0

في بيان حضور القلب

وحيناً آخر يبعدان الانسان بوعد شفاعة الشافعين عليهم السلام عن ساحة قدسهم ويجعلانه عن شفاعتهم مهجورا ، فإن الانغمار في المعاصي يجعل القلب بالتدريج مظلما ومنكوسا ويجرّ أمر الانسان إلى سوء العاقبة ، وانّ طمع الشيطان في أن يسرق إيمان الانسان وإنما يجعل الدخول في المعاصي مقدمة لها حتى يصل إلى النتيجة المطلوبة . فهذا الانسان إن كان طمعه في شفاعة الشافعين فلا بدّ له أن يسعى ويجتهد في هذا العالم في الحفاظ على الرابطة بينه وبين الشافعين وأن يتفكر في حال شفعاء يوم الحشر كيف كان حالهم في العبادة والرياضة ، ولو فرضنا أنكم ترتحلون من هذه

 

 

{ 76 }

الدنيا مع الايمان بالله ولكن إذا كانت أثقال الذنوب والمظالم كثيرة يمكن ألا يشفع فيكم في أنواع الذنوب في البرزخ والقبر ، وكما نقل عن الصادق عليه السلام من أن البرزخ على عهدتكم وعذاب البرزخ لا يقاس بعذاب هذه الدنيا وطول مدة البرزخ لا يعلمه إلا الله ولعله يطول ملايين من السنين .

ويمكن أن يكون في القيامة أيضاً بعد مدة طويلة في أنواع العذاب التي لا تطاق ، انكم لا تنالون الشفاعة ، كما أن هذا المعنى وارد في الاحاديث أيضاً ، فهذا الغرور من الشيطان يمسك الانسان عن العمل الصالح و يخرجه من الدنيا ، إما بلا إيمان أو مع أثقال ذنوب كثيرة ويبتليه بالشقاوة والخسران .

وربما يعد الشيطان الانسان بالرحمة الواسعة لأرحم الراحمين ، وبنفس هذا الوعد يقطع الشيطان يد الانسان عن ذيل الرحمة . وهذا الانسان غافل عن أن بعث الرسل وإرسال الكتب وإنزال الملائكة والوحي والالهام على الانبياء والهداية إلى طريق الحق كل ذلك من شؤون الرحمة لأرحم الراحمين ، وقد اتسعت الرحمة الواسعة لجميع العالم ونحن على جانب عين الحياة نهلك من الظمأ ، هذا القرآن هو أكبر رحمة الله فان كنت تطمع في رحمة أرحم الراحمين فتأمل رحمته الواسعة واستفد من هذه الرحمة فانه قد فتح طريق الوصول إلى السعادة وبيّن طريق الهداية من الضلالة ، وأنت تلقي تفسك في الهلاك وتنحرف عن الطريق المستقيمة . فليس في الرحمة إذن أي نقصان ، ولو كان من الممكن أن يُري الله الانسان طريق الخير والسعادة في طور آخر لكان سبحانه أراه إيّاه بمقتضى رحمته ، ولو كان من الممكن أن يوصل الانسان إلى السعادة إكراها لكان الانبياء يوصلونه بالاكراه ، لكن هيهات ، ان طريق الاخرة طريق لا يمكن ان يسعى فيها الا بقدم الاختيار ،

{ 77 }

وان السعادة لا تحصل بالجبر ، وان الفضيلة والعمل الصالح بلا اختيار ليسا فضيلة ولا عملا صالحا ، ولعل هذا معنى الآية الشريفة ” لا إكراه في الدين ” ( البقرة      – 256 ) . نعم ما يمكن أن يعمل فيه الاكراه والاجبار هو صورة الدين الالهية لا حقيقته ، وان الانبياء عليهم السلام كانوا مأمورين أن يفرضوا على الناس صورة الدين ما أمكنهم ، وبأي نحو ممكن حتى صورة العالم صورة العدل الالهي ، ولكنهم بالنسبة إلى الباطن فليس لهم إلا مجرّد الارشاد حتى يمشي الناس في هذه الطريق بأنفسهم وينالوا السعادة باختيارهم . وبالجملة ، هذا الوعد بالرحمة الواسعة لأرحم الراحمين هو أيضاً من غرور الشيطان ليقطع يد الانسان عن الرحمة بطمع الرحمة .

 

شاهد أيضاً

IMG-20140125-WA0024

الانوار اللامعة في شرح زيارة الجامعة

47- ومفوض في ذلك كله إليكم ومسلم فيه معكم وقلبي لكم مسلم ورأيي لكم تبع ...