الرئيسية / مقالات اسلامية / القرآن الكريم / تَارِيخ القُرآنِ الدكتور محمد حسين علي الصغير
0

تَارِيخ القُرآنِ الدكتور محمد حسين علي الصغير

06 يتلقون فيها الأوامر ، ويتسلمون التعليمات من السماء ، كما دل على ذلك قوله تعالى ـ فيما اقتص الله من خبر إبراهيم عليه السلام مع ولده ـ : 

( فلما بلغ معه السعي قال يابني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين * فلما أسلما وتلّه للجبين * وناديناه أن يا إبراهيم * قد صدّقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين ) (1) .

 
فأشارت الآيات إلى الرؤيا الصادقة في المنام ، وإلى استفادة إبراهيم عليه السلام وولده عليهما السلام ، الأمر الإلهي فيها ، للدلالة على أنها وحي يستلزم العمل به ، بدليل تعقيب ذلك من قبل الله في خطاب إبراهيم عليه السلام بتصديق الرؤيا وجزاء المحسنين .
وقد تكون الرؤيا في جزء من هذا الملحظ تمهيدا للوحي المباشر ، وقد يعبر عنها بالصادقة أو الصالحة ، كما حصل هذا المعنى بالنسبة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أول بدء الوحي ، كما في رواية أم المؤمنين عائشة :
« أول ما بدىء به رسول الله من الوحي الرؤيا الصادقة ( الصالحة ) في النوم ، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح » (2) .

 
وقد تكون الرؤيا نوعا من الوعد الحق الذي يقطعه الله لنبيه عليه السلام كما هو الحال في شأن فتح مكة ، قال تعالى :
( لقد صدق الله رسوله الرءيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله ءامنين … ) (3) .
وقد دل على جميع ما تقدم مضافا لللالات القرآنية ما يروى عنه صلى الله عليه وآله وسلم :
« انقطع الوحي ، وبقيت المبشرات : رؤيا المؤمن ، فالإلهام ، والتسخير والمنام » (4) .

(1) الصافات : 102 ـ 105 .
(2) البخاري ، الجامع الصحيح : 1 | 7 .
(3) الفتح : 27 .
(4) الراغب ، المفردات : 516 .

 

 

(27)
وفيه ـ إذا صح ـ تفريق بين الوحي المباشر ، وهو جبرائيل عليه السلام ، وبين ما أشار إليه من المبشرات التي يبدو أنها غير الوحي الذي يريده الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث .
وقد يكون الوحي بملحظ آخر عاما بين جميع الأنبياء والرسل ، وقد يكون خاصا بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فما كان عاما يكون مشتركا بينه وبين الأنبياء والمرسلين لأنه أحدهم بل سيدهم ، وما كان خاصا ينفرد به وحده .
فالأول : كقوله تعالى : ( وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون ) (1) .
ويبدو أن هذا الوحي يشتمل على جميع أقسام الوحي وكيفياته ، ولا يختص بالايحاء بمعناه الدقيق ، لأن الإيمان بالوحدانية فطرة إنسانية تحتمها طبيعة العقل السوي ، والأنبياء بعامة يتمتعون بهذه الفطرة نفسيا وعقليا .
قال الراغب الأصبهاني ( ت : 502 هـ ) : « فهذا الوحي هو عام في جميع أنواعه ، وذلك أن معرفة وحدانية الله تعالى ، ومعرفة وجوب عبادته ليست مقصورة على الوحي المختص بأولي العزم من الرسل ، بل يعرف ذلك بالعقل والإلهام كما يعرف بالسمع ، فإذن المقصود من الآية تنبيه أنه من المحال أن يكون رسول لا يعرف وحدانية الله ، ووجوب عبادته » (2) .

 
والثاني : ما هو مختص بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وحده ، كالأمر له في قوله تعالى : ( اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو … ) (3) .
وكأخباره عن نفسه ، محكيا بقوله تعالى :
( إن أتبع إلا ما يوحى إليّ وما أنا إلا نذير مبين ) (4) وكالطلب إليه بقوله تعالى :

(1) الأنبياء : 25 .
(2) الراغب ، المفردات : 516 .
(3) الأنعام : 106 .
(4) الاحقاف : 9 .

