الرئيسية / مقالات اسلامية / الاسلام والحياة / بحوث في الحياة السياسية لأهل البيت عليهم السلام
00

بحوث في الحياة السياسية لأهل البيت عليهم السلام

 الدرس الثالث عشر: الإمام الصادق عليه السلام

 أهداف الدرس:

  1- أن يتعرّف الطالب إلى كيفيّة نشوء الحكم العبّاسيّ.

 2- أن يتبيّن الأساليب التي اعتمدها العبّاسيّون في الوصول للحكم.

 3- أن يتبيّن موقف الإمام عليه السلام من الحركة العبّاسيّة.

الدولة العبّاسيّة النشأة والأساليب

 

كان هشام بن عبد الملك يحذر وجود أبي هاشم ـ وهو من رجال بني هاشم البارزين ـ لوجود لياقات علميّة وسياسيّة عنده كانت تؤهّله للقيادة، فحاول هشام اغتياله. ولمّا أحسّ أبو هاشم بالمكيدة ضدّه احترز من ذلك فأوصى إلى محمّد بن عليّ بن عبد الله بن العبّاس بإدارة أتباعه في مقاومة الأمويّين سنة 99هـ.

 

وكانت هذه الوصيّة هي بذرة الطمع الّتي حرّكت محمّد بن عليّ بن عبد الله بن العباس ما جعلته يشعر بأنّه القائد والخليفة مستقبلاً. وكانت الفرصة سانحة في ذلك الوقت بالتبليغ لشخصه، لذا شرع في إرسال الدعاة إلى خراسان سرّاً لهذا الغرض، واستمرّ بدعوته إلى أن مات سنة 125هـ وترك من بعده أولاده وهم: إبراهيم الإمام، والسفّاح، والمنصور. وقد كان “إبراهيم الإمام” أكثر دهاءً وحنكة من أخويه فخطّط لقيام الدولة العبّاسيّّة.

 

نشط إبراهيم بالدعوة وأخذ يتحدّث بأهميّة الثورة وإنقاذ المنكوبين، وشارك البسطاء من الناس آلامهم وأخذ يعطف على المظلومين ويلعن الظالمين. وانتشر دعاة إبراهيم في بلاد خراسان وكان لهم كبير الأثر هناك. وقد تعرّضوا للقتل

 في سبيل دعوتهم ومُثّل ببعضهم وحبس بعضهم الآخر. وكان في طليعة الدعاة الأكثر نشاطاً وقوّة ودهاءً أبو مسلم الخراسانيّ….1

 

وتضمّن المنهج السياسيّ العبّاسيّ لكسب الأُمّة عدّة أساليب كانت منسجمة مع الواقع ومقبولة عند عامّة الناس، ولذا لقيت الدعوة استجابة سريعة وانضمّ المحرومون والمضطهدون إليها، ومن هذه الأساليب:

 

الأوّل, الدعوة لأهل البيت عليهم السلام : روّج العبّاسيّون أفكار الدعوة بقوّة وحرّكوا العواطف تجاهها وحاولوا إقناع الناس بأنّ الهدف من دعوتهم هو الانتصار لأهل البيت عليهم السلام الّذين تعرّضوا للظلم والاضطهاد، وأُريقت دماؤهم في سبيل الحقّ.

 

وركّز العبّاسيّون. بين صفوف دعاتهم على أنّ الهدف المركزيّ من دعوتهم هو رجوع الخلافة المغصوبة إلى أهلها، ولهذا تفاعل الناس مع شعار “الرضا لآل محمّد” ووجدوا بهذا الشعار ضالّتهم.

 

وكان يعتقد الدعاة أنّ هذه الدعوة تنبّئ بظهور عهد جديد يضمن لهم حقوقهم كما عرفوه من عدالة الإمام عليّ عليه السلام .

