الرئيسية / مقالات اسلامية / القرآن الكريم / تَارِيخ القُرآنِ الدكتور محمد حسين علي الصغير
000

تَارِيخ القُرآنِ الدكتور محمد حسين علي الصغير

05ويقرأه عليه ، فيعيه ويحفظه بقلبه ، فكأنه نزل به على قلبه » (1).
وهذا صريح بكيفية تلقي النبي صلى الله عليه واله وسلم للقرآن من جبرائيل عليه السلام ، على قلبه تثبيتا وحفظا ورعاية ، والقلب أشرف الأعضاء للتدبر والتفكر إن أريد به هذا الجهاز العضلي ، وإلا فهو الإدراكات النفسية الخاصة لدى النبي صلى الله عليه واله وسلم المستعدة للتلقي والصيانة والاستيعاب دون ريب .
وكان ما نزل به جبرائيل عليه السلام بإيحاء من الله تعالى هو النص الصريح من الوحي القرآني دون زيادة أو نقصان ، بألفاظه المدونة في المصحف من ألفه إلى يائه .

 
ولما كان الأمر كذلك ، فقد تحدث هذا النص المحفوظ بين الدفتين عن ظاهرة الوحي بوحي القرآن وسواه ، وطرقها ، وكيفيتها ، وأقسامها . ومن الضروري حقا استعراض مختلف أنشطة الموضوع من القرآن نفسه ، مع الاستعانة باللغة حينا ، وبالتبادر العربي العام حينا آخر ، لأن القرآن عربي ، والتبادر علامة الحقيقة .
صرّحت الآية التالية :
( وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من ورآئ حجاب أو يرسل رسولا فيوحِيَ بإذنه ما يشاء إنه عليّ حكيم ) (2) .
بطرق الوحي الإلهي ، وحددت كيفية هذا الوحي ، ومراتب إيصاله على النحو التالي :
1 ـ الوحي ، وأصل الوحي هو : الإشارة السريعة على سبيل الرمز والتعريض ، وما جرى مجرى الإيماء والتنبيه على الشيء من غير أن يفصح به (3).
وقد يكون أصل الوحي في اللغة كلها الإعلام في خفاء (4).

 

 

 

(1) الطبرسي ، مجمع البيان : 4 | 204 .
(2) الشورى : 51 .
(3) قارن في ذلك بين : الراغب ، المفردات : 515 + الطبرسي ، مجمع البيان : 5 | 37 .
(4) ظ : ابن منظور ، لسان العرب : 20 | 258 .

(24)
ومؤدى التعريفات واحد فيما يبدو ، إذ الإشارة السريعة ، إعلام عن طريق الرمز ، والرمز إيماء يستفيد منه المتلقي أمرا إعلاميا قد يخفى على الآخرين .
ومن ثم قيل « للكلمة الإلهية التي تلقى إلى أنبيائه وحي » (1) باعتبار إسرارها إليهم من قبل ملك الوحي ، واختصاصها بهم دون سائر الناس .

 

 
قال ابن الأنباري : سمي الوحي وحيا لأن الملك أسرّه على الخلق وخص به النبي صلى الله عليه وآله وسلم (2).
ومن هنا يبدو أن التعريف الشرعي متحدر عن الأصل اللغوي في خصوصية الإسرار والإعلام السريع ، وما يصاحب ذلك من الإشارة والرمز اللذين يخفيان على الآخرين .
وقد عبر الأستاذ محمد عبده عن ذلك بما يقارب هذا المؤدى فقال : « بأنه عرفان يجده الشخص في نفسه مع اليقين بأنه من قبل الله بواسطة ، أو بغير واسطة ، والأول بصوت يتمثل لسمعه ، أو بغير صوت » (3).
ولعل المراد بما يتلقاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم من العرفان اليقيني بغير صوت هو الإلقاء في الروع ، وذلك بأن ينفث الله في روع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما يشاء من أمر ، أو ينفث روح القدس ما أوحي إليه بتبليغه إياه ، فيكون ذلك من الوحي بوجه من الوجوه .

 

 
وقد يؤيد هذا الملحظ ما نسب إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : « إن روح القدس نفث في روعي » (4) .
2 ـ سماع كلام الله تعالى مباشرة من وراء حجاب دون معاينة أو رؤية ، لامتناع ذلك عقلا وشرعا ، كما كلم الله موسى بن عمران عليه السلام : ( وكلم الله موسى تكليما ) (5) . وكان ذلك من وراء حجاب « وهو

(1) الراغب الأصبهاني ، المفردات : 515 .
(2) ابن منظور ، لسان العرب : 20 | 258 .
(3) ظ : محمد رشيد رضا ، الوحي المحمدي : 28 .
(4) ظ : الحديث في الاتقان للسيوطي : 1 | 129 + المفردات للراغب : 515 .
(5) النساء : 164 .

(25)
أن يحجب ذلك الكلام عن جميع خلقه إلا من يريد أن يكلمه به نحو كلامه لموسى عليه السلام لأنه حجب ذلك عن جميع الخلق إلا عن موسى عليه السلام وحده ، لأن الحجاب لا يجوز إلا على الأجسام المحدودة » (1) .
3 ـ أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء ، كما في تبليغ جبرائيل لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في صورة معينة ، أو صور متعددة ، وحي القرآن الكريم عن الله ، من غير أن يكلم الله نبيه على النحو الذي كلم به موسى عليه السلام .

 
هذه الأصناف والمراتب في الإيحاء حددتها الآية الكريمة السابقة فيما يتعلق بوحي الأنبياء عليهم السلام كما يبدو ، إلا أننا من متابعة هذه الظاهرة في القرآن الكريم ، لاحظنا بعض الدلالات الإيحائية لهذا التعبير قد تختلف عما تقدم ، ويمكن الإشارة إلى أهمها بما يلي :
أ ـ الإلهام ، وهو أن يلقي الله تعالى في النفس أمرا يبعث على الفصل أو الترك ، وهو نوع من الوحي ، يخص به الله من يشاء من عباده ، غير قابل للتفكير به ، أو التخطيط له مسبقا ، ليفرق بينه وبين الحالات اللاشعورية من جهة ، والسلوك الكسبي من جهة أخرى ، كما يدل على ذلك قوله تعالى : ( وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه … ) (2) . وقوله تعالى : ( إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى ) (3) .

 
ب ـ التسخير ، وهو أن يسخر الله تعالى بعض مخلوقاته إلى عمل ما ، بهديه وإشاءته وتسخيره ، بشكل من الأشكال التي لا تستوعبها بعض مداركنا أحيانا ، ويستيقنها الذين آمنوا دون أدنى شبهة ، كما يدل على هذا النوع قوله تعالى :
( وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذى من الجبال بيوتا … ) (4) .
ج ـ الرؤيا الصادقة ، وهي وحي إلهي بالنسبة للأنبياء عليهم السلام خاصة ،

(1) الطبرسي ، مجمع البيان : 5 | 37 .
(2) القصص : 7 .
(3) طه : 38 .
(4) النحل : 68 .

شاهد أيضاً

IMG-20140124-WA0036

الانوار اللامعة في شرح زيارة الجامعة

21- وخزنة علم الله = ببيانات رائقة ومعاني فائقة في كتابنا مصابيح الانوار في حل ...