 

 

(28)
( قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ أنما إلهكم إله واحد …) (1) .
وفي هذا الضوء ، فإن ما يوحى به إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يخلو : إما أن يكون تعليمات يؤمر بإشاعة مفاهيمها بين الناس بحال من الأحوال ، وإما أن يكون كلاما يؤمر بتدوينه ، ويثبته الله في قلبه ، ويتلوه بلسانه ، فيكون كتابا فيما بعد ، وإلى هذا أشار الزهري بقوله :
« ما يوحي الله به إلى نبي من الأنبياء فيثبته في قلبه ، فيتكلم به ويكتبه ، وهو كلام الله . ومنه ما لا يتكلم به ولا يكتبه لأحد ، ولا يأمر بكتابته ، ولكنه يحدث الناس به حديثا ، ويبين لهم أن الله أمره ، أن يبينه للناس ويبلغهم إياه » (2) .
والقرآن الكريم من النوع الذي ثبت في قلب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتكلم به وأمر بكتابته وتدوينه ، بعد إنزاله وحيا من قبله .

 
وقد أورد الزركشي عن السمرقندي ثلاثة أقوال في المنزل من القرآن :
1 ـ أنه اللفظ والمعنى ، وأن جبرائيل عليه السلام حفظ القرآن من اللوح المحفوظ ونزل به .
2 ـ إن جبرائيل عليه السلام إنما نزل بالمعاني الخاصة ، وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم علم تلك المعاني ، وعبر عنه بلغة العرب .

 
3 ـ إن جبرائيل عليه السلام ، إنما ألقي إليه المعنى ، وأنه عبر بهذه الألفاظ بلغة العرب (3) .
والأول هو الصحيح دون ريب ، لأن جبرائيل عليه السلام وصف بالروح الأمين لأمانته المتناهية ، فلا يضيف ولا يغير ، ولا يبدل ولا ينسى ، ولا يخوّل ولا يتجوز ، كيف لا وهو روح القدس بقوله تعالى : ( قل نزله روح القدس من ربك … ) (4) .

(1) الكهف : 110 .
(2) السيوطي ، الاتقان : 1 | 128 .
(3) الزركشي ، البرهان : 1 | 229 + السيوطي ، الاتقان : 1 | 126 .
(4) النحل : 102 .

(29)
والقرآن نازل من عند الله بألفاظه نفسها ، وما مهمة جبرائيل عليه السلام إلا تبليغ الوحي كما تسلمه ، وهو آيات الكتاب الكريم بنصوصها خالصة بدلالة قوله تعالى : ( تلك ءايات الله نتلوها عليك … ) (1) .
وقد اختار السيوطي ذلك تعبدا بلفظ القرآن إعجازا ، فلا يقدر أحد أن يأتي بلفظ يقوم مقامه ، وإن تحت كل حرف منه معاني لا يحاط بها كثرة ، فلا يقدر أحد أن يأتي بدله بما يشتمل عليه (2) .
وخصوصية القرآن التعبد بتلاوته لأن ألفاظه نازلة من الله تعالى فلا تدانيها خصوصية أخرى ، لأن هناك ما هو نازل من السماء كالأحاديث القدسية ، ولكنها ليست بقرآن ، فلا خصوصية للتعبد بتلاوتها . وإن أخذنا بمضامينها حرفيا ، ولكنها لم تنزل بألفاظها المخصوصة لها كما هو شأن القرآن .

