00

فضل القرآن وتلاوته

 1- أن يتبين الطالب فضل القرآن في القرآن.

2- أن يتبين فضل القرآن في كتاب العترة.

3- أن يتعرف إلى صفة القرآن الكريم.

 

من الخير أن يقف الإنسان دون ولوج هذا الباب، وأن يتصاغر أمام هذه العظمة، وقد يكون الاعتراف بالعجز خيراً من المضيّ في البيان.

 

ماذا يقول الواصف في عظمة القرآن، وعلوّ كعبه؟ وماذا يقول في بيان فضله، وسموّ مقامه؟ وكيف يستطيع الممكن أن يدرك مدى كلام الواجب؟ وماذا يكتب لكاتب في هذا الباب؟ وبمَ يتفوّه الخطيب؟ وهل يصف المحدود إلّا محدوداً؟

 

القرآن في القرآن

وحسبُ القرآن عظمة، وكفاه منزلةً وفخراً أنّه كلام الله العظيم، ومعجزة نبيّه الكريم، وأنّ آياته هي المتكفّلة بهداية البشر في جميع شؤونهم وأطوارهم في أجيالهم وأدوارهم، وهي الضمينة لهم بنيل الغاية القصوى والسعادة الكبرى في العاجل والآجل: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾1.

 

﴿الَر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾2.

﴿هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ﴾3.

 

1-سورة الإسراء، الآية: 9.

2-سورة إبراهيم، الآية: 1. 

3-سورة آل عمران، الآية: 138. 

 

القرآن في كلام العترة

وقد ورد في الأثر عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: “فضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه”4.

نعم من الخير أن يقف الإنسان دون ولوج هذا الباب، وأن يَكِلَ بيان فضل القرآن إلى نظراء القرآن أهل البيت عليهم السلام، فإنّهم أعرف الناس بمنزلته، وأدلّهم على سموّ قدره، وهم قرناؤه في الفضل، وشركاؤه في الهداية، أمّا جدّهم الأعظم فهو الصادع بالقرآن، والهادي إلى أحكامه، والناشر لتعاليمه. وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: “إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض”5. فالعترة هم الأدلّاء على القرآن، والعالمون بفضله.

 

فمن الواجب أن نقتصر على أقوالهم، ونستضيء بإرشاداتهم. ولهم في فضل القرآن أحاديث كثيرة جمعها شيخنا المجلسيّ في (البحار)المجلّد التاسع والثمانين منه. نذكر منها:

 

قال الحارث الهمدانيّ: “دخلت المسجد فإذا أناس يخوضون في أحاديث فدخلت على عليّ عليه السلام فقلت: ألا ترى أن أناساً يخوضون في الأحاديث في المسجد؟ فقال عليه السلام: قد فعلوها؟ قلت: نعم، قال عليه السلام: أما إنّي قد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ستكون فتن، قلت: وما المخرج منها؟ قالعليه السلام: كتاب الله، فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم. هو الفصل ليس بالهزل، هو الّذي مَن تركه من جبّار قصمه الله، ومَن ابتغى الهدى في غيره أضلّه الله، فهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الّذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يَخْلَق عن كثرة الردّ، ولا تنقضي عجائبه.

 

4-بحار الأنوار، ج 19، ص 6، صحيح الترمذي بشرح ابن العربي، ج 11، ص 47، أبواب فضائل القرآن.

5-رواه الترمذي، ج 13، ص 200 ـ 201. 

 

وهو الّذي لم ينته الجنّ إذ سمعته أن قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾6 ، هو الّذي من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن عمل به أُجر، ومن دعا إليه هُديَ إلى صراط مستقيم”7.

 

قبسات من الحديث

وفي الحديث مغازٍ جليلة يحسن أن نتعرّض لبيان أهمّها. يقول صلى الله عليه وآله وسلم: “فيه نبأ ما كان قبلكم. وخبر ما بعدكم” والّذي يحتمل في هذه الجملة وجوه:

 

الأوّل: أن تكون إشارة إلى أخبار النشأة الأخرى من عالمَي البرزخ والحساب والجزاء على الأعمال. ولعلّ هذا الاحتمال هو الأقرب، ويدلّ على ذلك قول أمير المؤمنين عليه السلام في خطبته: “فيه نبأ من كان قبلكم والحكم فيما بينكم وخبر معادكم”.

 

الثاني: أن تكون إشارة إلى المغيّبات الّتي أنبأ عنها القرآن، ممّا يقع في الأجيال المقبلة.

