الرئيسية / اخبار اسلامية / المسيح في ليلة القدر 26
0

المسيح في ليلة القدر 26

الرواية العشرون: هديّة الله

 الرواية العشرون: هديّة الله – رواية حضور الإمام الخامنئي دام ظله في منزل الشهيد جان جورج جان دافيد مع ذكرى الشهداء: السيّد حمزة، السيّد أبو القاسم، السيّد داوود، السيّد كريم والسيّد كاظم سجاديان. في تاريخ 29/12/1988م.

 
الشهيد جان جورج جان دافيد
مكان الاستشهاد: عين خوش – محافظة إيلام
تاريخ الاستشهاد: 28/03/1988م
 
 
 
 
 
362

309

الرواية العشرون: هديّة الله

 مضى ستة أشهر على صدور قرار مجلس الأمن الدولي، وحوالي أربعة أشهر على انتهاء الحرب المفروضة مع العراق، والبلاد تمرّ بظروف صعبة. مضت عشر سنوات من عمر الثورة رافقها الاضطراب والأحداث وعدم الاستقرار. لكن يبدو أنّ الأوضاع هدأت اليوم. هدوءٌ يُمهّد الأرضيّة للبدء بالعمل والبناء، لكن من جهة أخرى، يُمكن أن يكون سببًا للغفلة والسبات. هدوءٌ سيكون بالنسبة إلى المقاتلين العائدين حديثًا من الجبهة، إن لم يتمكّنوا من تجاوزه، قاتلًا ومهلكًا، خاصّة في تلك الظروف الّتي انتهت فيها الحرب، وذلك البيان العجيب للإمام.

كانت الفرصة ملائمة لتفريغ عُقد المذلّة والاصطياد في الماء العكر، وتحقير الثورة والحرب والشهداء. كانت نظراتهم وكلماتهم تُمطر حقدًا في الحرب، كانوا فرّارين مثبطين للعزائم، واليوم يهزؤون ويسخرون من بعيد ويقولون: أين أصبح شعار “حربًا حربًا حتى النصر”؟ لِم لم تُحرّروا كربلاء؟ كُنّا نقول لكم أوقفوا الحرب! أرأيتم أنّنا على حقّ؟ لمَ كلّ أولئك الشهداء؟
كلام يؤذي المقاتلين وعوائل الشهداء. في تلك الأجواء الملوّثة بالغبار والكرب، قام رجل ليحمل لواء الدّفاع عن بيان ورسالة الإمام، أيْ الدّفاع عن كلّ لحظات الحرب والدّفاع المقدّس، وكذا الدّفاع عن السلم والعزّة والفخر والإيمان بثمرة دماء جميع الشهداء.
تعب رئيس الجمهوريّة من النزاعات والألاعيب السياسيّة بين أقطاب الدولة، وشعر بالقلق على روحيّة ومعنويات عناصر حزب الله. لذا وبعد قبول الإمام بقرار مجلس الأمن، انبرى ومن خلال منبر صلاة الجمعة للدفاع عن قرار الإمام ولتهدئة النفوس. ومن ثمّ اغتسل غسل الشهادة، ارتدى ثياب المحارب وانطلق نحو الجبهة. خَالَ صدّام أنّ القبول بالقرار دليل ضعف، فأعاد الهجوم من عدّة محاور على الأراضي الإيرانيّة. وكان لا بدّ من ردّ الصاع كي يفهم أنّه وبإشارة من الإمام، يهتف مئات الآلاف من المقاتلين الفدائيّين:
 
 
 
 
363

310

الرواية العشرون: هديّة الله

  “لبّيك”. مع الهجوم المتجدّد لصدّام، ووجود رئيس الجمهوريّة السيّد علي الخامنئي في الجبهة، انطلق سيل التعبويّين وعشّاق الشهادة نحو الجبهات. كانت الخطوة الثّانية لمقاتل الإمام المضحّي، الحضور داخل المدن وبين الناس. فلم يدع فرصةً أو مجلسًا أو محفلًا إلا واستغلّه في هذا السبيل، كانت عوائل الشهداء منذ البداية، الخزّان المعنويّ للجهاد، ومن اليوم وصاعدًا ستكون بصمودها ومعنوياتها، رمزًا لصمود الثورة وثباتها على القيم الّتي حاربت من أجلها على مدى ثماني سنوات، وقدّمت خلالها خيرة شبابها. كان السيّد علي الخامنئي من ذلك المنطلق، يواظب خلال أربع سنوات على زيارة عوائل الشهداء. لكنّ هذه الشهور اختلفت الحكاية، إذ تتعرّض هذه العائلات لضغوط كثيرة، فزاد عدد الزيارات لتُصبح كلّ ليلة جمعة، وفي بعض الأحيان. عدّة ليال في الأسبوع الواحد. وعشيّة الأعياد المسيحية، في 29 كانون الأول من العام 1988م، زار عددًا من عوائل الشهداء الآشوريّين دفعة واحدة.

* * *
إحدى تلك الزيارات، كانت لمنزل عائلة الشهيد “جان جورج جان دافيد”. كلّ ما نملكه عن تلك الزيارة لا يتعدّى قسمًا من تسجيل صوتي لذلك اللقاء، لا صورًا ولا فيلمًا مسجّلًا.
حاولنا إجراء مقابلة مع عائلة الشهيد، لكنّ والدة الشهيد رفضت طلبنا مرّات عدّة. في النهاية وبعد وساطة أحد الأصدقاء الكرمانشاهيّين (والدة الشهيد من أهالي كرمانشاه) وافقت على اللّقاء.
في اللحظات الأولى للمقابلة، أدركنا سبب رفض الوالدة للقائنا. فبعد 27 سنة، ما زالت تتألّم لفراقه ويغمرها الحزن الشديد لذكراه. تلطّفت الوالدة وقصّت علينا حكاية ابنها الأكبر، الحكاية الّتي تبلّلت وتباركت سطرًا سطرًا بدموعها.
تأخّر ذهابه لخدمة العلم ثلاث سنوات، فقد مرضتُ وأُجريتْ لي عملية جراحية، فبقي للعناية بي، ثمّ أُصيب والده بمرض السكّري وفقد بصره، فأضحى هو عينَيْه. كنتُ معلمةَ مدرسة، وكنتُ عندما أذهب للعمل أطمئنّ لوجود “جانو” قربه. عدا ذلك كنتُ أُخالف ذهابه للجندية أساسًا، لم أكن أستطيع تحمّل ذهابه. لكنّه ذهب في النهاية.
 
 
 
 
 
364

311

الرواية العشرون: هديّة الله

 كانت الظروف صعبة للغاية، فقال: “لا أُطيق البقاء في المنزل. سأذهب للجنديّة، وإذا شاء الله فسأعود، وإذا حدث لي شيء فسيكون هذا ما قسمه لي”.

مضى أكثر من سنة على التحاق “جانو” بالجندية، عندما ساءت حال زوجي وأجبرنا أن ندخله مستشفى. كان “جانو” في الجبهة، وبقيت وحدي مع ابني الصغير “جاك” الذي أُناديه “جاكو”، ويصغر “جان” بسنتين. بقينا ليلًا في المستشفى، وفي الصبح في طريق العودة إلى المنزل، رأيت جنديَّيْن يسيران في الشارع عند أول الحيّ، وكانت يد أحدهما مضمّدة وقد علّقها في عنقه. عندما عبرنا بالسيارة بالقرب منهما، قلتُ لجاك ارجع لنقلّ هذَيْن الجنديَيْن إلى حيث يشاءان، أعتقد أنّهما عائدان من الجبهة. عندما كان “جاك” يقود السيارة للخلف قال: “أمّي، يبدو أنّ أحدهما “جانو””. قلتُ: “بالتأكيد أنت مخطئ، فهو ما زال في الجبهة ولم يحن موعد إجازته”. لكنّه لم يكن مخطئًا على الإطلاق. قفزت خارج السيارة، وخجلت أن أضمّه أمام صديقه، أُصبت بذهول ودهشة. من جهة مرض زوجي ومن جهة ثانية عودة ابني جريحًا. فرحت لرؤيته لكنّني كنتُ قلقة على جرحه. سألتُه عمّا حدث ليده؟ ولِم عاد بسرعة؟ قال: “لا شيء، كنتُ ألهو بالكبريت فحرقت يدي”. كنتُ أعرف من عينَيْه أنّه يكذب، هذا أحد فنون الأمّ.
 