 

 
والحديث النبوي نتعبد به أمرا ونهيا ، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يرسل الحديث ويقوله ، ويتبع ذلك أهله وأصحابه ، ثم يتلو القرآن ويقرؤه ، فما اتفق يوما أن تشاكل النصان ، أو تشابه القولان ، ولو كان معنى القرآن ينقل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحيا ، أو وحيه ينقل إليه معنى ، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يصوغه بلفظه ، ويعبر عنه بكلامه ، لاشتبه القرآن بالحديث ، والحديث بالقرآن ، من وجهة نظر بلاغية على الأقل ، بينما العكس هو الصحيح ، فالخصائص الأسلوبية في القرآن تدل عليه ، وخصائص الحديث تدل عليه ، فكل له أسلوبه المتميز ، ومنهجه الخاص حتى عرف ذلك القاصي والداني ، ممن آمن بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم والقرآن وممن جحدهما ، فالقرآن كلام الله ، ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم ينقله كما سمعه ، بلفظه الدال على معناه ، وبمعناه الذي نطق به لفظه ، لا شيء من محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلا النقل الأمين ، والحديث كلام محمد صلى الله عليه وآله وسلم يتفوه به فيشرع ويحكم ، لأنه المصدر الثاني بعد القرآن للشريعة الإسلامية ، قال تعالى : ( وما ءاتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا … ) (3) .

 

 

(1) آل عمران : 108 .
(2) ظ : السيوطي ، الاتقان : 1 | 128 .
(3) الحشر : 7 .

(30)
وثمت دليل قرآني آخر في توجيه الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعبارة « قل » في القرآن الكريم ، وتكرارها فيه أكثر من ثلاثمائة مرة ، تصريح وأي تصريح بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : « لا دخل له في الوحي ، فلا يصوغه بلفظه ، ولا يلقيه بكلامه ، وإنما يلقى إليه الخطاب إلقاء ، فهو مخاطب لا متكلم ، حاك لما يسمعه ، لا معبر عن شيء يجول في نفسه » (1) .
لهذا كان إذا نزلت عليه آية أو سورة ، بل وجزء من آية ، يدعو كتبته لتدوينها على الفور نصا .

* * *
ولقد بهت العرب أمام ظاهرة الوحي القرآني ، وهم أرباب الفصاحة والبلاغة ، وأئمة البيان والفن القولي ، وتذرعوا للتشكيك فيها بمختلف الوسائل ، فأثاروا الشبهات ، وتعلقوا بالأوهام ، فوصفوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالضلال ، والقرآن من ورائهم يناديهم بقوله : ( والنجم إذا هوى * ما ضل صاحبكم وما غوى * وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى ) (2) .

 
وتداعوا مرة أخرى إلى افتراضات متناقضة ، فقالوا : أضغاث أحلام ، وقد أيقنوا بصحوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويقظته ، وردوه إلى الكذب والاختلاق ، وهم أنفسهم وصفوه من ذي قبل بالصادق الأمين ونسبوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الشعر ، وقد علموا بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أبعد ما يكون عن مزاج الشاعر وأخيلته ، وما ترك في هذا المجال أثرا يركن إليه بهذه السمة ، وقد عبر القرآن عن ذلك :
( بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر … ) (3) .
وما استقامت لهم الدعوى في شيء ، ووصموه بالجنون :
( وقالوا يأيها الذي نزّل عليه الذكر إنك لمجنون ) (4) .

(1) صبحي الصالح ، مباحث في علوم القرآن : 30 .
(2) النجم : 1 ـ 4 .
(3) الأنبياء : 5 .
(4) الحجر : 6 .

(31)
( ثم تولوا عنه وقالوا معلم مجنون ) (1) .
وقد دلت الأحداث الاستقرائية ، والسيرة الذاتية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم على رجاحة عقله ، واتزانه في تصرفاته ، وتأكد لهم افتراؤهم بما شاهدوه من مجريات الأمور ، وقد لبث النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين ظهرانيهم حقبا طويلة قبل البعثة ، فما مسكوا زلة ، ولا أدركوا غفلة ، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه النكتة الدقيقة بقوله :
( فقد لبثت فيكم عُمُرا من قبله أفلا تعقلون ) (2) .
وترددوا بقول الكهانة من بعد الجنون ، فرد افتراءهم القرآن بما أمره به : ( فذكر فما أنت بنعمت ربك بكاهن ولا مجنون ) (3) .
فما كان محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلا بشيرا ونذيرا ، وما كان الوحي إلا ذكرا للعالمين ، فأين هو من الكهانة ( ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون ) (4) .
وحينما أعيتهم الحيلة ، ووقف بهم المنطق السليم ، انطلقوا إلى القول : ( إن هذا إلا سحر يؤثر ) (5) شأنهم في هذا شأن من تقدمهم من الأمم مع أنبيائهم ورسائلهم ، حذو القذة بالقذة ، من الادعاءات ، قال تعالى : ( كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون ) (6) وقد علموا جديا ، أن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم في أصالته العقلية ، أبعد ما يكون عن السحر والشعبذة والتمويه من قبل ومن بعد .
وتمسكوا بأوهن من بيت العنكبوت ، فأشاعوا بكل غباء أن لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم معلما من البشر ، وهو غلام رومي يمتهن صناعة السيوف بمكة ، فألقمهم القرآن حجرا بردهم ردا فطريا : ( لسان الذي يُلحدون إليه