 

الثالث: أن يكون معناها أنّ حوادث الأمم السابقة تجري بعينها في هذه الأمّة، فهي بمعنى قوله تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ﴾8.

 

أمّا قوله صلى الله عليه وآله وسلم: “من تركه من جبّار قصمه الله” فلعلّ فيه ضماناً بحفظ القرآن من تلاعب الجبّارين، بحيث يؤدّي ذلك إلى ترك تلاوته وترك العمل به، وإلى جمعه من أيدي الناس كما صنع بالكتب الإلهيّة السابقة. فتكون إشارة إلى حفظ القرآن من التحريف. وهذا أيضاً هو معنى قوله في الحديث: “لا تزيغ به الأهواء” بمعنى لا تغيّره عمّا هو عليه، لأنّ معاني القرآن قد زاغت بها الأهواء فغيّرتها. وأشار الحديث إلى أن أبناء الأمّة لو رجعوا إلى القرآن في خصوماتهم، وما

 

6-سورة الجن، الآية 1.

7- بحار الأنوار، ج89، ص24.

8-سورة االانشقاق، الآية: 19. 

 

يلتبس عليهم في عقائدهم وأعمالهم لأوضح لهم السبيل، ولوجدوه الحكم العدل، والفاصل بين الحقّ والباطل.

 

فلو أقامت الأمّة حدود القرآن، واتّبعت مواقع إشاراته وإرشاداته، لعرفت الحقّ وأهله، وعرفت حقّ العترة الطاهرة الّذين جعلهم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قرناء الكتاب، وأنّهم الخلفاء على الأمّة من بعده، ولو استضاءت الأمّة بأنوار معارف القرآن، لأمنت العذاب الواصب، ولما تردّت في العمى، ولا غشيتهم ليالي الضلال، ولا ضُيّع سهم من فرائض الله، ولا زلّت قدم عن الصراط السويّ، ولكنّها أبت إلّا الانقلاب على الأعقاب، واتّباع الأهواء، والانضواء إلى راية الباطل حتّى آل الأمر إلى أن يكفّر بعض المسلمين بعضاً، ويتقرّب إلى الله بقتله، وهتك حرمته، وإباحة ماله، وأيّ دليل على إهمال الأمّة للقرآن أكبر من هذا التشتّت العظيم؟!!

 

صفة القرآن

وقال أمير المؤمنين عليه السلام في صفة القرآن:

“ثمّ أنزل عليه الكتاب نوراً لا تُطفأ مصابيحه، وسراجاً لا يخبو توقّده، وبحراً لا يُدرك قعره، ومنهاجاً لا يضلّ نهجه، وشعاعاً لا يظلم ضوءه، وفرقاناً لا يُخمد برهانه، وتبياناً لا تُهدم أركانه، وشفاءً لا تُخشى أسقامه، وعزّاً لا تُهزم أنصاره، وحقّاً لا تُخذل أعوانه، فهو معدن الإيمان وبحبوحته، وينابيع العلم وبحوره، ورياض العدل وغدرانه، وأثافيّ الإسلام وبنيانه، وأودية الحقّ وغيطانه، وبحر لا يُنزفه المنتزفون، وعيون لا ينضبها الماتحون، ومناهل لا يغيضها الواردون، ومنازل لا يضلّ نهجها المسافرون، وأعلام لا يعمى عنها السائرون، وآكام لا يجوز عنها القاصدون، جعله الله ريّاً لعطش العلماء، وربيعاً لقلوب الفقهاء، ومحاجَّ لطرق الصلحاء، ودواءً ليس بعده داء، ونوراً ليس معه ظلمة، وحبلاً وثيقاً عروته، ومعقلاً منيعاً ذروته، وعزّاً لمن تولّاه، وسلماً لمن دخله، وهدى لمن ائتمّ به،

 

 

وعذراً لمن انتحله، وبرهاناً لمن تكلّم به، وشاهداً لمن خاصم به، وفلجاً لمن حاجّ به، وحاملاً لمن حمله، ومطيّة لمن أعمله، وآيةً لمن توسّم، وجُنّة لمن استلأم، وعلماً لمن وعى، وحديثاً لمن روى وحكماً لمن قضى”9.

 

وقد استعرضت هذه الخطبة الشريفة كثيراً من الأمور المهمّة الّتي يجب الوقوف عليها، والتدبّر في معانيها. فقوله:

 

1- “لا يخبو توقّده” خبت النار: خمد لهبها. يريد بقوله هذا وبكثير من جمل هذه الخطبة أنّ القرآن لا تنتهي معانيه، وأنه غضّ جديد إلى يوم القيامة. فقد تنزل الآية في مورد أو في شخص أو في قوم، ولكنّها لا تختصّ بذلك المورد أو ذلك الشخص أو أولئك القوم، فهي عامّة المعنى.