 
 
 
 
365

312

الرواية العشرون: هديّة الله

 عندما وصلنا إلى المنزل، قلتُ له أن ينزع الضمّادات لأرى يده، فاضطر أن يُخبرني الحقيقة، أنّه أُصيب بشظيّة جرحت ثلاثة من أصابعه، لذلك أعطوه إجازة مرضية مدّة أربعين يومًا. احترق كبدي عندما رأيت يده. سألني عن والده فلم أستطع إخفاء الأمر. عندما علم أنّ حال والده قد ساءت، ذهب إلى المستشفى بسرعة. ذهبنا معًا. المسكين حزن كثيرًا عندما رآه على تلك الحال. وعلى الرغم من جرح يده، أخذ والده إلى الحمّام، ثمّ حلق له لحيته ثمّ أعاده إلى سريره وحده.

كانت تلك آخر ليلة من حياة زوجي، شاء الله أن يقضي “جان” آخر ليلة مع والده. قضى ابني إجازته في مراسم التشييع وتقبّل التعازي. بسبب جرح يده حصل “جان” على رسالة من وحدته في الجيش تنصّ على تحويل وسائله وزيّه للوحدة والعودة إلى طهران ليمضي فيها باقي أيام خدمته.
لكنّه لم يفعل.
لم تستطع التوقّف عن البكاء، لهذا لا تُحبّ الحديث عن ابنها الشهيد، فهي ستنهار وتُحزن من حولها. قالت: “ستذهبون أنتم الآن، لكنّني سأبقى لأيّام متتالية، أُكرّر هذه الكلمات والخواطر وتسوء حالتي”. بعد لحظات عدّة، يخفّ بكاؤها وتتحدّث بشكل متقطّع والعبرة تخنقها: “ولد جان في 26 آذار وحدث ذلك في نفس عيد ميلاده”1.
عندما سألناها كيف علمت باستشهاده؟ ذهبت إلى المطبخ بحجّة أنّها تُريد إحضار شيء ما، لتعود بعد دقائق عدّة بعينَيْن حمراوَيْن من شدّة البكاء.
كان جاك في المنزل يُشاهد لعبة كرة القدم، عندما ناداه أحد الجيران. قال له: سأخرج بعد انتهاء اللعبة، لكن أصرّ الجار على خروجه، فخرج إليه.
مرّت ربع ساعة ولم يعد. شعرت بالقلق، ذهبت إلى فناء المنزل فرأيته وقد ضمّ ركبتيه وراح يبكي. كان هناك إضافة إلى الجار، رجل غريب. سألت جاك: ماذا حدث؟ قال وهو يبكي: “لقد جرح جانو”.
 

1- أنّه استشهد أيضًا في يوم ميلاده.
 
 
 
 
366

313

الرواية العشرون: هديّة الله

 سألته أين هو الآن؟ علم جاك أنّ أخاه قد استشهد لكنّه خشي أن يُخبرني بالأمر. أجاب الرجل الغريب: “إنّه في أحد المستشفيات… ورويدًا رويدًا أعلمني بالأمر…”.

كانت الوالدة تذرف الدمع وكأنّ ابنها قد استشهد حديثًا. وهل يُمكن أن يخمد حزن فقدان شاب في قلب أمّه؟!
وكي نُغيّر الأجواء المخيّمة سألناها عن اللّيلة التي زارها فيها السيّد القائد:
- اعذروني إنْ تحدّثت بصراحة من دون مواربة. كنتُ كالمجنونة تلك الأيام، ولم أكن أُطيق أو أتحمّل أيّ شيء أو أيّ أحد، خاصّة إن أراد أحدهم التحدّث حول “جان”. في تلك الأيام كانت والدتي ما تزال على قيد الحياة وجاءت مع ابنة أختي إلى منزلنا قبل الظهر، جاء شخصان يرتديان زيّ التعبويين إلى منزلنا، فتحت ابنة أختي الباب لهما، وعبر “الإنترفون” كانت تُخبرني ما يُريدان: “خالتي، يقول هذان السيّدان إنّ أحد المسؤولين سيزوركم ليلًا”. قلتُ لها: “قولي لهم لا أُريد أن يزوروني أحد”. لكنّهما أصرّا وقالا لن يطول الأمر أكثر من دقائق عدّة وذهبا. لم أعتقد أنّهما سيعودان، لكن في اللّيل، قرع الجرس، كانا هما، لكنّهما دخلا المنزل هذه المرّة. كنتُ غاضبة فقلتُ: “لا أريد أن أرى أحدًا”. قالا إنّه مسؤول كبير في الدولة، قلتُ حتى لو كان أعلى مقام في البلاد، قولا له ليردّ إليّ ابني ثمّ يأتي لزيارتي. لم يدرِ هذان المسكينان ماذا يفعلان!.
 
 
 
 
 
367

314

الرواية العشرون: هديّة الله

 في النهاية، أقنعتني والدتي بوجوب استقباله، مع أنّني كنتُ غاضبة إلا أنّني لم أُصدّق أنّ السيّد خامنئي سيأتي إلى منزلنا! لم تكن الذكرى السنويّة لاستشهاد ابني قد حلّت بعد، وكان السيّد خامنئي حينها رئيسًا للجمهوريّة، عندما دخل كنتُ لا أزال في تلك الحالة من الغضب، لكن يشهد الله، وبفضل روحانيّة ذلك الرجل والمعنويّات التي بثّها، انقلبت أجواء الحزن التي خيّمت على منزلنا، كما انقلب حالي 180 درجة. لقد بدّل أحوالي بكلامه ومواساته وتصرّفاته. ووجدت بكلامه طمأنينة عجيبة. تلا على مسامعي شعرًا أبكاني أنا وأمّي كثيرًا، كانت ليلة طيّبة.

كانت المقابلة مع والدة الشهيد فريدة من نوعها، وكذا الاستماع إلى حديث السيّد القائد في منزل الشهيد “جان جورج جان دافيد”، كان ممتعًا جدًّا. مع أنّ ما سمعناه كان جزءًا من حديثه وليس كلّه. بعد التحيّة والسلام والسؤال عن الأحوال، التفت السيّد القائد إلى أنّ والدة الشهيد ليست على ما يُرام، وأنّه لم يمضِ وقت طويل على استشهاد ابنها، لذا حاول أن يُواسيها ويُهدّئ من روعها ويمنحها الأمل:
- ليهبك الله سبحانه وتعالى الصبر والسلوان والخيرات، ويُبدّل هذا الحزن إلى سرور وسعادة طوال أيام عمرك أنت وعائلتك إن شاء الله، في الحياة، لا يُمكن الفرار من الحوادث المرّة والمؤلمة، كالموت والرحيل، المرض والحزن. لكن تلك الحوادث وما يُرافقها من مصائب وأحزان، تحمل معها العزّة والفخار. وتشعر عوائل الشهداء أنّها قامت بخدمة من أجل الوطن واستقلاله ومن أجل الشعب، دائمًا وفي جميع أنحاء العالم وفي كلّ الحروب، نجد عائلات قدّمت شهداء في الحرب، وهم إلى جانب شعورهم بالحزن والألم، يشعرون أيضًا بالافتخار. تعدّدت أسباب الموت، بينما الموت لأجل ما ذكرنا، لهو أسمى وأرفع أنواع الموت، وله الأجر والثواب إن شاء الله.
ثم تحدّث عن الكنيسة الآشوريّة ومراسمهم الدينيّة. شعر السيّد القائد أنّ هذه الأمّ بحاجة إلى مواساة أكثر بكثير ممّا فعل:
- عوّدي نفسك على الجوانب الإيجابيّة للقضية كي يخفّ حزنك، لأنكِ إذا ما فكّرتِ كثيرًا بالجوانب السلبيّة فسوف تؤذين نفسك، علينا تقبُّل ما حدث ومواجهته بشجاعة وقوّة. الحمد لله أنتِ شجاعة، لقد زرتُ عددًا من العوائل الآشوريّة والتقيتهم عن قرب.
 