(1) الدخان : 14 .
(2) يونس : 16 .
(3) الطور : 29 .
(4) الحاقة : 42 .
(5) المدثر : 24 .
(6) الذاريات : 52 .

(32)
أعجمي وهذا لسان عربي مبين ) (1) .
وأغلقت السبل كافة في الوجوه والألسن والأقاويل ، فرجموا بالغيب ، وتشبثوا بالطحلب ، وحسبوا وجدان الضالة : فقالوا بما حكى الله عنهم ( إن هذا إلا أساطير الأولين ) (2) .
وتمادى بهم القول ، ففصلوا بعد الإجمال ، وأبانوا بعد الإبهام : ( وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا ) (3) .
وهكذا تبدو الحيرة مترددة بين عدة ادعاءات وافتراءات ، هم أنفسهم يعلمون بمجانبتها للواقع المشهود ، إذ لم يؤيدها نص إستقرائي واحد في حياة محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ويبقى الوحي وحيا رغم كل هذا الأراجيف : ( وكذلك أوحينا إليك قرءانا عربيا لتنذر أم القرى ومن حولها … ) (4) .
ويبقى القرآن قرآنا مقترنا بظاهرة الوحي الإلهي .

(1) النحل : 103 .
(2) الأنعام : 25 .
(3) الفرقان : 5 .
(4) الشورى : 7 .
يتلقون فيها الأوامر ، ويتسلمون التعليمات من السماء ، كما دل على ذلك قوله تعالى ـ فيما اقتص الله من خبر إبراهيم عليه السلام مع ولده ـ :
( فلما بلغ معه السعي قال يابني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين * فلما أسلما وتلّه للجبين * وناديناه أن يا إبراهيم * قد صدّقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين ) (1) .
فأشارت الآيات إلى الرؤيا الصادقة في المنام ، وإلى استفادة إبراهيم عليه السلام وولده عليهما السلام ، الأمر الإلهي فيها ، للدلالة على أنها وحي يستلزم العمل به ، بدليل تعقيب ذلك من قبل الله في خطاب إبراهيم عليه السلام بتصديق الرؤيا وجزاء المحسنين .
وقد تكون الرؤيا في جزء من هذا الملحظ تمهيدا للوحي المباشر ، وقد يعبر عنها بالصادقة أو الصالحة ، كما حصل هذا المعنى بالنسبة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أول بدء الوحي ، كما في رواية أم المؤمنين عائشة :
« أول ما بدىء به رسول الله من الوحي الرؤيا الصادقة ( الصالحة ) في النوم ، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح » (2) .
وقد تكون الرؤيا نوعا من الوعد الحق الذي يقطعه الله لنبيه عليه السلام كما هو الحال في شأن فتح مكة ، قال تعالى :
( لقد صدق الله رسوله الرءيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله ءامنين … ) (3) .
وقد دل على جميع ما تقدم مضافا لللالات القرآنية ما يروى عنه صلى الله عليه وآله وسلم :
« انقطع الوحي ، وبقيت المبشرات : رؤيا المؤمن ، فالإلهام ، والتسخير والمنام » (4) .

(1) الصافات : 102 ـ 105 .
(2) البخاري ، الجامع الصحيح : 1 | 7 .
(3) الفتح : 27 .
(4) الراغب ، المفردات : 516 .

