الرئيسية / مقالات اسلامية / الاسلام والحياة / اليتيم في القرآن الكريم – عز الدين بحر العلوم
558664_435055206540529_1887664299_n

اليتيم في القرآن الكريم – عز الدين بحر العلوم

13-  وكان يضربه قومه حتى يغشى عليه فلما يفيق يتجه إلى ربه وبفمٍ تتصاعد منه الحسرات يناجي ربه قائلاً: « اللهم إهد قومي فانهم لا يعلمون ».
وتشاء القدرة الإلهية أن ينزل العذاب على هؤلاء المعاندين ويكتب لهم الغرق .
« وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون ».
وانتهى كل شيء وأصبحت السفينة ، وهي سفينة الامان، جاهزة ووقت اليوم المعلوم لينفذ العذاب في هؤلاء.
« حتى إذا جا أمرنا وفار التنور ».
وكانت هذه العلامة ساعة الصفر . ولندع المفسرين ، وخلافاتهم في هذا التنور أين كان ، وفي أي بقعة من الأرض كان قابعا . المهم أنه كان مصدر نبع الماء ، وإندفعت المياه من السماء ضبابا بلا قطرات ، وتفجرت الأرض عيوناً منهمرة، وفاضت البحار . وطفحت الانهار وكان نوح قد أمر أن يحمل في سفينته :
« من كل زوجين إثنين ».
من كل جنس من الحيوان زوجين أي ذكراً ، وأنثى.
« وأهلك إلا من سبق عليه القول ».
أي] من سبق الوعد بإهلاكه ، والمقصود بذلك أمرئته الخائنة وأضف إلى أسرة السفينة من الراكبين فيها .
« ومن آمن وما آمن معه إلا قليل ».

واقصر ما قيل في عدد من آمن به ثمانين نفر.
وتكامل العدد ، وسارت السفينة وسط دنياً من المياه المنهمرة من كل حدب ، وصوب .
« وهي تجري بهم في موج كالجبال ».
والرياح العاتية تهبط بالسفينة ، وترفعها ، وكسفت الشمس .
تمر تلك اللحظات ، ويتفقد ربان السفينة ، نبي الله نوح فلم يجد إبنه كنعان من ضمن الراكبين ، وحانت منه التفاتة وإذا بالولد يهرب صوب الجبال التي بعد لم يصل إليها الماء والهلع يأخذ منه مأخذه .
« ونادى نوح أبنه وكان في معزل يا بني إركب معنا ولا تكن من الكافرين ».
يا بني : إنه نداء الابوة الحنون ينبثق من القلب العطوف يرتل هذا النغم الهادىء ليصل إلى مسامع الولد المذهول من هذا المنظر المخيف يطلب إليه أن يلحتق بسفينته لينجو من عذاب الله المحتم.
ولكن الولد المذعور يهرب من هذا النداء الابوي ليطلقها صيحة مدوية تضيع بين زمجرة الامواج العالية .
« قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء ».
فهو يحاول عبثاً أن يأوي إلى جبل يعصمه من الماء ، ويبعد عنه شبح الموت الذي يتراءى له من بين هذه المياه المتدفقة من جميع الجهات .
وعلى العكس فلم ييأس الشيخ الوقور ، وأعاد الكرة ، وظن أنه سيفلح في إقناع ولده ، فعاد إليه ، والحسرة تأكل قلبه متوسلاً وهو يقول :
« لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم ».

وضاعت التوسلات وسط الامواج ، وبعد الشج ، وذهب الولد هارباً ، وأسدل الستار على الحوار العاطفي .
« وحال بينهما الموج فكان من المغرقين ».
وابتلعت المياه كل شيء ، ولم يبق من مخلوقات الله إلا :
« من آمن وما آمن معه إلا قليل ».
وهم ركاب السفينة .
وصدرت الأوامر الإلهية :
« وقيل يا أرض إبلعي مائك ويا سماء أقلعي وغيض الماء واستوت على الجودي وقيل بعداً للقوم الظالمين ».
وتنفس الشيخ الهرم الصعداء، فلقد أخذت المياه كل أولئك الذين كفروا برسالته ، واذاقوه ألوان العذاب .
ولم تشغل هذه المناظر المرعبة ، والنتائج التي حصل عليها في التغلب على الاعداء من التفكير في ولده بعد أن ضاعت توسلاته بابنه المغرور لذلك اتجه إلى ربه يذكره بوعده بأن أهله من ضمن الناجين من العذاب إلا إمرأته التي خانته في الإيمان به ، وولده من أهله.
« ونادى نوح ربه فقال ان ابني من أهلي وأن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين ».
أنه بهذا التضرع يعترف من طرف خفي بحقيقة العاطفة الطاغية على مركز النبوة ، والعصمة .
وماتت البسمة ، وانطفأ الأمل ، ومات شبح الابن حينما جاءه النداء :
« قال يا نوح أنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسئلن ما

ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين ».
لقد أرخى الشيخ الكبير لعاطفته العنان فتجاوز الحد المرسوم ، وطالب بما ليس له أن يطالب فيه ، وها هو يتلقى التهديد بالترك عما يطلب ، وإذا به يعود إلى لطفه وعطفه فيتضرع من أجل هذا الالحاح قائلاً :
« رب إني أعوذ بك أن اسئلك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين »(1).
بماذا تجازى هذه العواطف الجياشة من الآباء.
وما هو الاسلوب الذي يلزمنا تجاه هذا البركان المتفجر من العطف أنه القرآن الكريم حدد لنا ، وتكفل ببيان هذه الكيفية ا لتي لا بد من تطبيقها نحو هذين الملاكين في المجالين التربوي ، والمالي.
« وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً أما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أفٍ ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريماً، واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمها كما ربياني صغيراً »(2).
درس بليغ في الادب نستوضحه من خلال هذه الآية الكريمة حيث تدرج الشارع المقدس ببيان المراحل السلوكية مع الابوين على النحو التالي :
الاولى : بيان مكانة الابوين ، وقيمتهما المعنوية ، ويبدو هذا واضحاً في اعتبار الاحسان اليهما بالدرجة التالية مباشرة لعبادة الله .

____________
(1) ـ الآيات المتقدمة من سورة هود : (36 ، 47).
(2) ـ سورة الاسراء آية ( 33 ـ 34).

شاهد أيضاً

558664_435055206540529_1887664299_n

اليتيم في القرآن الكريم – عز الدين بحر العلوم

14 – وبذلك نعرف مدى الواجب على الابناء في تقدير الابوين ، وقد جاء مثل ...

أضف تعليق