 
 
 
 
368

315

الرواية العشرون: هديّة الله

 جميعهم يتمتّعون بالمعنويّات، بالفرح والصمود. أنتِ والحمد لله تتمتّعين بتلك الروحيّة أيضًا بل وأكثر. الحرب، دفاع مصحوب بكثير من المرارة والألم. لقد التقيت عوائل لديهم أكثر من شهيد. ليلة الجمعة من الأسبوع الماضي، زرت منزل أحد عوائل الشهداء، وقد استشهد لتلك السيّدة أربعة أبناء إضافة إلى زوجها، وقد علّقت على الجدار صورة للشهداء الخمسة، أربعة شبّان كالزهور، مشهد يؤثّر في لبّ كلّ إنسان. وقد استشهد الأب بعد استشهاد أبنائه. سألتها متى استشهدوا، عندما أخبرتني بتاريخ استشهادهم، علمت أنّهم استشهدوا خلال عام واحد، حقًا لهو أمر عجيب جدًّا. لقد دُهشت كثيرًا من صمود هذه العائلة. الوالد رجلٌ مؤمن، لكنّه بعد استشهاد الأبناء لم يعد يُطيق البقاء، فكان يذهب إلى الجبهة باستمرار إلى أن استشهد بعد حوالي ثلاث سنوات. لكن الوالدة الّتي لا تستطيع الذهاب إلى الجبهة، بقيت مع هذه الجبال من الأحزان والمصائب. لقد ألفيتها سيّدة عظيمة. 

انظري إلى الجوانب الإيجابيّة للقضيّة، يُقتل العديد من الشبّان خلال حوادث السير، أو النزاع والشجار، موت لا ينطوي على أيّ عزّ أو فخر، يُقتلون في الأزقّة أثناء نزاع نشب بينهم وبين رفاقهم، أو بسبب مرض بسيط جدًّا لا يتوقّع المرء أن يؤدّي إلى الموت، ولا فخر أو اعتزاز في هذا الموت، لا لهم ولا لعوائلهم، بل هو كمن فقد شيئًا ثمينًا وحسب. لكن عندما يموت المرء في الدفاع وفي سبيل أمر عظيم، مع الآلاف من أمثاله، ففي ذلك كلّ الافتخار له ولعائلته.
وكما قلتُ، هذا ليس منحصرًا ببلدنا وحسب، فجميع الشعوب والأمم تفتخر وتعتزّ بالشهادة والشهداء. لا بدّ وأنّك قرأتِ في الكتب والقصص كيف تُبجّل وتفتخر الشعوب بمن قُتلوا في الحرب والدفاع عن الأوطان.
بالطبع، لا يعني الافتخار أن لا يحزن الإنسان، أن لا يذرف الدموع ويتألّم، لكنّه حزن وألم ممزوج بالاعتزاز وسيؤجر عليه إن شاء الله، أجر في الدنيا وفي الآخرة أيضًا، والأجر الدنيوي هو ذلك الإحساس بالعزّ والفخار.
لو تمكّن العدوّ من السيطرة على بلادنا لضاع الأمن والاستقرار والاستقلال. فالشعوب الخاضعة للاحتلال وحكم الأعداء، تُذلّ ولا تتمكّن حتى من رفع رؤوسها، وهذا الأمر يشمل
 
 
 
 
 
369

316

الرواية العشرون: هديّة الله

 جميع أفراد الشعب، وليس مسؤوليه وحكّامه فحسب. الأمر لا يعني طبقة خاصّة، ولا قومًا أو عرقًا خاصًّا، بل يشمل الجميع. وسيطال الذلّ والعار والويلات الّتي يجرّها الاحتلال للجميع، سواء كانوا من المدافعين والمقاتلين أو القاعدين الخانعين. لكنّ شبابنا، ومنهم ابنك، فوّتوا تلك الفرصة على العدوّ. من الذي منع العدوّ أن يتغلّب علينا؟ هؤلاء الشباب، ابنكم، أبناء غيركم، هؤلاء منعوا تسلّط الأعداء.

بالطبع، يُرافق ذلك أحداث لا يُمكن توقّعها، ولربما قيل إنّه لولا حضور هذا الشاب أو ذاك في الموقع الفلاني، لم يواجه هذا المصير، لكن ليس باستطاعة الإنسان التنبّؤ بالأحداث، وليس معلومًا أبدًا أنّ الّذي سيحدث فيما بعد هو أكثر حلاوةً وعزّةً وافتخاراً.
على أيّ حال، أدعو الله لك وأتمنّى أن يشملك بعطفه وفضله، وأن يوفّقكم ويسعد قلبكم، ويُبعد عنكم الغمّ ليحلّ محلّه الفرح والسرور، ونسأل الله أن يسعد جميع أعزّائك وأقربائك ويُنسيكم هذا الحزن.
* * *
لا بدّ وأنّ أذهانكم قد انشغلت وبعد سماع التسجيل الصوتي (اللّقاء)، بنفس الأمر الّذي شغل أذهاننا، ألا وهو تلك العائلة التي قدّمت خمسة شهداء وما جرى في ذلك اللّقاء مع السيّد القائد.
بحثنا في جميع الوثائق المتوافرة، فلم نجد أيّ وثيقة حول ذلك اللقاء، لقاء يوم الخميس 22 كانون الأول عام 1988م، غير اسم عائلة “سجاديان”. الاسم ما زال معروفًا ومشهورًا بين عوائل الشهداء إلى اليوم. كانت حسرة كبيرة أن لا نجد أيّ سند عن اللّقاء الذي كان للسيّد القائد جذّابًا وقابلًا للتأمّل.
الحمد لله، علمنا أنّ تلك السيّدة العظيمة والقديرة، حيّة تُرزق. نسّقنا موعدًا للقاء عائلة “سجاديان” الكائن في حي “خاني آباد” في مدينة طهران.
ما إنْ دخلنا المنزل حتى لفت أنظارنا تلك الصورة المعلّقة على الحائط التي ذكرها السيّد القائد: “علقت على الجدار صورة الشهداء الخمسة، أربعة شبّان كالزهور، مشهد يؤثّر في لبّ كلّ إنسان”.
 
 
 
 
 
 
370

317

الرواية العشرون: هديّة الله

 كانت الأمّ في الدار تشعّ نورًا كالشمس، ويطوف حولها ابنتاها وابناها وأحفادها. السيّد جعفر سجاديان، الابن الأكبر للعائلة الّذي تخلّف عن قافلة رفاقه الشهداء كما يقول، ولديه عدد من الأحفاد وأبناء الأحفاد. تولّى الكلام أولًا:

- نحن من أهالي قرية “جَوَرد” الكائنة بالقرب من جبل “دماوند”، كان والدي مزارعًا، يزرع القمح والشعير، ويُربّي بعض الأبقار والخراف. كان رحمه الله عبدًا من عباد اللّه الصالحين، يُراعي حلاله وحرامه، كما كان مؤذِّن القرية كوالده السيّد “مير علي” رحمه الله، ويتلو الدعاء والمناجاة عند السّحور في شهر رمضان المبارك.
السيّد “روح الله” الابن الثالث، بعد السيّد جعفر والشهيد قاسم، والّذي عادت به الذاكرة إلى حياة القرية على وَقع حديث أخيه:
- لا أذكر أنّ والدي – رحمه الله – قد ترك صلاة الليل، وقد سألت والدتي فأكّدتْ لي أنّه لم يتركها أبدًا، حتى في ليالي الشتاء القارس، كان يتوضّأ خارج المنزل، يُصلّي صلاة الليل وبعد الأذان يوقظنا نحن الكبار لنُصلّي صلاة الصبح جماعة بإمامته، وبعدها نتحلّق ونتلو القرآن الكريم، وكانت رسالة الإمام الخميني دام ظله في بيتنا منذ الصغر.
 