 

عن أبي عبد الله عليه السلام: “إنّ القرآن حيّ لم يمت، وإنّه يجري كما يجري الليل والنهار، وكما تجري الشمس والقمر، ويجري على آخرنا كما يجري على أوّلنا”10.

 

2- “ومنهاجاً لا يضلّ نهجه”: إنّ القرآن طريق لا يضلّ سالكه، فقد أنزله الله تعالى هداية لخلقه، فهو حافظ لمن اتّبعه عن الضلال.

 

3- “وتبياناً لا تهدم أركانه”: المحتمل في المراد من هذه الجملة أحد وجهين:

 

الأوّل: أنّ أركان القرآن في معارفه وتعاليمه، وجميع ما فيه من الحقائق. محكمة لا تقبل التضعضع والانهدام.

الثاني: أنّ القرآن بألفاظه لا يتسرّب إليه الخلل والنقصان، فيكون فيها إيماء إلى حفظ القرآن من التحريف.

 

4- “ورياض العدل وغدرانه”: الرياض جمع روضة، وهي الأرض الخضرة بحسن النبات. العدل بمعنى الاستقامة، والغدران جمع غدير وهو الماء الّذي تغدره أي تنتجه السيول. معنى هذه الجملة: أنّ العدل بجميع نواحيه من الاستقامة في العقيدة

 

9-نهج البلاغة، ج2، ص178. 

10- بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج35، ص404.

 

والعمل والأخلاق قد اجتمع في الكتاب العزيز، فهو مجمع العدالة وملتقى متفرّقاتها.

 

5- “وأثافي الإسلام”: الأثافيّ كأمانيّ جمع أثفيّة – بالضمّ والكسر – وهي الحجارة الّتي توضع عليها القدر. ومعنى ذلك: أنّ استقامة الإسلام وثباته بالقرآن كما أنّ استقامة القِدر على وضعها الخاص تكون بسبب الأثافيّ.

 

6- “وأودية الحقّ وغيطانه”: يريد بذلك: أنّ القرآن منبت الحقّ، وفي الجملة تشبيه القرآن بالأرض الواسعة المطمئنّة، وتشبيه الحقّ بالنبات النابت فيها. وفي ذلك دلالة على أن المتمسّك بغير القرآن لا يمكن أن يصيب الحقّ، لأنّ القرآن هو منبت الحقّ، ولا حقّ في غيره.

 

7- “وبحر لا ينزفه المنتزفون”: نزف ماء البئر: نزح كله. ومعنى هذه الجملة والجمل الّتي بعدها: أنّ المتصدّين لفهم معاني القرآن لا يصلون إلى منتهاه، لأنّه غير متناهي المعاني، بل وفيها دلالة على أنّ معاني القرآن لا تنقص أصلاً، كما لا تنضب العيون الجارية بالسقاية منها.

 

8-“وآكام لا يجوز عنها القاصدون”: والآكام جمع أكم، كقصب، وهو جمع أكمة، كقصبة، وهي التلّ. والمراد أنّ القاصدين لا يصلون إلى أعالي الكتاب ليتجاوزوها. وفي هذا القول إشارة إلى أنّ للقرآن بواطن لا تصل إليها أفهام أولي الأفهام.

 

وقد يكون المراد أنّ القاصدين إذا وصلوا إلى أعاليه وقفوا عندها ولم يطلبوا غيرها، لأنّهم يجدون مقاصدهم عندها على الوجه الأتمّ.

 

فضل قراءة القرآن

القرآن هو الناموس الإلهيّ الّذي تكفّل للناس إصلاح الدين والدنيا، وضمن لهم سعادة الآخرة والأولى، فكلّ آية من آياته منبع فيّاض بالهداية ومعدن من معادن الإرشاد والرحمة، فالّذي تروقه السعادة الخالدة والنجاح في مسالك الدين والدنيا، عليه أن يتعاهد كتاب الله العزيز آناء الليل وأطراف النهار، ويجعل آياته الكريمة

 

 

 

قيد ذاكرته، ومزاج تفكيره، ليسير على ضوء الذكر الحكيم إلى نجاح غير منصرم وتجارة لن تبور. وما أكثر الأحاديث الواردة عن أئمّة الهدى عليهم السلام وعن جدّهم الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم في فضل تلاوة القرآن منها:

