جدة، ومن جدة إلى مكة) ثم قال ابن كثير: وهذا الأثر جيد الإسناد.

هدى: إذا أحسنا الظنّ بالوهابية، فنقول بأنهم يجهلون التاريخ الإسلامي.

علي: ولكنْ ينبغي على الجاهل أنْ لا يفرض رأيه على باقي المسلمين.

هدى: صدقتَ، فهم يفرضون آراءهم بالقوة والسيف، والعجيب أنّ الوهابية لا يتوسلون بالنبي ص أيضاً، زاعمين بأنه قد مات والميت لا ينفع.

علي: كذبوا والله، فهو حيٌّ أولاً وينفع ثانياً.

هدى: وما هو دليلك؟

علي: روى الهيثمي في مجمع الزوائد ج8 ص594 حديث 14250: (عن عبد الله بن مسعود عن النبي ص قال: إنّ لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام، قال: وقال رسول الله ص: حياتي خيرٌ لكم تحدثون ويحدث لكم، ووفاتي خيرٌ لكم تُعرَض عليّ أعمالكم، فما رأيتُ مِنْ خير حمدتُ الله عليه، وما رأيتُ مِنْ شرٍّ استغفرتُ الله لكم)، ثم قال الهيثمي: رواه البزار ورجاله رجال الصحيح.

هدى: مع وجود هذه الأحاديث الصحيحة، التي يُخبر فيها النبي ص بأنّ الملائكة يبلغونه سلام مَنْ يُسلم عليه، كيف اعتقدوا بعدم حياته؟

علي: ومع استغفاره لهم، كيف زعموا عدم الانتفاع بالنبي ص بعد موتِهِ؟

هدى: نعم والله، ولديّ هنا سؤال: هل ورد عن النبي ص التوسل بغير الله؟

علي: أما سمعتِ بحديث الضرير الذي جاء للنبي ص؟

هدى: كلا لم أسمعْه، وما هي قصته؟

علي: اتـّفق المحدّثون على صحّةِ رواية الضرير، حتى ابن تيمية.

هدى: اذكر نصّها مِنْ فضلك.

علي: نصّها: عن عثمان بن حنيف قال: (إنّ رجلاً ضَريراً أتى إلى النبي ص فقال: اُدْعُ اللهَ أنْ يُعافيَني، فقال ص: إنْ شئتَ دعوتُ وإنْ شئتَ صَبَرتَ وَهُوَ خَير، قال: فادْعُهُ، فأمره ص أنْ يتوضّأ فَيُحْسِنَ وضوءَهُ ويُصلي ركعتين ويدعو بِهذا الدُّعاء: اللهم إني أسألكَ وأتوجَّه إليك بنبيّك نبيّ الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي لِتـُقضى، اللهم شفعه فيَّ. قال ابنُ حنيف: فوالله ما تفرَّقنا وطالَ بنا الحديث، حتى دخلَ علينا كأنْ لم يكن به ضُـرٌّ).

هدى: مَنْ رواه ومَنْ صحّحه؟

علي: رواه الترمذي في سننه ج5 ص569 حديث 3578، وابن ماجة في سننه ج1 ص441 حديث 1385، ولقد اعتبر ابن تيمية هذا الحديث صحيحاً، ويقول الكاتب الوهابي الرفاعي في (التوصّل إلى حقيقة التوسّل) ص158: (لا شكّ أنّ هذا الحديث صحيحٌ ومشهور، ويقول أيضاً: لقد أورد هذا الحديث النسائي والبيهقي والطبراني والترمذي والحاكم في مستدركه).

هدى: لا إله إلا الله، لقد علـّمه النبيُّ أنْ يدعوَ الله وكذلك أنْ يتوسّل إلى الله بنبيّه محمّد نبيّ الرحمة، ويطلب مِنَ الله أنْ يُشفِّعَهُ فيه.

علي: انظري كيف علـّم النبي ص الأعمى أنْ يقول: اللّهُمّ إنّي أسألُكَ وَأتَوَجَّهُ إليكَ بِنَبِيّكَ، وهذا مِن الشِرك عند الوهابية.

هدى: وأعجبُ منه تعليمه ص للأعمى أنْ يقولَ: يا محمّد إنّي أتوجّه بك إلى ربّي، وهذا أكثرُ شركاً بنظر الوهابيين.

علي: فالنقطة المركزيّة في الدعاء هو شخص رسول الله ص.

هدى: وبماذا يفسره الوهابيون؟

علي: زعموا بأنّ الرجل الضرير قد توسّل بدعاء النبيّ لا بشخصه.

هدى: ولكن عبارة الدعاء واضحة إذ تقول: اللهمَّ إني أسألك وأتوجّه إليك بنبيّك نبيّ الرحمة، أو قوله: يا محمّد إنّي أتوجّه بك إلى ربّي.