 
 
 
371

318

الرواية العشرون: هديّة الله

 السيّد جعفر:

- كان والدي مقلّدًا للإمام الخميني منذ وفاة آية الله بروجوردي، وكان يذهب إلى قم بين الحين والآخر، ويتواصل مع العلماء. وعندما يعود من هناك كان يُحدّث أهل القرية عن الإمام والثورة.
السيّد روح الله:
- نحن الإخوة ذهبنا للعمل في طهران، لم تكن مساوئ الشاه محسوسة في القرية، لكن اختلف الوضع في طهران. أيّها الشباب! اعرفوا قدر هذا النظام. في زمن الشاه كانت مدينة طهران محاطة ببيوت الصفيح والفقر المدقع، ومن جهة أخرى انتشر الفساد وإلهاء الشباب بالمعاصي. عندما انتقلت إلى طهران، عملت بادئ الأمر عند خيّاط في محلّة “لاله زار”. 
كان يوجد كلّ أمتار عدّة، سينما وخمّارة. لكن نحن الإخوة الذين كُنّا نعيش هناك بعيدًا عن والدَيْنا، لم نكن لنذهب نحو تلك المفاسد، وهذا كلّه بفضل تربيتنا ودعاء والدتنا لنا لأنْ نكون مؤمنين متديّنين، وإلا لكنّا غرقنا بالمفاسد السائدة زمن الشاه كغيرنا. 
كان أخونا الأصغر السيّد كريم تلميذًا في مدرسة القرية، وفي السنوات الأخيرة قُبَيْل الثورة، قام في المدرسة بعمل أذهل الجميع. نحن لم نكن موجودين هناك، لكنّ أهل القرية أخبرونا بما جرى. كان مدير المدرسة من محبّي الشاه، وقد علّق صورة للشاه على مدخل المدرسة، وأجبر جميع التلامذة على تقديم الاحترام والانحناء للصورة قبل دخول المدرسة، عندما رأى كريم هذا، غضب ورمى بحقيبته على الصورة فأوقعها أرضًا، ثمّ بدأ يدوسها ويركلها بقدمَيْه. نظر الجميع إليه مذهولين، ووصل الخبر إلى المدير الذي استدعاه وأنّبه على فعلته فما كان من كريم، وبدل أن يرجوه ويعتذر منه، إلا أن بدأ بضربه. ما شاء الله، كان قويَّ البنية، تصارع الاثنان، لكن تجمهر عددٌ من الأشخاص حول كريم، وأمسكوا به وسجنوه في إحدى غرف المدرسة تمهيدًا لتسليمه لعناصر النظام آنذاك. لكنَّ أحد المعلّمين الثوار، والذي كان يُخفي الأمر، استطاع أن يُلملم ذيول الحادث ويحول دون القبض على كريم. أنا وأخي السيّد قاسم أيضًا، كُنّا ملاحقين من قِبَل رجال النظام بسبب توزيعنا لبيانات الإمام في طهران، لكنّهم لم يتمكّنوا من القبض علينا أبدًا.
 
 
 
 
 
372

319

الرواية العشرون: هديّة الله

 السيّد جعفر: 

- كان والدي يأتي لتفقّدنا في طهران بين الحين والآخر، وليطمئنَّ أنّنا لن ننساق وراء المفاسد والمعاصي. كان يظن أنّ على الشاب أن يتزوّج باكرًا كي يبقى نقيًّا. وهذا ما حدث، فقد تزوّجت أنا وإخوتي في سنّ السابعة عشرة أو الثامنة عشرة.
مع بداية الحرب، عدنا جميعنا إلى القرية. في إحدى الليالي بعد صلاة المغرب جماعة بإمامة والدنا، التفت إلينا وقال: “نحن لم نُقدّم أيّ جندي زمن الشاه، وما كان علينا أن نفعل، لكن اختلف الوضع الآن، اليوم علينا أن نُصبح كلّنا جنودًا للإسلام والثورة، اذهبوا وتلقّوا التدريب العسكريّ من أجل الذهاب إلى الجبهات، وإن شاء الله سينتصر الإسلام”. ثمّ رفع يدَيْه إلى السماء وقال: “إلهي أشهِد هذا الوقت المقدّس عليّ، أنّي أمرت أبنائي بأوامرك ونهيتهم عن نواهيك”. وهكذا سلكنا جميعًا، وحتى والدنا، طريق الجبهة!
انطلق أولاد الحاج السيّد حمزة إلى الجبهة مشاركين في العمليّات من “بيت المقدس” إلى فتح خرّمشهر، ورسموا بدمائهم دروب النّور والشهادة. جلسنا مذهولين نستمع إلى قصص شهادتهم من أفواه أخوَيْهم.
في الثلاثين من نيسان من العام 1982م، في عمليّات فتح خرّمشهر، وبفاصل ساعات عدّة استشهد السيّد داوود والسيّد كاظم.
السيّد داوود، خامس الأبناء بعد ثلاثة إخوة وأخت، كان ميكانيكيًا، لكنّه انضمّ إلى صفوف الحرس الثوريّ بعد انتصار الثورة الإسلاميّة. في المرّة الأخيرة، عندما أراد العودة إلى الجبهة كانت زوجته على وشك الولادة، فقالوا له: ابقَ بضعة أيّام لترى المولود، لكنّه رفض وقال: “يجب أن أذهب”. بعد شهرَيْن من ولادة ابنته ذهبت زوجته والطفلة مع أبي إلى الجبهة ليرى السيّد داوود ابنته، وبقوا هناك أيّام عدّة. وبعد عودتهم بأسابيع عدّة، استشهد في خرّمشهر.
 
 
 
 
 
373

320

الرواية العشرون: هديّة الله

 كان السيّد كاظم الابن السابع ويصغر السيّد داوود بثماني سنوات.

وكان عمره ثمانية عشر عامًا عندما ذهب إلى الجبهة. أراد والدي أن يُزوّجه حينها، لكنّ أخي لم يخضع للأمر وكان يقول: “لقد تزوّجت الحرب”. لكن حدث أمر عجيب. كانت زوجة أخي السيّد قاسم مُدَرِّسة، وأخبرتْها إحدى زميلاتها أنّها رأت في المنام أنّها قد تزوّجت من شاب اسمه السيّد كاظم. فتقول لها زوجة أخي: “ربما كان هذا السيّد كاظم شقيق زوجي!”.
عندما عاد السيّد كاظم في إجازة، أخبروه بأنّهم وجدوا له الزوجة المناسبة، فهل نذهب لخطبتها؟ لكنّ أخي كان يُصرّ على موقفه أنّه تزوّج الحرب فحسب، وحين أخبروه بأمر الفتاة والمنام الّذي رأته، لانَ قلبه وقَبِل بشرط أن لا تمنعه من الذهاب إلى الجبهة أبدًا، وأن لا تختلق الذرائع، بل أن تُشجّعه وتُجاريه. تقبل الفتاة بالشرط ويُعجَب الشابّان ببعضهما بعضًا، لكنّ والد الفتاة وعائلتها يرفضون الأمر، ويضعون شروطًا صعبة ومهرًا غاليًا. كانت السنوات الأولى للحرب، ولم تكن مسألة المشاركة في الجبهة والاستشهاد على قدرٍ كبير من الأهمّية بين الناس، والكثيرون منهم ما كانوا ليتقبّلوه. لكنّ هذه الفتاة أصرّت على
 
 
 
 
 
374

321

الرواية العشرون: هديّة الله

 زواجها من السيّد، وقبِلت بجميع شروطه، كما رفضت جميع الشروط الصّعبة الّتي وضعها والدها قائلة: إنّ هذه حياتها وليست مرتبطة بأحد. قَبِل والدها في النهاية.