 

وقد حقّق هذا الشعار نجاحاً باهراً خصوصاً في البلاد الّتي كانت قد لاقت البؤس والحرمان، وكانت تترقّب ظهور الحقّ على أيدي أهل بيت النبوّة عليهم السلام .

 

الثاني, إخفاء اسم الخليفة: حيث ركّز العبّاسيّون على اسم الّذي يدعون إليه، وتكتَّموا على أمره، وأقنعوا الناس بأنّ الخليفة لا يمكن إظهار اسمه إلّا بعد زوال سلطان الأمويّين حيث يُعلن اسمُه الّذي يعرفه القادة والنقباء2.

 

الثالث, لبس السواد: كان العبّاسيون يلبسون السواد، وكانوا يرمزون به

1- الأخبار الطوال، أحمد بن داود الدينوري: 360، دار إحياء الكتاب العربي، ط 1، 1960م.

2- راجع الإمام الصادق والمذاهب الأربعة.

إلى محاربة الظالمين وإظهار الحزن والتألّم لأهل البيت عليهم السلام والشهداء الّذين لحقوا بهم. وهكذا قامت الدعوة العبّاسيّة باسمهم للانتقام من الأمويّين.

 

وتركيزاً لهذا الشعار الّذي كان له وقع بالغ في النفوس أرسل إبراهيم الإمام لواءً يُدعى الظِلّ أو السحاب على رمح طويل ـ وكان ثلاثة عشر ذراعاً ـ وكتب إلى أبي مسلم: إنّي قد بعثت إليك براية النصر3. وقد تأوّلوا الظلّ أو السحاب: بأنّ السحاب يُطبق الأرض، وكما أنّ الأرض لا تخلو من الظلّ كذلك لا تخلو من خليفة عبّاسيّ4 ، وأنّ ذلك يمثّل لواء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأنّهم ذكروا أنّ لواءه في حروبه وغزواته كان أسود!

 

اجتماع الأبواء5

 

كان الهدف من عقد هذا الاجتماع الصوريّ معرفة نوايا العلويّين من خلال اقتراح تعيين خليفة من جهة، وتهيئة الأجواء الودّيّة وإشاعة روح المحبّة والوئام بينهم وبين العبّاسيّين، وتطميناً لخواطرهم من جهة أُخرى أو على أقلّ تقدير جعلهم محايدين في هذا الصراع ليتمّ للعبّاسيّين، ما يهدفون إليه، وبذلك يقدرون على حشد ما استطاعوا من قوّة لصالحهم، فكان محلّ الاجتماع هو منطقة الأبواء.

 

وقد دُعي إلى الاجتماع كبار العلويّين والعبّاسيّين، فحضر كلٌّ من إبراهيم الإمام والسفّاح والمنصور وصالح بن عليّ وعبد الله بن الحسن وابناه محمّد ذو النفس الزكيّة وإبراهيم وغيرهم.

 

وقام صالح بن عليّ خطيباً فقال: “قد علمتم أنّكم الّذين تمدّ الناس أعينهم

3- تاريخ الطبري، م.س: 9/82.

4- الكامل لابن الأثير، م.س: 5/170 والطبري، م. س:9/85.

5- منطقة قريبة من المدينة المنوّرة.

إليهم، وقد جمعكم الله في هذا الموضع، فاعقدوا بيعةً لرجل منكم تعطونه إيّاها من أنفسكم، وتواثقوا على ذلك حتّى يفتح الله وهو خير الفاتحين”.

