الرئيسية / مقالات اسلامية / القرآن الكريم / الآداب الباطنية لتلاوة القرآن
00

الآداب الباطنية لتلاوة القرآن

1- أن يتعرف الطالب إلى الآداب الباطنية لتلاوة القرآن.

تلاوة القرآن حقّ تلاوته‏:

قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾1.

 

فللقرآن حقّ علينا وينبغي أن نوفيه حقّه برعاية جملة من الآداب أثناء تلاوته والاستماع إليه. وفي تفسير الآية يقول الإمام الصادق عليه السلام: “يرتّلون آياته ويتفهّمون معانيه ويعملون بأحكامه ويرجون وعده ويخشون عذابه ويتمثّلون قصصه ويعتبرون أمثاله ويأتون أوامره ويجتنبون نواهيه..”2.

 

وأفضل التلاوة تلك الّتي تحقّق الهدف القرآنيّ الأوّل وهو الهداية، يقول تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾3.

 

ولحصول الهداية هناك أمور ينبغي مراعاتها، أهمّها:

 

1- الإخلاص في القراءة:

من الآداب المفيدة في تلاوة القرآن الكريم الإخلاص. وقد وردت بذلك روايات كثيرة. منها ما رُوي عن الإمام الباقر عليه السلام: “قرّاء القرآن ثلاثة: رجل قرأ القرآن فاتّخذه بضاعة واستدرّ به الملوك واستطال به على الناس. ورجل قرأ القرآن فحفظ حروفه وضيّع حدوده وأقامه إقامة القدح، فلا كثّر الله هؤلاء من حملة

 

1- سورة البقرة، الآية: 121.

2- ميزان الحكمة، ج3، ص2526.

3-  سورة البقرة، الآية: 2.

 

القرآن. ورجل قرأ القرآن فوضع دواء القرآن على داء قلبه فأسهر به ليله وأظمأ به نهاره وقام به في مساجده وتجافى به عن فراشه فبأولئك يدفع الله العزيز الجبّار البلاء، وبأولئك يديل الله من الأعداء، وبأولئك ينزّل الله الغيث من السماء، فوالله لَهؤلاء في قرّاء القرآن أعزّ من الكبريت الأحمر”4.

 

2- التدبّر في القرآن‏:

قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾5.

فالقراءة الّتي لا تدبّر فيها لا خير فيها. قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾6.

 

وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: “إنّي لأعجب كيف لا أشيب إذا قرأت القرآن”7.

 

وجاء عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال: “ألا لا خير في علم ليس فيه تفهّم، ألا لا خير في قراءة ليس فيها تدبّر، ألا لا خير في عبادة ليس فيها تفقّه”8.

 

وعنه عليه السلام أنّه ذكر جابر بن عبد الله ووصفه بالعلم، فقال له رجل: جُعلت فداك، تصف جابراً بالعلم وأنت أنت؟ فقال عليه السلام: “إنّه كان يعرف تفسير قوله تعالى: إنّ الّذي فرض عليك القرآن لرادّك إلى معاد..”9.

 

وعن الزهريّ قال سمعت عليّ بن الحسين عليه السلام يقول: “آيات القرآن خزائن العلم، فكلّما فتحت خزائنه فينبغي لك أن تنظر فيها”10.

 

4-  أصول الكافي، ج2، ص604.

5- سورة محمد، الآية:24.

6- سورة الحديد، الآية: 16.

7-ميزان الحكمة، ج3، ص2532.

8-بحار الأنوار، ج2، ص49. 

9- قريب منه في تفسير القمي، ج2، ص147.

10- بحار الأنوار، ج92، ص219. 

 

3- التفكّر:

من الآداب المهمّة لقراءة القرآن التفكّر. وقد كثرت الدعوة إلى التفكّر في القرآن الشريف.

 

قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾11.

وقال تعالى: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾12.

 

إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة.

 

والروايات أيضاً في التفكّر كثيرة، فقد نُقل عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لمّا نزلت الآية الشريفة: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ﴾13.

 

قال صلى الله عليه وآله وسلم: “ويلٌ لمن قرأها ولم يتفكّر فيها”14.

 

4- التأثّر والخشية:

قال تعالى: ﴿قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُواْ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا* وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً  * وَيَخِرُّونَ خُشُوعًا﴾15.

 

وهذه أحوال المستمع لتلاوة القرآن المتدبّر فيه فكيف بمن يتلوه بنفسه؟

 

قال تعالى: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾16.

 

5- البكاء والحزن‏:

فقد ورد عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: “من قرأ القرآن ولم يخضع لله ولم يرقّ قلبه ولا يكتسي حزناً ووجلاً في سرّه، فقد استهان بعظيم شأن الله تعالى، فانظر كيف تقرأ كتاب ربّك ومنشور ولايتك، وكيف تجيب أوامره ونواهيه وكيف تمتثل حدوده؟”17.

 

11-سورة النحل، الآية: 44. 

12-سورة الأعراف، الآية: 176. 

13-سورة آل عمران، الآية: 190.

14- زبدة البيان، المحقّق الأردبيلي، ص140.

15- سورة الإسراء، الآيات: 107 ـ 109. 

16-سورة الحشر، الآية: 21.  