(27)
وفيه ـ إذا صح ـ تفريق بين الوحي المباشر ، وهو جبرائيل عليه السلام ، وبين ما أشار إليه من المبشرات التي يبدو أنها غير الوحي الذي يريده الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث .
وقد يكون الوحي بملحظ آخر عاما بين جميع الأنبياء والرسل ، وقد يكون خاصا بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فما كان عاما يكون مشتركا بينه وبين الأنبياء والمرسلين لأنه أحدهم بل سيدهم ، وما كان خاصا ينفرد به وحده .
فالأول : كقوله تعالى : ( وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون ) (1) .
ويبدو أن هذا الوحي يشتمل على جميع أقسام الوحي وكيفياته ، ولا يختص بالايحاء بمعناه الدقيق ، لأن الإيمان بالوحدانية فطرة إنسانية تحتمها طبيعة العقل السوي ، والأنبياء بعامة يتمتعون بهذه الفطرة نفسيا وعقليا .
قال الراغب الأصبهاني ( ت : 502 هـ ) : « فهذا الوحي هو عام في جميع أنواعه ، وذلك أن معرفة وحدانية الله تعالى ، ومعرفة وجوب عبادته ليست مقصورة على الوحي المختص بأولي العزم من الرسل ، بل يعرف ذلك بالعقل والإلهام كما يعرف بالسمع ، فإذن المقصود من الآية تنبيه أنه من المحال أن يكون رسول لا يعرف وحدانية الله ، ووجوب عبادته » (2) .
والثاني : ما هو مختص بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وحده ، كالأمر له في قوله تعالى : ( اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو … ) (3) .
وكأخباره عن نفسه ، محكيا بقوله تعالى :
( إن أتبع إلا ما يوحى إليّ وما أنا إلا نذير مبين ) (4) وكالطلب إليه بقوله تعالى :

(1) الأنبياء : 25 .
(2) الراغب ، المفردات : 516 .
(3) الأنعام : 106 .
(4) الاحقاف : 9 .

(28)
( قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ أنما إلهكم إله واحد …) (1) .
وفي هذا الضوء ، فإن ما يوحى به إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يخلو : إما أن يكون تعليمات يؤمر بإشاعة مفاهيمها بين الناس بحال من الأحوال ، وإما أن يكون كلاما يؤمر بتدوينه ، ويثبته الله في قلبه ، ويتلوه بلسانه ، فيكون كتابا فيما بعد ، وإلى هذا أشار الزهري بقوله :
« ما يوحي الله به إلى نبي من الأنبياء فيثبته في قلبه ، فيتكلم به ويكتبه ، وهو كلام الله . ومنه ما لا يتكلم به ولا يكتبه لأحد ، ولا يأمر بكتابته ، ولكنه يحدث الناس به حديثا ، ويبين لهم أن الله أمره ، أن يبينه للناس ويبلغهم إياه » (2) .
والقرآن الكريم من النوع الذي ثبت في قلب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتكلم به وأمر بكتابته وتدوينه ، بعد إنزاله وحيا من قبله .
وقد أورد الزركشي عن السمرقندي ثلاثة أقوال في المنزل من القرآن :
1 ـ أنه اللفظ والمعنى ، وأن جبرائيل عليه السلام حفظ القرآن من اللوح المحفوظ ونزل به .
2 ـ إن جبرائيل عليه السلام إنما نزل بالمعاني الخاصة ، وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم علم تلك المعاني ، وعبر عنه بلغة العرب .
3 ـ إن جبرائيل عليه السلام ، إنما ألقي إليه المعنى ، وأنه عبر بهذه الألفاظ بلغة العرب (3) .
والأول هو الصحيح دون ريب ، لأن جبرائيل عليه السلام وصف بالروح الأمين لأمانته المتناهية ، فلا يضيف ولا يغير ، ولا يبدل ولا ينسى ، ولا يخوّل ولا يتجوز ، كيف لا وهو روح القدس بقوله تعالى : ( قل نزله روح القدس من ربك … ) (4) .

(1) الكهف : 110 .
(2) السيوطي ، الاتقان : 1 | 128 .
(3) الزركشي ، البرهان : 1 | 229 + السيوطي ، الاتقان : 1 | 126 .
(4) النحل : 102 .