 

ثمّ قام عبد الله بن الحسن، فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: “قد علمتم أنّ ابني هذا هو المهديّّ فهلّموا لنبايعه”. وقال أبو جعفر المنصور: “لأيّ شيء تخدعون أنفسكم؟ ووالله لقد علمتم ما في الناس أحد أطول أعناقاً، ولا أسرع إجابة منهم إلى هذا الفتى ـ يريد محمّد بن عبد الله ـ قالوا: قد – والله – صدقت إنّ هذا لهو الّذي نعلم”. فبايعوا جميعاً محمّداً، ومسح على يده كلّ من إبراهيم الإمام والسفّاح والمنصور وكلّ من حضر الاجتماع6. وبعد أن أنهى مؤتمرهم أعماله بتعيين محمّد بن عبد الله بن الحسن خليفة للمسلمين، أرسلوا إلى الإمام الصادق عليه السلام فجاء فقال: “لماذا اجتمعتم؟” قالوا: نبايع محمّد بن عبد الله فهو المهديّّ، فقال الإمام جعفر الصادق عليه السلام : “لا تفعلوا فإنّ الأمر لم يأت بعد، وهو ليس بالمهديّّ”، فقال عبد الله، ردّاً على الإمام عليه السلام : يحملك على هذا الحسد لابني! فأجابه الإمام عليه السلام بخُلُق الأنبياء: “والله لا يحملني ذلك ولكن هذا وإخوته وأبناؤهم دونكم” وضرب بيده على ظهر أبي العباس، ثمّ قال لعبد الله: “ما هي إليك ولا إلى ابنيك، ولكنّها لبني العبّاس، وإنّ ابنيك لمقتولان”، ثمّ نهض عليه السلام ، وقال: “إنّ صاحب الرداء الأصفر ـ يقصد بذلك أبا جعفر ـ يقتله”. قال الراوي: والله ما خرجت من الدنيا حتّى رأيته قتله. وانفضّ القوم، فقال أبو جعفر المنصور للإمام جعفر عليه السلام : تتّم الخلافة لي؟ فقال: “نعم أقوله حقّاً”7.

6- مقاتل الطالبيّين، م. س: 256.

7- الخرائج والجرائح، قطب الدِّين الراوندي:2/765، المطبعة العلميّة، قم، ط 1، 1409هـ. وبحار الأنوار، م.س: 47/120، ومقاتل الطالبيّين، م. س: 256.

تحرُّك العبّاسيّين بعد اجتماع الأبواء

 

بعد أن حقّق اجتماع الأبواء غرضه وأنِسَ الحاضرون بقراره الكاذب نشط إبراهيم الإمام بالاتّجاه الآخر, ليواصل عمله بلا رجوع لأعضاء المؤتمر ولا للخليفة المرشَّح فأصدر عدّة قَرارات كعادته سرّاً.

 

منها: أنّه كتب إلى شيعته في الكوفة وخراسان: إنّي قد أمرت أبا مسلم بأمري فاسمعوا له وأطيعوا. قد أمّرته على خراسان وما غلب عليه. وكان ذلك سنة (128هـ). وكان أبو مسلم لا يتجاوز عمره التسع عشرة سنة، وكان يقظاً فاتكاً غادراً لا يعرف الرحمة ولا الرأفة، وكان ماهراً في حبك الدسائس. ودهش الجميع لتعيين أبي مسلمٍ في هذا المنصب الخطير نظراً لحداثة سنّه وقلّة تجاربه، وأبى جمع من الدعاة طاعته والانصياع لأوامره إلّا أنّ إبراهيم الإمام ألزمهم السمع والطاعة8. وقد أقدم أبو مسلم فيما بعد على إعدام جميع من عارض اختياره لقيادة هذه المنطقة.

 

أمّا ما هو الخطّ الّذي سوف يتحرّك بموجبه أبو مسلم لإعلان ثورته هناك، فقد جاء هذا الخطّ في وصيّة إبراهيم الإمام له عندما قال: “يا عبد الرحمن إنّك منّا أهل البيت فاحفظ وصيّتي. انظر هذا الحيّ من اليمن فأكرمهم، وحلّ بين ظهرانيهم، فإنّ الله لا يتمّ هذا الأمر إلّا بهم. وانظر هذا الحيّ من ربيعة فاتّهمهم في أمرهم، وانظر هذا الحيّ من مُضَرَ فإنّهم العدوّ القريب الدار، فاقتل من شككت في أمره ومن وقع في نفسك منه شيء، وإن شئت أن لا تدع بخراسان من يتكلّم العربيّة فافعل، فأيّما غلام بلغ خمسة أشبار فاقتله”9. وهذه الوصيّة تلخّص السياسة العامّة التي اعتمدها العبّاسيّون مع المسلمين.