علي: بورك فيكِ، فالحديث واضحٌ لكلِّ مَنْ يفهم اللغة العربية، ومثله ما مرّ سابقاً مما رواه البخاري عن عمر حيث قال: (اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبيك فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعمِّ نبيك فاسقنا، قال: فيُسقون).

هدى: ولكن ماذا نفعل بآيات القرآن التي يستشهد بها الوهابيون، والتي تنهى عن الاستعانة والاستغاثة والتوسل بغير الله تعالى؟

علي: يجبُ النظر لآيات القرآن بعينين اثنين، لا بعينٍ عوراء واحدة.

هدى: لم أفهم مقصودَك يا علي.

علي: يجب علينا يا عزيزتي حين البحث عن كلِّ موضوعٍ في القرآن الكريم، أنْ نبحثَ عن كلّ الآيات التي تخص ذلك الموضوع.

هدى: نعم، حتى نتعرّف على رأي القرآن في ذلك الموضوع، ولكني لا زلتُ أجهل مرادك في النظر للآيات بعينين اثنين.

علي: مثلاً في موضوع الاستعانة، ما هي الآية التي منعتْ من الاستعانة بغير الله؟

هدى: قوله تعالى: (إياك نستعين) فهي تدلّ على عدم جواز الاستعانة بغير الله.

علي: فلو أريتـُكِ آية تأمرُ بالاستعانة بغير الله، فماذا ستقولين؟

هدى: مُستحيل، وما هي تلك الآية؟

علي: قوله تعالى: (واستعينوا بالصبر والصلاة) فهل الصبر هو الله؟

هدى: الصبر حالة نفسية خلقها الله لنستعين بها على مشاكلنا.

علي: فالصبر مخلوقٌ وليس هو الله؟

هدى: صحيح صحيح.

علي: ولكنكِ قلتِ قبل قليل: لا يجوز الاستعانة بغير الله، بينما يأمرنا الله هنا بالاستعانة بغيره؟

هدى: لم أفكر بآية (واستعينوا بالصبر) قبل اليوم أبداً.

علي: وكذلك في موضوع الاستغاثة، فقد قصّ الله علينا في قصة موسى: (فاستغاثه الذي مِنْ شيعتِهِ على الذي مِنْ عدوِّهِ) فلو كانتْ الاستغاثة بغير الله مِنَ الشرك، لنهاه نبيُّ الله موسى ع عن فِعلها.

هدى: لعله كان جائزاً في ذلك الزمن.

علي: لو كانتْ الاستغاثة شركاً، فهل يُمكن أنْ يُجيزَ الله الشرك في وقتٍ ما؟

هدى: كلا.

علي: ثم إنّ الله تعالى ذكر هذه القصة للمسلمين في القرآن الكريم، وذلك لكي يتعلموا منها عقائدهم وأحكام دينهم.

هدى: أحسنتَ يا علي، وأما التوسل فقد ذكرتَ لي سابقاً قوله تعالى: (وابتغوا إليه الوسيلة) فهل لديك آيات أخرى تتحدّث عن غير الاستعانة والاستغاثة؟

علي: هناك مفاهيم قرآنية كثيرة، لو نظرنا لبعض الآيات وتركنا البعض الآخر، لما توصّلنا إلى حقيقةِ مقصود الله ومراده منها.

هدى: اِضربْ لي بعض الأمثلة.

علي: أشارتْ الآيات إلى أنّ الله هو مدبّر الأمر: (ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون)، ولكنه تعالى قال أيضاً: (والمدبِّراتِ أمرا)، والله هو الخالق (الله خالق كلِّ شيء)، ورغم ذلك قال: (وتبارك الله أحسنُ الخالقين)، والله هو الوهّاب (إنك أنت الوهّاب) ولكنّ الملك الذي جاء إلى مريم ع قال لها: (لأهَبَ لكِ غُلاماً زكيّا)، والله هو الهادي (وما كنا لنهتدي لولا أنْ هدانا الله)، ولكنه تعالى وصف نبيه قائلاً: (وإنك لتهدي إلى صراطٍ مستقيم)، وعن الشفاعة قال عزّ اسمه: (ولله الشفاعة جميعا)، ولكنه قال أيضاً: (ولا يشفعون إلا لمن ارتضى) أو (مَنْ ذا الذي يَشفعُ عنده إلا بإذنه)، وقال تعالى عن الغيب: (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمُها إلا هو) وقال على لسان النبي ص: (لو كنتُ أعلم الغيبَ لاستكثرتُ مِنَ الخير)، ولكنه قال أيضاً: (عالمُ الغيب فلا يُظهر على غيبه أحداً إلا مَنْ ارتضى من رسول) ونبينا محمد مرضيٌّ عند الله، فلابدّ أنّ الله قد أطلعه على الغيب، كيف لا وقد ذكر القرآن عن نبي الله يوسف ع وهو يخبر السجينين: (لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أنْ يأتيكما ذلك مما علمني ربي)، وكذلك أخبر عن نبيه عيسى ع قائلاً: (وأنبئكم بما تأكلون وما تدّخرون في بيوتكم إنّ في ذلك لآية لكم)، ومعلوم أنّ النبي محمد ص أفضل منهما، فكيف لا يُطلعه الله على الغيب؟ لذا ورد في الأحاديث الشريفة إخبار النبي ص عن مقتل عمار وظهور المهدي ع والدجال ونزول عيسى ع آخر الزمان.