(29)
والقرآن نازل من عند الله بألفاظه نفسها ، وما مهمة جبرائيل عليه السلام إلا تبليغ الوحي كما تسلمه ، وهو آيات الكتاب الكريم بنصوصها خالصة بدلالة قوله تعالى : ( تلك ءايات الله نتلوها عليك … ) (1) .
وقد اختار السيوطي ذلك تعبدا بلفظ القرآن إعجازا ، فلا يقدر أحد أن يأتي بلفظ يقوم مقامه ، وإن تحت كل حرف منه معاني لا يحاط بها كثرة ، فلا يقدر أحد أن يأتي بدله بما يشتمل عليه (2) .
وخصوصية القرآن التعبد بتلاوته لأن ألفاظه نازلة من الله تعالى فلا تدانيها خصوصية أخرى ، لأن هناك ما هو نازل من السماء كالأحاديث القدسية ، ولكنها ليست بقرآن ، فلا خصوصية للتعبد بتلاوتها . وإن أخذنا بمضامينها حرفيا ، ولكنها لم تنزل بألفاظها المخصوصة لها كما هو شأن القرآن .
والحديث النبوي نتعبد به أمرا ونهيا ، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يرسل الحديث ويقوله ، ويتبع ذلك أهله وأصحابه ، ثم يتلو القرآن ويقرؤه ، فما اتفق يوما أن تشاكل النصان ، أو تشابه القولان ، ولو كان معنى القرآن ينقل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحيا ، أو وحيه ينقل إليه معنى ، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يصوغه بلفظه ، ويعبر عنه بكلامه ، لاشتبه القرآن بالحديث ، والحديث بالقرآن ، من وجهة نظر بلاغية على الأقل ، بينما العكس هو الصحيح ، فالخصائص الأسلوبية في القرآن تدل عليه ، وخصائص الحديث تدل عليه ، فكل له أسلوبه المتميز ، ومنهجه الخاص حتى عرف ذلك القاصي والداني ، ممن آمن بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم والقرآن وممن جحدهما ، فالقرآن كلام الله ، ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم ينقله كما سمعه ، بلفظه الدال على معناه ، وبمعناه الذي نطق به لفظه ، لا شيء من محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلا النقل الأمين ، والحديث كلام محمد صلى الله عليه وآله وسلم يتفوه به فيشرع ويحكم ، لأنه المصدر الثاني بعد القرآن للشريعة الإسلامية ، قال تعالى : ( وما ءاتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا … ) (3) .

(1) آل عمران : 108 .
(2) ظ : السيوطي ، الاتقان : 1 | 128 .
(3) الحشر : 7 .

(30)
وثمت دليل قرآني آخر في توجيه الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعبارة « قل » في القرآن الكريم ، وتكرارها فيه أكثر من ثلاثمائة مرة ، تصريح وأي تصريح بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : « لا دخل له في الوحي ، فلا يصوغه بلفظه ، ولا يلقيه بكلامه ، وإنما يلقى إليه الخطاب إلقاء ، فهو مخاطب لا متكلم ، حاك لما يسمعه ، لا معبر عن شيء يجول في نفسه » (1) .
لهذا كان إذا نزلت عليه آية أو سورة ، بل وجزء من آية ، يدعو كتبته لتدوينها على الفور نصا .

* * *
ولقد بهت العرب أمام ظاهرة الوحي القرآني ، وهم أرباب الفصاحة والبلاغة ، وأئمة البيان والفن القولي ، وتذرعوا للتشكيك فيها بمختلف الوسائل ، فأثاروا الشبهات ، وتعلقوا بالأوهام ، فوصفوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالضلال ، والقرآن من ورائهم يناديهم بقوله : ( والنجم إذا هوى * ما ضل صاحبكم وما غوى * وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى ) (2) .
وتداعوا مرة أخرى إلى افتراضات متناقضة ، فقالوا : أضغاث أحلام ، وقد أيقنوا بصحوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويقظته ، وردوه إلى الكذب والاختلاق ، وهم أنفسهم وصفوه من ذي قبل بالصادق الأمين ونسبوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الشعر ، وقد علموا بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أبعد ما يكون عن مزاج الشاعر وأخيلته ، وما ترك في هذا المجال أثرا يركن إليه بهذه السمة ، وقد عبر القرآن عن ذلك :
( بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر … ) (3) .
وما استقامت لهم الدعوى في شيء ، ووصموه بالجنون :
( وقالوا يأيها الذي نزّل عليه الذكر إنك لمجنون ) (4) .