قُبَيْل عيد النوروز، في ربيع العام 1982م، ذهب أخي إلى الجبهة وتقرّر أن تُقام مراسم الخطبة والعقد بعد عودته، المراسم التي لم تُقم أبدًا، وربما احتفلوا بأخي في الجنّة. فقد استشهد أخي في اليوم نفسه الّذي استشهد فيه أخي السيّد داوود، وبفاصل ساعات عدّة فقط، بالقرب من خرّمشهر.
مضت أيّام، ولم نكن نعلم شيئًا عن السيّد داوود، لكنّهم أحضروا جثّة السيّد كاظم إلى طهران. كان والدي حينها في مشهد ولم يكن على علم بما جرى.
عندما عاد إلى القرية، رأى صورة السيّد كاظم معلّقة على مدخل المنزل، فعلم باستشهاده، وكان أوّل ما قام به عندما دخل المنزل، أن صلّى لله ركعتَيْ شكر ورفع يدَيْه إلى السماء وقال: “اللّهم تقبّل منّا هذا القربان”.
لقد أوصى السيّد كاظم أن لا نكتب على لوح قبره أيّ شيء، إذ كان يريد أن يبقى مجهول الهويّة والعنوان، لذا لم يضع له لوح قبر مدّة أربع سنوات، لكن إدارة مدفن “جنّة الزهراء” وضعت له لوحًا باسمه بعد ذلك.
سمعنا أنّ السيّد داوود استشهد في اليوم نفسه، لكن لا أثر لجثّته. وبعد مرور أيّام، جاؤوا من قِبَل الحرس الثوري ليُخبرونا أنّه وفي غمرة المعارك تمّ دفن جسد السيّد داوود في “جنّة الزهراء”، وهكذا أحدٌ منّا لم يرَ جسده أبدًا.
في الوقت نفسه الذي استُشْهِد فيه هذان الأخّان، كان آخران يُشاركان في العمليات، وهما السيّد جعفر والسيّد قاسم في فرقة “محمد رسول الله 17″.
أخبرنا السيّد جعفر عن حاله بعد استشهاد أخوَيْه:
- كنتُ أنا والسيّد قاسم في الجبهة عندما استشهد السيّد داوود والسيّد كاظم. بعد عمليّات فتح خرّمشهر، أقامت فرقة “محمد رسول الله 27″ مجلس عزاء لجميع الشهداء ولشهيدَيْنا أيضًا. بكيتُ كثيرًا في المراسم، فالتفت السيّد قاسم إليّ وقال: “لمَ تبكي هكذا؟ يجب أن لا نبكي على الشهداء! ماذا كُنّا سنفعل لو أنّهما ماتا في حادث سير لا سمح الله؟ يجب أن نشكر اللّه كثيرًا أنّهما اختارا طريقهما، واستشهدا في سبيل الله
 
 

 
 
375

322

الرواية العشرون: هديّة الله

 والجمهوريّة الإسلاميّة، وعلينا أن ندعو الله كي نستشهد مثلهما”.

كان شهيد العائلة الثالث، الابن الأخير، السيّد كريم، تحدّث الأخوان عن شهادته بأساليب مختلفة، وكأنّهما كانا يتحدّثان عن استشهاد ابن لهما:
- لقد ترك المدرسة وذهب إلى الجبهة، كان له من العمر ستة عشر عامًا، وقد زوّر هويّته ليتمكّن من الذهاب، وسرعان ما تحوّل إلى متطوّع فدائيّ ومقدام. 
قبل استشهاد السيّد كاظم والسيّد داوود، فقدنا الاتصال به ولا خبر عنه، حتى تأكّدنا أنّه مفقود الأثر. كُنّا جميعًا، الوالدان والإخوة، نُكنّ محبّة خاصّة للسيّد كريم، إذ كان الابن الأخير إضافة لدماثة خلقه ونشاطه اللَّذَيْن يجذبان الجميع إليه. حزنت أمّي كثيرًا، فذهبنا إلى مركز التعاون حيث يحضرون الشهداء وبحثنا عنه في أماكن أخرى أيضًا، قالوا لنا إنّه أُسر وقد تحدّث أيضًا عبر الإذاعة العراقيّة. كدنا نُصدّق الأمر، لكنّ والدتي ما كانت لتُصدّق، إلى أنْ سمعنا أنّ الشاب الصغير الّذي أُسِر، أُطلق سراحه وعاد إلى جنوب البلاد. ركبتُ ووالدي السيّارة واتّجهنا نحو الأهواز، فالتقينا ذلك الأسير الّذي قال للمراسلِة الهنديّة في التلفزيون العراقيّ: “عليك بمراعاة حجابك”، لكنّه لم يرَ السيّد كريم ولم يسمع به أيضًا.
لم يصلنا أيّ خبر عنه حتّى بعد مرور شهرَيْن على استشهاد السيّد داوود والسيّد كاظم، إلى أن وصَلَنا خبر عن وجوده في أحد مستشفيات طهران ليُعالج من جراحات بليغة أُصيب بها. بقي في المستشفى مدّة عشرين يومًا، وعندما تحسّنت حالته الصحّية، أخبرناه عن شهادة أخوَيْنا. خنقته العبرة وكرّر مرّات عدّة: “يا لسعادتهما، وأنا الّذي كُنتُ أعتب عليكم لعدم اتصالكم أو إرسالكم الرسائل!”. وقال: كُنّا في العراق مدّة ستة أشهر، شكّلنا مجموعة من الفدائيّين وارتدَيْنا الزيّ الكرديّ لننفّذ عمليات كومندوس محدودة داخل الأراضي العراقية ضدّ جماعات “منافقي خلق والبعثيّين”.
لم يكن قد تعافى تمامًا عندما عاد إلى الجبهة. لم يكن في منزلنا هاتف حتى ما بعد استشهاد السيّد داوود بستّة أشهر، اتصل السيّد كريم في إحدى المرّات بمنزل جيراننا، فذهبت أختي إلى هناك وتحدّثت إليه فقال لها إنّه سيستشهد في الأيّام القادمة. وهذا ما حدث.
لقد فقدنا كلّ اتصال معه منذ كانون الأول من العام 1982م إلى ما بعد عشر سنوات.
 
 
 
 
 
376

323

الرواية العشرون: هديّة الله

 كان أخي السيّد قاسم يقول إنّه استشهد بالتأكيد، لكن وتبعًا لما جرى في السابق بقي الأمل عندنا بعودته. حتى العام 1992م عندما انتشل فريق البحث جثّته المدفونة في رمال منطقة “فكه”.

الشهيد الرابع، هو السيّد قاسم. اسمه أبو القاسم، والجميع يُنادونه السيّد قاسم. كان أبًا لأربعة أولاد، لكنّه وبعد استشهاد إخوته لم يدع الجبهة، وكان السيّد جعفر معه حين استشهد. 
كان السيّد قاسم ميكانيكيًا ماهرًا. في البداية جاء مثلنا للعمل في طهران، لكنّه بعد مدّة ذهب إلى منطقة “بومهن” من نواحي طهران وافتتح ورشة للميكانيك هناك، وبسبب مهارته ودقّة عمله كان الزبائن يقصدونه حتّى من طهران لإصلاح أعطال سياراتهم. كنتُ أنا والسيّد قاسم، قبل عمليات “والفجر” في منطقة مضيق “أبو غريب”. وكان السيّد قاسم قاذف “آر بي جي”. كُسرت “الشعيرة”2 فيه، فأعطاه لي وطلب منّي أن آخذه وأُصلحه له. ذهبت إلى منطقة “دو كوه”، بعد أن أنجزت المهمّة وفي طريق العودة، سمعتهم يقولون إنّ لا ميكانيكًا لديهم، وإنّ سياراتهم بقيت معطّلة بلا فائدة.
أعطيته ال “آر بي جي” وأخبرته عن أمر السيارات المعطّلة في “دو كوه”، وقلتُ له إذا كُنتَ قادرًا اذهب لمساعدتهم. قال: “أنا حاليًا قاذف (آر بي جي) ولن أدع هذا الأمر”. 
بدأت العمليات بعد أيّام عدّة، وكان كلٌّ منّا في كتيبةٍ، بعد الهجوم التقيتُ مساعده، فسألتُه عن السيّد قاسم؟ قال: “في الهجوم الأوّل للبعثيّين، أصاب السيّد قاسم أربع من دبّاباتهم الواحدة تلو الأخرى، بعدها جاءت مروحيّتهم وأطلقت النار ناحيته فاستشهد على الفور”.
اكتنفني الحزن وتحسّرت كثيرًا، لقد استشهد أربعة من إخوتي الذين يصغرونني سنًّا، بينما بقيتُ أنا. سألتُ مساعده عن جثّته؟ قال: “بقيت هناك شمال منطقة” فكه، لقد كان الهجوم عنيفًا جدًّا، فأعطوا الأوامر بالتراجع والانسحاب السريع، سحبنا الجرحى بمشقّة كبيرة، وعندما أردنا العودة وسَحْب الشهداء، كان العراقيّون قد سيطروا على المكان، وقد
 