 

عن الإمام الصادق عليه السلام ، قال: “القرآن عهد الله إلى خلقه، فقد ينبغي للمرء المسلم أن ينظر في عهده، وأن يقرأ منه في كلّ يوم خمسين آية”11 وقال عليه السلام: “ما يمنع التاجر منكم المشغول في سوقه إذا رجع إلى منزله أن لا ينام حتّى يقرأ سورة من القرآن فيُكتب له مكان كلّ آية يقرأها عشر حسنات، ويُمحى عنه عشر سيّئات؟”12. وقال: “عليكم بتلاوة القرآن، فإنّ درجات الجنة على عدد آيات القرآن، فإذا كان يوم القيامة يقال لقارئ القرآن: إقرأ وارقَ، فكلّما قرأ آية يرقى درجة”13.

 

وقد جمعت كتب الأصحاب من جوامع الحديث كثيراً من هذه الآثار الشريفة من أرادها فليطلبها. وفي الجزء التاسع عشر من كتاب بحار الأنوار الشيء الكثير من ذلك.

 

القراءة في المصحف

دلّت جملة من الآثار على فضل القراءة في المصحف على القراءة عن ظهر القلب. ومن هذه الأحاديث قول إسحاق بن عمار للصادق عليه السلام: “جعلت فداك إنّي أحفظ القرآن عن ظهر قلبي فأقرأه عن ظهر قلبي أفضل أو أنظر في المصحف؟ قال: فقال لي: لا. بل أقرأه وانظر في المصحف فهو أفضل. أما علمت أنّ النظر في المصحف عبادة؟”14.

 

11- الكافي، ج2، ص609.

12-م.ن، ج2، ص611.

13- الوسائل، الحرّ العاملي، ج6، ص190.

14- الكافي، ج2، ص614. 

 

وقال عليه السلام: “من قرأ القرآن في المصحف مُتّع ببصره، وخُفِّف عن والديه وإن كانا كافرين”15.

 

وفي الحثّ على القراءة في نفس المصحف نكتة جليلة ينبغي الالتفات إليها، وهي أنّه لو اكتُفيَ بالقراءة عن ظهر القلب لهُجرت نسخ الكتاب، وأدّى ذلك إلى قلّتها، ولعلّه يؤدّي أخيراً إلى انمحاء آثارها.

 

على أنّ هناك آثاراً جزيلة نصّت عليها الأحاديث لا تحصل إلّا بالقراءة في المصحف، منها قوله: “متّع ببصره” وهذه الكلمة من جوامع الكلم، فيراد منها أنّ القراءة في المصحف سبب لحفظ البصر من العمى والرمد، أو يراد منها أنّ القراءة في المصحف سبب لتمتّع القارئ بمغازي القرآن الجليلة ونكاته الدقيقة، لأنّ الإنسان عند النظر إلى ما يروقه من المرئيّات تبتهج نفسه، ويجد انتعاشاً في بصره وبصيرته.

 

وكذلك قارئ القرآن إذا سرّح بصره في ألفاظه، وأطلق فكره في معانيه وتعمّق في معارفه الراقية وتعاليمه الثمينة يجد في نفسه لذّة الوقوف عليها، ومتعة الطموح إليها، ويشاهد هشّة من روحه وتطلّعاً من قلبه.

 

فضل القراءة في البيوت

وقد أرشدتنا الأحاديث الشريفة إلى فضل القراءة في البيوت. ومن أسرار ذلك إذاعة أمر الإسلام، وانتشار قراءة القرآن، فإنّ الرجل إذا قرأه في بيته قرأته المرأة، وقرأه الطفل، وذاع أمره وانتشر. أمّا إذا جعل لقراءة القرآن أماكن مخصوصة فإنّ القراءة لا تتهيّأ لكلّ أحد، وفي كلّ وقت، وهذا من أعظم الأسباب في نشر الإسلام. ولعلّ من أسراره أيضاً إقامة الشعار الإلهيّ، إذا ارتفعت الأصوات بالقراءة في البيوت بكرة وعشيّاً، فيعظم أمر الإسلام في نفوس السامعين لما يعروهم من الدهشة عند

 

15- هذه الروايات في أصول الكافي، كتاب فضل القرآن، ج2، ص596. 

 

ارتفاع أصوات القراء في مختلف نواحي البلد.