(1) صبحي الصالح ، مباحث في علوم القرآن : 30 .
(2) النجم : 1 ـ 4 .
(3) الأنبياء : 5 .
(4) الحجر : 6 .

(31)
( ثم تولوا عنه وقالوا معلم مجنون ) (1) .
وقد دلت الأحداث الاستقرائية ، والسيرة الذاتية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم على رجاحة عقله ، واتزانه في تصرفاته ، وتأكد لهم افتراؤهم بما شاهدوه من مجريات الأمور ، وقد لبث النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين ظهرانيهم حقبا طويلة قبل البعثة ، فما مسكوا زلة ، ولا أدركوا غفلة ، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه النكتة الدقيقة بقوله :
( فقد لبثت فيكم عُمُرا من قبله أفلا تعقلون ) (2) .
وترددوا بقول الكهانة من بعد الجنون ، فرد افتراءهم القرآن بما أمره به : ( فذكر فما أنت بنعمت ربك بكاهن ولا مجنون ) (3) .
فما كان محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلا بشيرا ونذيرا ، وما كان الوحي إلا ذكرا للعالمين ، فأين هو من الكهانة ( ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون ) (4) .
وحينما أعيتهم الحيلة ، ووقف بهم المنطق السليم ، انطلقوا إلى القول : ( إن هذا إلا سحر يؤثر ) (5) شأنهم في هذا شأن من تقدمهم من الأمم مع أنبيائهم ورسائلهم ، حذو القذة بالقذة ، من الادعاءات ، قال تعالى : ( كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون ) (6) وقد علموا جديا ، أن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم في أصالته العقلية ، أبعد ما يكون عن السحر والشعبذة والتمويه من قبل ومن بعد .
وتمسكوا بأوهن من بيت العنكبوت ، فأشاعوا بكل غباء أن لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم معلما من البشر ، وهو غلام رومي يمتهن صناعة السيوف بمكة ، فألقمهم القرآن حجرا بردهم ردا فطريا : ( لسان الذي يُلحدون إليه

(1) الدخان : 14 .
(2) يونس : 16 .
(3) الطور : 29 .
(4) الحاقة : 42 .
(5) المدثر : 24 .
(6) الذاريات : 52 .

(32)
أعجمي وهذا لسان عربي مبين ) (1) .
وأغلقت السبل كافة في الوجوه والألسن والأقاويل ، فرجموا بالغيب ، وتشبثوا بالطحلب ، وحسبوا وجدان الضالة : فقالوا بما حكى الله عنهم ( إن هذا إلا أساطير الأولين ) (2) .
وتمادى بهم القول ، ففصلوا بعد الإجمال ، وأبانوا بعد الإبهام : ( وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا ) (3) .
وهكذا تبدو الحيرة مترددة بين عدة ادعاءات وافتراءات ، هم أنفسهم يعلمون بمجانبتها للواقع المشهود ، إذ لم يؤيدها نص إستقرائي واحد في حياة محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ويبقى الوحي وحيا رغم كل هذا الأراجيف : ( وكذلك أوحينا إليك قرءانا عربيا لتنذر أم القرى ومن حولها … ) (4) .
ويبقى القرآن قرآنا مقترنا بظاهرة الوحي الإلهي .

(1) النحل : 103 .
(2) الأنعام : 25 .
(3) الفرقان : 5 .
(4) الشورى : 7 .

شاهد أيضاً

0

في بيان الدواء النافع في علاج كون الخيال فرار

الذي يحصل منه حضور القلب ايضا فاعلم أن كلا من القوى الظاهرية والباطنية من النفس ...