 
 
 
 
377

324

الرواية العشرون: هديّة الله

 مرّت دباباتهم على جثث الشهداء. بقي جسد السيّد قاسم في “فكه إلى أن تمّ العثور، بعد أحد عشر عامًا، على بعضٍ من عظامه والقلادة.

عندما نقوم بحساب تاريخ استشهادهم، تتجلّى كلمات السيّد القائد في منزل الشهيد المسيحيّ. استشهد السيّد داوود والسيّد كاظم في نيسان من العام 1982م، السيّد كريم في كانون الأول من العام نفسه، والسيّد قاسم في آذار من العام 1983م، أي في أقلّ من عام. أربعة أبناء تتراوح أعمارهم ما بين 19 و 35 عامًا، يستشهدون في أقلّ من عام، ربما قول أو كتابة وقراءة هذا، أمر سهل، لكن تصوّر ذلك لحظة واحدة لا يُمكن تحمّله. من أين استمدّت هذه الأمّ القوّة كي تبقى صامدة كالجبال حتّى هذا اليوم؟! تشعر وكأنّها تحمل على كاهلها جزءًا من أعباء الثورة. نتذكّر كلمات السيّد القائد ثانية: “ألفيتها سيّدة عظيمة”.
السيّدة والدة الشهداء 
وهل هي غير ذلك؟! كما أنّه الجزء الأول من حكايتها مع تلك الروح العظيمة، ألا وهو الحاج السيّد حمزة سجاديان. عبد الله ذاك، الّذي يفوح من جميع حركاته وسكناته عطر التوكّل، وتنضح نظرته بذكر الله الّذي تطمئّن به القلوب، والآن تقرّر أن يترك مؤنسته ورفيقته، ابنة خاله، حليمة خاتون، والّتي أصبحت سيدة هذا المنزل منذ أن كانت في الخامسة عشرة من العمر، وحيدة ويذهب.
 
 
 
 
 
378

325

الرواية العشرون: هديّة الله

 كان السيّد حمزة ممّن يعملون بالتكليف، رجل في الخامسة والستين من العمر، لم يكن ليذهب إلى الجبهة بدافع العواطف، إنّما فعل ذلك بدافع الواجب، كان إذا أراد القيام بشيء ما، لا يستطيع أحد أن يمنعه أو يقف في طريقه، حتى أولاده.

عدد العوائل الّتي استُشهد لها أربعة أبناء قليل جدًّا، فما بالك في السنة الثالثة للحرب، كان ذلك منحصرًا بعائلة سجاديان، وهذه الميزة مهّدت الطريق أمامه ليصل إلى الإمام. والآن يقف عاشق، بعد أكثر من عشرين سنة من المحبّة والموالاة والوفاء، أمام محبوبه. بعد أن قبّل السيّد حمزة يد الإمام الّذي راح يدعو للشهداء الأربعة، طلب منه أن يدعو الله له ليستشهد، فابتسم الإمام وقال: “سأدعو لك كي تنتصر يا سيّد حمزة”.
بقيت قصّة ذهاب الوالد إلى الجبهة كأسطورة ملحميّة وعرفانيّة بالنسبة إلى ابنه السيّد جعفر:
- مهما حاولنا، لم نستطع أن نُثنيه عن الذهاب إلى الجبهة، كُنّا نقول له: “يا والدي العزيز لقد استشهد أربعة من أبنائك، وبذلك تكون قد قمت بواجبك ووفّيت”. كان يُجيب: “لقد ذهبوا من أجل أنفسهم والقيام بواجبهم، وأنا أيضًا عليّ القيام بواجبي، أولادي والحمد لله كانوا مؤمنين ومن المصلّين والصّائمين، فهل هذا يعني أنّ الصلاة والصوم قد سقطا عنّي؟ إذا ذهبت إلى الجبهة فهذا جيّد لروحيّة الشباب”. كان يتحدّث بطريقة كمّت أفواهنا جميعًا. شارك بصفته مقاتلاً في الجبهة وليس في قسم التجهيزات أو التموين، كان ما شاء الله مع سنّه تلك قنّاصًا. وفي آخر ذهاب له إلى الجبهة قبيل عمليات “كربلاء 5″، لمّا علموا بأنّه أب لأربعة شهداء منعوه من الذهاب. لكنّه ذهب في النهاية. حتى إنّ يده كانت قد أُصيبت برضوض وتورّمت، فقام بربطها وشدّها كي لا يظهر انتفاخها. اثنان من شهدائنا زوّرا هويّتَيْهما، السيّد كريم لأنّه كان صغير السنّ، ووالدي حمزة، حيث كانوا يرفضون ذهاب كبار السنّ أمثال والدي إلى الجبهة.
في النهاية ذهب إلى الجبهة وتبعته أنا بعد مدّةٍ. شاركنا في عمليات “كربلاء 5 وشملتشه” مع ما رافقها من ظروف صعبة للغاية، بعد العمليّات وعندما وصلت إلى الأهواز كنتُ متيقّنًا أنّ والدي قد استشهد، اتصلتُ بالمنزل وقلتُ لهم: “لقد استشهد والدي صح؟ وهل أحضروا جسده؟”. قالوا: “لكن من أخبرك أنّ والدك قد استشهد؟!”
 
 
 
 
 
379

326

الرواية العشرون: هديّة الله

 قلتُ: “أنا أعرف هذا” حينها قالوا: “صحيح وقد تمّ تشييعه إلى مثواه الأخير”. لقد شُيّع والدي ولم أكن حاضرًا لأنّني كنتُ في الجبهة.

كانت شهادة فرد واحد من أفراد العائلة كافية لاختبار صبر وصمود العائلة واستقامتها، فما بالكم بهذا الكمّ من الشهداء! بيد أنّ هذه العائلة وهذه الأمّ مصداق بيت شعرٍ للإمام علي عليه السلام: 
ولا تجزع إذا ما ناب خطبٌ      فكم لله من لطف خفيّ
سماع القصّة على لسان الأخوَيْن زادنا شوقًا وتعطّشًا لسماع ما تقوله هذه السيّدة العظيمة، ولو بضع كلمات وجمل! لكنّ الأمّ ما شاء الله ما زالت مليئة بالنشاط والحيويّة وتُسعفها ذاكرة خصبة. كانت بداية الحديث معها حول إخبارها باستشهاد أولادها:
 
 
 
 
380

327

الرواية العشرون: هديّة الله

 – في تلك الأيام، لم يكن في القرية هاتف وبريد وغيرهما من الإمكانات المتوافرة اليوم، وعندما كان يصل أيّ خبر من طهران، كانوا يذهبون إلى “رودهن” حيث يعيش أزواج بناتي، وبدورهم ينقلون الأخبار إلينا. في اليوم الذي نقلوا إلينا خبر استشهاد السيّد كاظم والسيّد داوود، كنتُ أحلب البقرة، سمعتُ وقع أقدام على السّطح، أحسست أنّ القادم في هذا الصباح الباكر يحمل إلينا أنباءً، فقد كنتُ أتوقّع سماع نبأ استشهادهم في كلّ آن. كنتُ دائمة التفكير بأولادي. كُنّا نعيش حياة صعبة في تلك القرية الصغيرة. كانت السيارات تأتي إلى القرية باستمرار، لذا كنتُ أذهب إلى “رودهن” لعلّي أحصل على أخبارهم. لم يكن لدينا هاتف، فكنتُ أذهب إلى منزل بناتي هناك، في بعض الأحيان كنتُ أركب السيارة وأذهب إلى طهران مباشرة حيث منزل ابني البكر، فألتمس أخبارهم. منذ أن ذهب أولادي إلى الجبهات وأنا أقطع هذه الطرقات ذهابًا وإيابًا.