 

ومن آثار القراءة في البيوت ما ورد في الأحاديث: “إنّ البيت الّذي يُقرأ فيه القرآن ويُذكر الله تعالى فيه تكثر بركته، وتحضره الملائكة، وتهجره الشياطين، ويضيء لأهل السماء كما يضيء الكوكب الدرّيّ لأهل الأرض، وإنّ البيت الّذي لا يُقرأ فيه القرآن، ولا يُذكر الله تعالى فيه تقلّ بركته، وتهجره الملائكة، وتحضره الشياطين”16.

 

16- الكافي، ج2، ص 499. 

 

خلاصة الدرس

لقرآن كلام الله العظيم، ومعجزة نبيّه الكريم وهو الضامن للبشر بنيل الغاية القصوى والسعادة الكبرى في العاجل والآجل. يقول تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾17.

 

وعن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: “فضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه”.

 

هناك العديد من الآيات الكريمة الّتي تتحدّث عن فضل القرآن، كما أنّ هناك الكثير من الروايات الواردة عن الرسول والعترة الطاهرة عليهم السلام.

 

إنّ أبناء الأمّة لو رجعوا إلى القرآن في خصوماتهم، وما يلتبس عليهم في عقائدهم وأعمالهم لأوضح لهم السبيل. ولوجدوه الحكم العدل، والفاصل بين الحقّ والباطل.

 

القرآن هو الناموس الإلهيّ الّذي تكفّل للناس إصلاح الدين والدنيا، وضمن لهم سعادة الآخرة والأولى، فكلّ آية من آياته منبع فيّاض بالهداية ومعدن من معادن الإرشاد والرحمة.

 

وقد دلّت جملة من الأخبار على فضل القراءة في المصحف على القراءة عن ظهر القلب. كما أرشدتنا الأحاديث الشريفة إلى فضل القراءة في البيوت وتعاهد كتاب الله بالتلاوة الدائمة.

 

17-سورة الاسراء، الآية: 9.

 

للمطالعة

ما تكلّمَتْ إلّا بالقرآن

قال بعضهم: انقطعت في البادية عن القافلة فوجدت امرأة، فقلت لها: من أنت؟ فقالت ﴿وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾18 فسلّمت عليها، فقلت: ما تصنعين ههنا؟ قالت: ﴿وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ﴾19 فقلت: أمن الجنّ أنت أم من الإنس؟ قالت:﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ﴾20 فقلت: من أين أقبلت؟ قالت: ﴿يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾21 فقلت: أين تقصدين؟ قالت: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾22 فقلت: متى انقطعت؟ قالت: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾23 فقلت: أتشتهين طعاماً؟ فقالت: ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَّا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾24. فأطعمتها، ثم قلت: هرولي ولا تعجلي، قالت: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾25. فقلت: أردفك؟ فقالت: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾26. فنزلت فأركبتها، فقالت: ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا﴾27. فلما أدركنا القافلة قلت: ألك أحد فيها؟ قالت: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾28. ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ﴾29.

 18-سورة الزخرف، الآية: 89. 

19-سورة الزمر، الآية: 37. 

20-سورة الأعراف، الآية: 31.
21-سورة فصّلت، الآية: 44.

22- سورة آل عمران، الآية:97.

23- سورة ق، الآية: 38. 

24-سورة الأنبياء، الآية: 8. 

25-سورة البقرة، الآية: 286. 

26-سورة الأنبياء، الآية: 22.

27- سورة الزخرف، الآية: 13. 

28- سورة ص، الآية: 26.

29-سورة آل عمران، الآية: 144. 

 

﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ﴾30. ﴿يَا مُوسَىإِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾31. فصحت بهذه الأسماء، فإذا أنا بأربعة شباب متوجّهين نحوها، فقلت: من هؤلاء منك؟ قالت: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾32. فلم أتوها قالت: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾33. فكافوني بأشياء فقالت: ﴿وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء﴾34. فزادوا عليّ، فسألتهم عنها.

 

فقالوا: هذه أمّنا فضّة جارية الزهراء عليها السلام ما تكلّمت منذ عشرين سنة إلّا بالقرآن35.

30-سورة مريم، الآية: 12. 

31-سورة طه، الآيات: 11 ـ 13. 

32-سورة الكهف، الآية: 46.

33- سورة القصص، الآية: 26.

34- سورة البقرة، الآية: 261.

35- بحار الأنوار، العلّامة المجلسي، ج 43، ص 86 – 87.

شاهد أيضاً

000 - Copy

منقذ البشرية النبي “محمد” في عيون فلاسفة الغرب – طهران إكنا

یمثل رسولنا الکریم “محمد بن عبد الله”صلى الله علیه وآله وسلم رمزاً دینیاً وثقافیاً فی ...