هدى: أتصور بأني أحتاج لأنْ أدخلَ دورةً تفسيرية للقرآن الكريم، لأنني ما كنتُ أتصور سابقاً وجودَ مثل هذه الآيات الأخرى أو الثانية، بل كان أساتذتنا الوهابيون يركـِّزون فقط على الآيات التي ذكرتَها لي أولاً.

علي:  لقد أنكر الله على اليهود إيمانهم ببعض الكتاب وكفرهم بالبعض الآخر، قائلاً لهم: (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض، فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزيٌ في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردّون إلى أشدّ العذاب).

هدى: نستجير بالله، ولقد توضّح لديّ الآن معنى قولك السابق: يجب النظر لآياتِ القرآن بعينين اثنين لا بعينٍ عوراء واحدة، وأتصور بأنّ موضوع التوسّل أصبح تقريباً مفهوماً لديّ، وأشكرك على جميع جهودك التي بذلتها.

علي: لا شكر على واجب، والحمد لله أولاً وآخراً، ولكن لماذا تقولين تقريباً.

هدى: لأنني من ناحية أشعر بقوة الأدلة، ومن ناحية أحتاج لما يَطْمَئِنُّ به قلبي.

علي: إذن اسمحي لي أنْ أحدِّثك بما كان يفعله علماؤكم مع قبور أئمة أهل البيت ع.

هدى: وماذا كانوا يفعلون بالله عليك؟

علي: قال الشافعي في كتابه تحفة العالم ج2 ص22: (قبرُ موسى الكاظم الترياق المُجرّب)، ونقل كلام الشافعي أحمد زيني دحلان في الدرر السنية ج4 ص6 طبع مكتبة إيشيق بإسلامبول، وشهاب الدين السجاعي في إثبات كرامات الأولياء ص6، وابن هوازن في الرسالة القشيرية ص10.

هدى: وما معنى الترياق المُجرّب؟

علي: يطلق القدماء كلمة الترياق على الدواء الذي يصلح لكل داء، وأما المجرّب أي الذي جرّبه الكثيرون مِنَ الناس، فكأنه يقول بأنّ زيارة قبر الإمام موسى الكاظم ع سابع أئمة أهل البيت ع، ينفع لِقضاء جميع الحوائج، وأنّ هذا قد جرّبه كثيرون.

هدى: حقاً إنه شيء يثير الدهشة.

علي: ولذلك قال ابن الصباغ المالكي في كتابه الفصول المهمة ص221 طبع دار الأضواء عن الإمام الكاظم ع: (وهو المعروف عند أهل العراق بباب الحوائج إلى الله، وذلك لِنـُجْحِ قضاء حوائج المسلمين).

هدى: ألهذا الحدِّ تـُقضى الحوائج عند قبر الإمام الكاظم ع، بحيث أصبح ذلك مشهوراً عند أهل العراق؟

علي: نعم، وأكـّدَ هذه الحقيقة القرماني حيث قال في أخبار الدول ج1 ص337 طبع عالم الكتاب: (وهو المعروف عند أهل العراق بباب الحوائج، لأنه ما خابَ المتوسّل به في قضاء حاجته قط).

وقال إمام الحنابلة في عصره الحسن بن إبراهيم أبي علي الخلال: (ما همّني أمرٌ فقصدتُ قبرَ موسى بن جعفر فتوسلتُ به، إلا سهّلَ الله تعالى لي ما أحبّ).

هدى: مِنَ الغريب أنّ القرماني والخلال صرّحا بالتوسل به لقضاء الحوائج، ولكنْ مَنْ الذي روى قول الخلال؟

علي: رواه عنه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد ج1 ص133.

هدى: لقد ذكرتَ الشافعي وأبي علي الخلال فقط، بينما قلتَ لي: أحدثكِ عما كان يفعله علماؤكم.

