الرئيسية / مقالات اسلامية / عقيدتنا / بحوث في ولاية الفقيه – وحدة الولاية وتعددها
00

بحوث في ولاية الفقيه – وحدة الولاية وتعددها

الدرس الخامس عشر: وحدة الولاية وتعددها (1)

 

لم نكن مبتلين قبل غيبة صاحب الأمر عجل الله فرجه الشريف الموضوع وحدة الولاية والإمامة او تعددها، ولم تكن هناك أزمة عملية على هذا الصعيد، كما أنه لا أزمة فكرية لدينا حول هذا الموضوع باعتبار أن الإمام في المعتقد الشيعي إمام لجميع المسلمين وإن تخلف عنه الكثيرون لأسباب ليس هنا محل ذكرها.

 

ورغم وجود أكثر من معصوم في الزمان الواحد وأحياناً أكثر من معصومين، فإن الإمامة لم تكن إلا لواحد، علماً أن التعدد في الإمامة المعصومة لم يكن ليشكل مشكلة لأن العصمة تمنع وقوع أي مشكلة قد تنشأ من هذا التعدد.

 

وليس الحديث في الإمامة عن أن التعدد وقع أو لم يقع، بل الحديث عن إمكانية الوقوع، فقد دلت الروايات على أنه لا يمكن أن يقع وأن الله تعالى لا يريد أي تعدد على مستوى قيادة الأمة الإسلامية، وعن هذه الروايات ما روي عن هشام بن سالم قال: قلت للصادق عليه السلام: هل يكون إمامان في وقت ؟ قال: “لا، إلا أن يكون أحدهما صامتاً مأموماً لصاحبه، والآخر ناطقاً إماماً لصاحبه، وأما أن يكون إمامان ناطقان في وقت واحد فلا”1.

1- عن البحار 25 كتاب الإمامة باب أنه لا يكون إمامان في زمان واحد.

 

والروايات بهذا المعنى كثيرة ومن الواضح أن السؤال ليس إلا عن إمكانية وجود إمامين فكان الجواب بالنفي، ولم يكن السؤال عن وجود إمامين في دائرة اجتماعية واحدة بل في الأرض كلها ولو على نحو التقسيم.

 

ونحن في زمن الغيبة لا بد وأن نسأل علماءنا ما سئل عنه أبو عبد الله عليه السلام وعلى الجميع العمل على استخراج الأجوبة عن هذا السؤال: هل يكون في عصر الغيبة للأمة أكثر من ولي أم لا يكون؟.

 

ولم يقدم العلماء جواباً واضحاً عن هذا السؤال؟ والأصح أنهم لم يسألوا هذا السؤال في الأزمنة السابقة، لأن المسألة لم تكن محل ابتلاء، وما كانوا مبتلين به كان يقتضي التعدد كالقضاء والولاية على الأيتام والقصر والمجانين وغير ذلك، إذ لا يمكن أن يكون القاضي في الأمة الإسلامية واحداً كما لا يمكن أن يكون الولي على الأيتام ونحوهم بحيث يشرف على أمورهم واحداً أيضاً، كما أنه لو احتاج مجتمع إلى فقيه يرجعون إليه في شؤونهم العامة كان من شبه المستحيل في الأزمنة الماضية ان يكون الولي واحداً لجميع المجتمعات، حيث لا سلطة، وحيث الملاحقات وصعوبة الإتصالات، فالأمور التي كانت محط أنظارهم وميسورة لهم كانت تستدعي التعدد، أو كان التعدد يفرض نفسه فلم يخطر على بال أحد منهم أن يسأل عن مورد عام يشمل جميع المسلمين كمورد الحكومة هل يكون الحاكم واحداً أو يتعدد، بسبب عدم ابتلائهم، ولذا لم يتعرضوا له في كتبهم.

 

نعم تعرضوا لمسألة الوحدة والتعدد في الأمور العادية التي أشرنا لها، أعني الولاية على الأيتام ونحوهم، وبحثوه تحت عنوان جواز مزاحمة فقيه لفقيه آخر في هذه الأمور، ولكن بحثنا مختلف جوهرياً عن تلك المسائل، لأن تلك المسائل إن كانت تقبل التعدد في المجتمع الواحد فهذه لا تقبل هذا التعدد وتلك المسائل مرتبطة بموضوعات محددة، بينما هذه المسألة تتعلق بالأمة كلها وإن كانت تلك المسائل غير ذي أثر مبار على مستوى الأمة وأوضاعها، فهذه المسألة ذات آثار مهمة، فلا نستطيع أن نستفيد مما قالوه هناك رأيهم هنا.

 

ولا ريب أن عصر الغيبة مختلف عن عصر الحضور، فإن الإمامة إن لم تقبل التعدد فهذا لا يعني أنها تعددت في عصر الغيبة، بل لا زال الإمام على الأمة واحداً، وهو وإن كان غائباً لكنه حي موجود لا ندري إن كان يتدخل أو لا يتدخل ولا نعرف كيف يتدخل إن تدخل، ولما كان الإمام موجوداً وهو واحد فليس التعدد على مستوى الحاكم غير المعصوم بذلك الأمر غير الممكن فرضه على ما سنبين.