أبدًا لم أسمح لنفسي بأن أمنعهم من الذهاب إلى الجبهة، كنتُ أودّعهم فحسب، فقط للسيد قاسم كنتُ أقول: “لديك أربعة أولاد واستشهد ثلاثة من إخوتك فلمَ تُريد الذهاب؟” كان يقول لي: “وهل تُريدينني أن أتخلّى عن الإمام؟”.
أنا أيضًا ذهبت إلى الجبهة، إلى الأهواز. كان هناك قاعة كبيرة استخدمت في السابق كمقهى، كُنّا نغسل فيها ثياب المقاتلين ونُصلح ونخيط ما تمزّق منها لتُصبح مناسبة للاستفادة ثانية. ذهبت 3 مرّات، وقضيت ما بين 15 و 20 وحتى 30 يومًا. كُنّا نبدأ العمل بعد صلاة الصبح إلى الظهر، حيث نُصلّي ونتناول الطعام لنعاود العمل ثانية حتى مغيب الشمس. كُنّا عددًا من السيّدات المتطوّعات، والعدد الأكبر منهنّ من الأهواز نفسها. كان العمل شاقًّا ومتعبًا، جسديًا ومعنويًا. إذ كانت أغلب الملابس للجرحى، وفي بعض الأوقات كُنّا نجد في طيّاتها بعضًا من أجزاء وعظام المقاتلين، ونضطّر لغسل بعضها أكثر من خمس مرّات بالماء لتنظف من الدّماء، ثمّ نُضيف إليها مسحوق الغسيل والصابون. في إحدى المرّات كانت أختي معي، وهي أيضًا أمّ شهيد. في ذلك الوقت، بدأ قصف الأهواز، ومع بدء الغارات، كانت تُطلَق صفّارات الإنذار، فتذهب السيّدات للاختباء في القبو، إلّا أنا وأختي، كُنّا نبقى ونُتابع عملنا، نقول لسنا أفضل من أبنائنا.
في صباح أحد الأيّام، كُنّا نعمل كالعادة، إذ تدخل سيّدتان ترتديان السواد وبدأتا تُسلّمان
 
 
 
 
381

328

الرواية العشرون: هديّة الله

 على السيّدات العاملات الواحدة تلو الأخرى، لم نكن نعرفهما، لكنّ جميعنا وقفنا احترامًا لهما، إلى أن وصلتا إليّ، سلّمتا عليّ وقالتا: “عافاك الله ماذا تفعلين يا أمّاه”. وبعد دقيقة اختفتا فجأة، فدبّ الصراخ بين النسوة وساد الاعتقاد بأنّهما السيّدة الزهراء والسيّدة زينب عليهما السلام.

قبّل السيّد جعفر جبين والدته بحنوّ وعطف وتودّد إليها ثم قال: “لم تُخبرينا في السابق عن هذا الأمر يا أمّاه!”.
بعدها توجّه بالكلام إلينا وقال: “هذه الأمّ فريدة من نوعها في العالم صدّقوني، كُنّا أثناء شهادة إخوتنا ووالدنا نلتمس منها الروحيّة والمعنويات. واليوم بعد أن تغادروا سوف تتشاجر معنا لأنّنا قُلنا هذا الكلام”. ثمّ عاد وقبّل جبينها ثانية. ذاكرة الأم الوقّادة أدهشتنا، فطلبنا منها أن تُحدّثنا عن آخر مرّة ذهب فيها السيّد حمزة إلى الجبهة وعن نبأ استشهاده:
اصطحبني الحاج إلى قرية دماوند وقال اشتري ما تحتاجين إليه، فقلتُ: لا أحتاج شيئًا، هناك أخبرني أنّه يريد الذهاب إلى الجبهة، سألتُه: لماذا، لقد ذهب أربعة من أبنائك واستشهدوا، فهل هذا بقليل؟! قال: لقد ذهبوا وقاموا بواجبهم، ماذا عنّي أنا؟ فقلتُ له: إن كنتَ ستذهب، فسأذهب أنا أيضًا. قال: اذهبي، أنت حرّة. بعد عدّة أيام ذهب وانقطعت أخباره. وسجّلت أنا وأختي أسماءنا كي نذهب إلى الأهواز ونُشارك في غسل وإصلاح ملابس المقاتلين. عندما أردنا أن نركب الحافلات قالوا لا بدّ من وجود تذاكر الهوية، فعدنا إلى المنزل لإحضارها. في تلك الأثناء، جاء حفيدي السيّد ياسر الّذي كان هنا منذ حوالي نصف ساعة، قرع جرس الباب، كان في الثالثة أو الرابعة من العمر، ما إن دخل حتى صرخ وهو ما زال عند الباب: يا جدّتي لقد استشهد جدّي الحاج…
وهكذا بقيت إلى انتهاء مراسم الأربعين، ثمّ ذهبت إلى الأهواز مع أختي وزوجة ابني البكر. أولادي الشهداء هم قطعة منّي، وكم حزنت وبكيت حين استشهدوا، لكنّني كنتُ راضية لأنّهم ذهبوا دفاعًا عن الإسلام وأنا أفتخر بهم. كانوا نزيهين طاهرين، حتّى قبل انتصار الثورة، كانوا مؤمنين عفيفين والحمد لله.
بعد استشهاد الإخوة الأربعة، يصور الشهيد “آويني” جزءًا من وثائقي “رواية فتح” بعنوان “السيّد” وذلك في قرية “جورد”، ويحكي قصة هذه العائلة، في ذلك الوقت لم
 
 
 
 
382

329

الرواية العشرون: هديّة الله

 يكن السيّد حمزة قد استشهد بعد، وفي أحد المشاهد كان الأب والأمّ جالسَيْن إلى جانب بعضهما البعض.

يسألون الأمّ: إذا أراد زوجك الذهاب إلى الجبهة فهل ستمنعينه؟ أجابت السيّدة “حليمة خاتون” بكلّ صلابة وقوّة: “أبدًا، والآن أقول له اذهب كي لا تبقى أسلحة أولادنا الشهداء على الأرض من دون استفادة. أبدًا لن أُمانع ذهابه، فالإسلام بحاجة إلى كلّ قطرة دم”.
 
 
 
 
383

330

الرواية العشرون: هديّة الله

 وفي نهاية الوثائقي يصف الشهيد آويني، بصوته الدافئ، العائلة بما يلي: “يقولون إنّ قرية “جورد” غريبة ونائية، وإنّ طريقها يقطع مع أول تساقط للثلج. لكن أتعلم يا أخي، الغريب هو الّذي فقد إيمانه بالوطن. لقد أثبت كلٌّ من كاظم وقاسم وكريم وداوود أنّ قرية جورد أقرب إلى السماء”. اليوم أدركنا مدح السيّد القائد لهذه الأمّ، ونُخبرها أنّ السيّد القائد وبعد أسبوع من زيارتكم، زار منزل عائلة مسيحيّة وأخبرها عنكم ومدحكم مدحًا كثيرًا.