17-البحار، ج82، ص43.

 

وورد في الخبر: “اقرأوا القرآن بالحزن”18.

 

وفي نهج البلاغة: “الله الله في القرآن لا يسبقكم بالعمل به غيركم”19.

 

والقرآن كلام الحقّ ومن الأدب حين نقرأ هذا الكلام أن نكبره ونعظّمه؛ فلا نستهين بأوامره ونواهيه وإنذاره ووعيده وما ينبى‏ء عنه من حقائق وأسرار.

 

فإنّ عظمة الله تعالى وقدرته المطلقة تجلّت لعباده في القرآن الكريم. ومن كمال الأدب ونحن نقرأ القرآن أن نستحضر الحزن في قلوبنا والدمعة في عيوننا، والخوف والشفقة في نفوسنا كما هو حال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم حين كان يستمع إلى القرآن الكريم، فقد كانت عيناه تفيضان بالدمع. وكان صلى الله عليه وآله وسلم يقول: “ما من عين فاضت من قراءة القرآن إلّا قرّت يوم القيامة”20.

 

ومن لم يجد في نفسه خشية وانكساراً فليتباكَ لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: “اقرأوا القرآن وابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا”21.

 

وعن أمير المؤمنين في وصف المتّقين “يُحزنون به أنفسهم ويستثيرون به دواء دائهم فإذا مرّوا بآية فيها تشويق ركنوا إليها طمعاً، وتطلّعت نفوسهم إليها شوقاً، وظنّوا أنّها نُصب أعينهم، وإذا مرّوا بآية فيها تخويف أصغوا إليها مسامع قلوبهم وظنّوا أنّ زفير جهنّم وشهيقها في أصول آذانهم”22.

 

6- التطبيق:

ومن الآداب المهمّة لقراءة القرآن الّتي تنيل الإنسان نتائج كثيرة واستفادة غير محدودة: التطبيق.

 

فمن أراد أن يأخذ من القرآن الشريف الحظّ الوافر فلا بدّ له أن يطبّق كلّ آية شريفة على حالات نفسه حتّى يستفيد استفادة كاملة، مثلاً يقول تعالى: ﴿إِنَّمَا

 

18-ميزان الحكمة، ج3، ص2528. 

19-نهج البلاغة، ج3، ص77.

20-ميزان الحكمة، ج3، ص2529.

21- الأمالي، السيد المرتضى، ج1، ص25.

22- نهج البلاغة، خطبة المتقين، ج2، ص161. 

 

الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾23.

 

فلا بدّ للسالك أن يلاحظ هذه الأوصاف الثلاثة منطبقة عليه، وهل قلبه يَجِلُ إذا ذُكر الله ويخاف؟ وإذا تُليت عليه الأيات الشريفة هل يزداد إيماناً في قلبه؟ وهل اعتماده وتوكّله على الله تعالى أم أنّه محروم من ذلك؟

 

فإذا كان محروماً فليسعَ لتحصيل هذه الصفات. وهكذا كلّ آية يمرّ عليها يطبّقها خارجاً، فالقرآن كتاب تطبيق لا كتاب ترتيل فحسب.

 

فكما أنّ خُلُق الرسول كان القرآن، فينبغي على القارئ المؤمن أن يكون خُلُقه القرآن.

 

القرآن يخاطبنا

وعلى كلّ مؤمن أن يستصحب في وعيه دائماً أنّ قضايا القرآن ومفاهيمه ومواعظه ليست من قضايا الماضي الّذي كان، إنّما هي قضيّة اللّحظة وكلّ لحظة، إنّها قضيّتنا نحن، والخطاب فيها هو لنا نحن بالذّات لا لقوم آخرين كانوا، أو لغيرنا، بل لنا ولكلّ فرد فينا. وينبغي أن يستشعر القارىء للقرآن أنّه هو المخاطَب بالذّات وأنّ القرآن ليس كتاب مطالعة يقرأ فيه عن عصر من التاريخ فات.

 

وعندما يتفكّر القارئ للقرآن في كلّ آية من آياته الشريفة ويطبّق مفادها على حاله ونفسه فإنّه يرفع نقصانه بواسطة هذا التطبيق ويشفي أمراضه به. فعندما يقرأ مثلاً قصّة إبليس وطرده من مقام القرب مع تلك السجدات والعبادات الطويلة ويتساءل لماذا كان ما كان؟ يجد أنّ مقام القرب الإلهيّ هو مقام المطهّرين، ومع التلبّس بالأوصاف والأخلاق الشيطانيّة لا يمكن القدوم إلى ذلك القرب، فيبادر إلى التخلّص منها ليحصّل مقامَ القرب، بحيث نشعر دائماً بحياة القرآن وأنّه حيّ دائماً، ليهب الحياة إلى قلوبنا وتصير أرواحنا معلّقة بعزّ قدس الله تعالى.

 

23-سورة الأنفال، الآية: 2. 

 

شاهد أيضاً

IMG-20140114-WA0019

الاكتفاء بما روي في أصحاب الكساء

(شَجَاعة رَسُول اللَّه(ص)) 69 – أخْبَرَنا أَبُو بكر مُحَمَّد بن الحُسَين بن المزرفي، نا أَبُو ...