علي: هل سمعتِ بابن حبّان؟

هدى: نعم، هو مِنْ أكبر علمائِنا وهو صاحب كتاب الثقات.

علي: هل تعلمين ماذا يقول عن قبر الإمام الرضا ع ابن الإمام الكاظم ع؟

هدى: الإمام الرضا المدفون بخراسان في إيران، وماذا يقول؟

علي: نعم، يقول في كتابه الثقات ج8 ص456 ـ 457 طبع مجلس دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن: (وقبره بسناباد خارج النوقان مشهور يُزار بجنب قبر الرشيد، قد زرته مراراً كثيرة، وما حلـّتْ بي شدّةٌ في وقتِ مقامي بطوس، فزرتُ قبر علي بن موسى الرضا صلوات الله على جده وعليه، ودعوتُ الله إزالتها عني إلا استجيب لي وزالتْ عني تلك الشدة، وهذا شيءٌ جربتُه مراراً فوجدتُه كذلك، أماتنا الله على محبة المصطفى وأهل بيته صلى الله عليه وعليهم أجمعين).

هدى: أظنّ بأني قد سمعتُ ذلك منك سابقاً، وأظنّ بأني كنتُ نائمة فاستيقظتُ الآن، فإذا كان أكابرُ علمائِنا يعترفون بمنزلة أئمة أهل البيت ع، ويزورون قبورهم ويتوسّلون بهم عندها، فما بال الوهابية يعتقدون عكس ما يعتقد هؤلاء العلماء؟

علي: ألا يزعم الوهابيون بأنهم أتباع السلف الصالح؟

هدى: نعم، لذلك يُسمّون أنفسهم بالسلفيين.

علي: وهل الشافعي والخلال وابن حبان مِنَ السلف الصالح؟

هدى: إذا لم يكن هؤلاء العلماء مِنَ السلف الصالح، فمَنْ هم السلف الصالح؟

علي: فلماذا يخالفون سلفهم الصالح؟

هدى: لا أعلم والله، فمخالفاتهم للسلف الصالح وتناقضاتهم لا تعدُّ ولا تحصى.

علي: والأعجب مِنْ ذلك، أنهم يتهمون مَنْ يُخالفهم مِنَ المسلمين بالشرك.

هدى: بل إنهم يستحلون دماء المسلمين.

علي: وماذا تقولين الآن يا عزيزتي هل اطمأنّ قلبك؟

هدى: نعم، أشعر الآن باطمئنانٍ عجيبٍ بكلِّ ما ذكرتَهُ، ولكني أشعر بحسرةٍ كبيرة.

علي: ولماذا يا عزيزتي؟

هدى: لأننا ضيّعنا أكثر أعمارنا ونحن بعيدين عن أهل بيت النبي ص، وعن فكرهم الصافي وعن أدعيتهم الرائعة وعن أحكام فقههم الصحيحة، وعن قبورهم النورانية التي تُقضى بواسطتها الحوائج.

علي: لا بأس عليكِ، تستطيعين أنْ تعوّضي ما فاتك.

هدى: كيف أعوّض ولا أدري كم بَقِيَ من عُمري؟

علي: أما سمعتي بواقعة عاشوراء.

هدى: وهل يُمكن أنْ تخفى مثل هذه الحادثة الحزينة على مسلم؟

علي: كان الحر الرياحي طولَ عمره ضابطاً في الجيش الأموي، لكنه تاب على يد الحسين ع يوم عاشوراء، واستشهد بين يدي الحسين ع، وقال له الحسين ع في آخر لحظات عمره: (أنتَ حرٌّ في الدنيا وسعيدٌ في الآخرة).

هدى: أحقاً ما تقول؟

علي: نعم، وكذلك زهير بن القين لم يكن موالياً لأهل بيت النبي ص، فالتقاه الحسين ع في أثناء مسيره إلى العراق ودعاه لِنصرتِهِ، فلبّى دعوته ونصر الحسين ع في كربلاء واستشهد معه.

هدى: سماعُ مثل هذه القصص تزرع التفاؤل في النفس.

علي: وممن نصر الحسين ع نصراني يُسمى وهب، كان مسيحياً قبل واقعة كربلاء، فشاهد كرامة مِنَ الحسين ع، فأسلم والتحق بالحسين ع واستشهد معه.

هدى: (تسيل دموعها على وجنتيها) اللهم اجعلنا من محبي أهل بيت النبي ص، وممن يتمسك بهم وبالقرآن، وممن يُحشر معهم في الجنان.

شاهد أيضاً

z

بشارة المصطفى لشيعة المرتضى 2

4 – أخبرنا الشيخ أبو البقاء إبراهيم بن الحسين بن إبراهيم الرقا البصري بقراءتي عليه ...