جاء جواب الأمّ مقتضبًا: “لقد مدح نفسه، فنحن نفتخر به قائدًا”.
تذكر الأمّ عن لقاء السيّد القائد تلك اللّيلة، أنّ زوجة وابنة السيّد داوود، وأبناء السيّد قاسم كانوا حاضرين، ولقد انتعشت ذاكرة السيّد جعفر فحدّثنا بما يلي:
- لم يكن قد مضى وقت طويل على بدء الحرب المفروضة عندما شاركت في الجبهة، لكن لم تُكتَب لي الشهادة، كما لم أُصدّق بعد كيف انتهت!.
كنتُ أملك شاحنة، وكنتُ أعمل في الطرقات، في أحد الأيام عندما عدتُ من السفر، وصلت إلى منزل والدتي، لكنّني رأيتُ سيّارتَيْن قد ركنتا قرب المدخل، لذا ركنتُ سيّارتي في الجانب الآخر من الزقاق وعدت. فتحت الباب بالمفتاح فتفاجأت بشخص يقف خلفه، سألني من أنت، قلتُ له: أنا “سجاديان”، فقال لي: تفضّل لديكم ضيوف، صعدت السلالم، وهناك أيضًا التقيت بآخر سألني من أكون وعندما أخبرته أنّني “سجاديان”، قال: تفضّل، فتحت الباب، فرأيت السيّد القائد، كان حينها رئيسًا للجمهوريّة جالسًا ويجلس على ركبتَيْه ابني وابنة السيّد قاسم، تفاجأت وذُهلت للحظات، لم أكن أُصدّق وتذكّرت المنام الّذي رأيته اللّيلة الماضية، وكنتُ قد نسيته تمامًا. رأيتُ في المنام أنّ السيّد القائد قد زارنا في بيتنا في القرية، وقد غصصتُ بالعَبْرة وتقدمت منه وقبّلت يده، وقلتُ له: أن أوصل سلامنا للإمام.
بكيت وكأنّما جميع همومي وأحزاني من زمن الحرب وتخلّفي عن قوافل الشهداء قد تفجّرت في تلك اللّحظة، ولم أعد أعي شيئًا، بعد حوالي أربع أو 5 خمس دقائق، كان السيّد القائد يدوّن شيئًا على الصفحة الأولى من القرآن الكريم، لكنّني لم أرَ حينها شيئًا ولم أسمع، فقط كنتُ أذرف الدموع.
 
 
 
 
384

331

الرواية العشرون: هديّة الله

 توقيع السيّد القائد

بسم الله الرحمن الرحيم
تقدمة إلى عائلة الشهداء الأعزّاء والكرام، عائلة السيّد حمزة سجاديان وأبنائه الأبطال السادة: داوود سجاديان، 
كاظم سجاديان، أبو القاسم سجاديان، وكريم سجاديان. مع كلّ الإخلاص والتقدير لهذه العائلة المضحّية – 
السيّد علي الخامنئي 22 كانون الأول 1988م.
الأم وباقي أفراد العائلة لا يذكرون الكثير عن ذلك اللّقاء، كلّ ما يهمّهم أنّ السيّد القائد زارهم تلك اللّيلة، كما زار منزل عائلة الشهيد “حسين علم الهدى” الّذين كانوا جيرانًا لهم، لكنّ الأمّ استطردت قائلة:
 
 
 
 
 
385

332

الرواية العشرون: هديّة الله

 – نحن أيضًا زرنا القائد، مرّتَيْن، في لقاءٍ عام ومرّة في لقاء خاص، كان ذلك عام 2009م، خلال أيام الفتنة، حيث اتّصلوا من مكتب السيّد القائد ودعونا لتلك الزيارة، كان عندنا ضيوف فطلبنا منهم أن يرافقنا ضيوفنا، سألونا ومن هم، فأخبرناهم إنّها والدة زوج ابنتي وهي أمّ شهيد أيضًا، عاودوا الاتصال بعد عدّة دقائق وأعلمونا بالموافقة.

كان لقاءً خاصًّا نحن وعدد قليل من عوائل الشهداء، كانت أحداث الفتنة صعبة علينا كثيرًا، لكن عندما التقينا السيّد القائد وتحدّث إلينا، ارتاح بالنا وهدأ قلبنا. كان يومًا طيّبًا وما زلت أذكره تمامًا، أدعو الله أن يهبنا زيارته ثانية.
بعد ذلك اللّقاء الخاص، جرى لقاء عام مع جمع من السيّدات النخبويّات، كان للسيّدة حليمة خاتون كلمة بعد انتهاء كلمات السيّدات، وقبل بدء كلمة السيّد القائد، لكن لعجزها عن الوقوف خلف المنبر، تولّت زوجة ابنها الشهيد السيّد قاسم تلاوتها:
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله على ما أنعم وله الشكر على ما ألهم.
الصلاة والسلام على نبيّ الرحمة وابنته السيّدة فاطمة الزهراء، والدة أحد عشر نجمًا ساطعًا في سماء الإمامة، والسلام على منجي البشريّة الحجّة ابن الحسن أرواحنا له الفداء. والسلام على قائدنا العزيز والحكيم. والسلام عليك أيّتها الأخت المسلمة الّتي بصرخاتك وقبضاتك تُدافعين عن الرجال الأبطال والأبناء الواعين، وتُحطّمين سلاسل الظلم والاستكبار الواحد تلو الآخر، وبإيمانك القويّ وخطواتك الثابتة تسيرين نحو القضاء على الشيطان الأكبر. هل تعلمين أيّ شأن وقيمة للطريق الذي سلكتِه وتسلكينه إلى هذا اليوم؟ طريقك، طريق النور والسعادة والنجاة. طريق الحرّية والتحرّر، طريق الوصول إلى الحياة الكريمة. طريق الوصول إلى الله، طريق الأبناء، وهو ثمين وقيّم جدًا.
 
 
 
 
 
386

333

الرواية العشرون: هديّة الله

سمعت أنّ شياطين الإنس يغزون المسجد والمدرسة والمنزل، يُلطّخون وجودكنّ المبارك بالطين والدماء، لكن لا داعي للقلق لأنّ الله معكنّ.
اسمي حليمة، وقد استشهد من عائلتي، زوجي السيّد حمزة وأربعة من أبنائي، هم السادة كاظم، داوود، كريم، وقاسم سجاديان. وفي كلّ مرّة كانوا يأتوني بنبأ استشهاد ولدٍ من أولادي، كانت دموع الشوق تنهمر على وجنتيّ، فأُخبّئ وجهي كي لا يفرح عدوّنا، قلبي مطمئنّ وسعيدة لأنّ الله اختار الشهادة لأفراد عائلتي، ولا أنسى ذلك اليوم الّذي وصلني فيه نبأ استشهاد زوجي، غمرني الحزن والحسرة لأنّني تخلّفت عن قافلة الشهداء. سمعتُ أنّ هناك في البحرَيْن من قلوبهم تفيض بحب عليّ وفاطمة عليها السلام، وقد صوب الأعداء نحوها السلاح، اعلموا أنّ طريقكم طريق الحقّ، وطريق الحقّ منتصر لا محالة. نحن معكم بالقلب والدعاء ونؤيّد كل خطواتكم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وهكذا انتهى اللّقاء مع هذه العائلة المقاومة والثوريّة. وحان وقت الوداع. وراح السيّد “روح الله” يؤكّد علينا الاهتمام والمحافظة على هذا النظام، وأن نعرف قدر قائدنا العزيز، وقال: “منذ عدّة أسابيع جاء رئيس الجمهوريّة الشيخ حسن روحاني لزيارتنا، فقلتُ له: إن كُنتَ أنت وجميع الوزراء وأفراد الدولة موالين للقائد فنحن راضون عنكم، وإلاّ فلا…”.
 
 
 
 
 

شاهد أيضاً

IMG-20190312-WA0277

18 وظيفة في زمن الغيبة

الوظيفة الرابعة عشر: تكذيب المدعين نيابته الخاصَّة   إن النيابة الخاصة تكون من قبل الإمام ...