 

ومن هنا وقع الخلاف فيما إذا كانت ولاية الفقيه شاملة للأمة الإسلامية أم تتعدد بعدد المناطق والمجتمعات والحكومات، ومن ذهبوا إلى التعدد اختلفوا في الإستدلال عليه، فمنهم من اعتبر أن أدلة ولاية الفقيه لا تحمل جواب هذا السؤال ورأوا هذا كافياً للقول بالتعدد، ومنهم من تمسك بالإطلاق في أدلة ولاية الفقيه، ومنهم من تمسك بأن دليل ولاية الفقيه عقلي لا لفظي والعقلي يسمح بالتعدد.

 

رأي الإمام القائد في الوحدة والتعدد:

 

ليس لدينا تصريح مباشر من الإمام الخميني قدس سره لنعرف ما إذا كان من أنصار القول بوحدة الولاية أم بالتعدد، ولكن لدينا تصريح من تلميذه الإمام الخامنائي قدس سرهم اختار فيه وحدة الولاية وشمولها للأمة كلها، فقد أجاب عن استفتاء حول الموضوع بما يلي:

 

“ولاية ولي الأمر إنما هي بمنزلة إمامة أئمة أهل البيت عليهم السلام غير محدودة بقوم دون قوم، وبصقع دون آخر، وذلك لشمول الأدلة الدالة على ولايته لكل من ينتحل الإسلام والإيمان من دون أي تقييد وتخصيص”.

 

المقصود من التعدد:

 

والذي يمكن أن يقصد من التعدد أحد أمرين:

 

أحدهما: أن يراد به الكثرة مع الإجتماع، بأن تكون الولاية لمجلس قيادة

 

يضم مجموعة علماء فقهاء عدول، ويكون المراد بالوحدة حينئذ انحصار الولاية بفقيه واحد تتوفر فيه الشروط.

 

وهذا المعنى من التعدد غير مقصود هنا كما أنه لا دليل ينفيه، وأدلة ولاية الفقيه لا تأباه، وإن كان يمكن المناقشة في مدى صوابية جعل الولاية لمجلس قيادة ومدى فاعليته على الصعيد العملي بما يتلاءم مع الأهداف.

 

ثانيهما: أن يراد به الكثرة من دون اجتماع، بمعنى أن يكون كل واحد منهم ولياً فعلياً مستقلا عن الآخر، وهذا المعنى له صورتان:

 

الأولى: أن يكون كل منهم ولياً فعلياً في دائرة اجتماعية واحدة كبيرة كانت الدائرة أو صغيرة، بمعنى أنه لو اجتمع في بلد واحد عدة فقهاء عدول أكفاء فإنهم بأجمعهم يكونون ولاة فعليين في تلك الدائرة، ويكون معنى الوحدة حينئذ أن الولاية في الدائرة الواحدة لا يمكن أن تكون على نحو الإستقلال إلا لواحد أو مجلس موحد سواء كانت هناك حكومة أم لم تكن.

 

وهذا المعنى لا يمكن قصده أيضاً إذ لا يمكن لأي عاقل أن يقبل وجود أكثر من حاكم في حكومة واحدة وأكثر من ولي في دائرة واحدة مع كون كل منهم والياً أو حاكماً بشكل مستقل عن الآخر، إذ لا نظم حينئذ ولا نظام ولا مجتمع ولا حياة اجتماعية بل هرج ومرج.

 

الثانية: أن يكون كل منهم ولياً فعلياً لكن مع تقسيم الدوائر بأن توزع المهام والمواقع ويكون كل فقيه أو مجلس فقهاء تتوفر فيه الشروط ولياً فعلياً في دائرة خاصة به فكل منهم في بلد أو مدينة أو منطقة، ويكون المراد بالوحدة حينئذ أن الولي في جميع الدوائر أي في الأمة كلها واحد أو مجلس موحد.

 

وهذا هو المعنى المطروح للنقاش في هذا الفصل.

 

إمكانية التعدد

 

علينا في البداية أن نعترف أن كلا الأمرين ممكنان، وإمكانية التعدد بالمعنى الذي ذكرناه تظهر على الأقل في فرض عدم إمكانية أن يكون هناك

 

ولي واحد لكل الأمة بأن كانت هناك عوائق تمنع من ممارسة هذا الدور، ولا بد في هذه الحال أن يوجد وليان كل منهما في منطقة تختلف عن الأخرى وإن كان أحدهما أو كلاهما يملكان أهلية قيادة الأمة بأجمعها، لكن الفرض المذكور نادر في هذه العصور مع تطور وسائل الإتصال.

 

كما يمكن فرضه في غير حال الإضطرار، إذ ليس ما يمنع في الشريعة ما دام الإمام المعصوم حياً أن يوكل أثناء غيابه مجموعة فقهاء يديرون شؤون الأمة في مواقع الحاجة وأن يتوزعوا في البلاد والأمصار ليكونوا بمثابة الولاة المعينين من قبله عليه السلام، كما هو الحال عند ظهور الإمام عليه السلام، وكما فعل أمير المؤمنين عليه السلام.

 

 

 

شاهد أيضاً

0

تأريخ القرآن – الدكتور محمد حسين الصغير

02 وحي القرآن ما برحت حياة النبي محمد صلى الله عليه واله وسلم موضع عناية ...