8- الكامل في التاريخ، م.س: 4/195.

9- م.ن: 4/295.

وقد أثّر أبو مسلم الخراسانيّ في الناس لتعاطفه معهم إذ كان يتمتّع بصفات تؤهّله لهذا الموقع، فهو: خافض الصوت، فصيح بالعربيّة والفارسيّة، حلو المنطق، راويةٌ للشعر، لم يُر ضاحكاً ولا مازحاً إلّا في وقته، ولا يكاد يُقطّب في شيء من أحواله، تأتيه الفتوحات العظام فلا يظهر عليه أثر السرور، وتنزل به الحوادث الفادحة فلا يُرى مكتئباً. وعندما سئل إبراهيم الإمام عن أهليّة أبي مسلم قال: إنّي قد جرّبت هذا الأصفهانيّ، وعرفت ظاهره وباطنه فوجدته حَجَر الأرض10.

 

وفجّر الثورة هناك. وكان يبذر الشقاق بين جنود الأمويّين ليحصل الانقسام بينهم. وقد استفاد من ذلك ونجح في مهمّته. وقد انجفل الناس من هرات والطالقان ومرو وبلخ، وتوافروا جميعاً مسوّدين الثياب11.

 

وباشر أبو مسلم إبادة الأبرياء فقتل ـ فيما ينقل المؤرّخون ـ ستمائة ألف عربيّ بالسيف صبراً عدا من قتل في الحرب. وتقدّمت جيوش أبي مسلم بعد أن هزمت ولاة الأمويّين في خراسان نحو العراق ـ وهي كالموج ـ تخفق عليها الرايات السود فاحتلّت العراق. وبهذا أُعلن الحكم العبّاسيّ على يد أبي مسلم الخراسانيّ في الكوفة سنة 132هـ.

 

موقف الإمام الصادق عليه السلام من الحركة العبّاسيّة

 

التزم الإمام الصادق عليه السلام إزاء المستجدّات السياسيّة موقف الحياد، لكنّه من جانب آخر كان يتحرّك ويعمل لتوسعة دائرة الأفراد الصالحين في المجتمع. ومن هذا المنطلق أصدر جملة من التوصيات لشيعته كان من شأنها أن تجنّبهم الدخول في المعادلات السياسيّة المتغيّرة الّتي تؤدّي بنتيجتها إلى استنزاف الوجود الشيعيّ في نظر الإمام عليه السلام ، محذّراً من أساليب العنف والمواجهة لهذه المرحلة.

10- وفيّات الأعيان، لابن خلكان: 3/245، دار صادر، بيروت.

11- الأخبار الطوال، م. س: 360.

يقول الإمام الصادق عليه السلام : “اتّقوا الله وعليكم بالطاعة لأئمّتكم، قولوا ما يقولون، واصمتوا عمّا صمتوا، فإنّكم في سلطان من قال الله تعالى فيه: “وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ”12 (يعني بذلك ولد العبّاس)، فاتّقوا الله فإنّكم في هدنة، صلّوا في عشائرهم واشهدوا جنائزهم وأدّوا الأمانة إليهم”13.

 

ويمكن بلورة سيرة الإمام الصادق عليه السلام ومنهجه السياسيّ مع الأطراف الطامعة في الحكم، أو العبّاسيّين ـ الّذين كانوا يرون في الإمام الصادق عليه السلام وخطّه خطراً حقيقيّاً على سلطانهم ولو على المدى البعيد ـ من خلال المواقف التالية:

 

1ـ موقف الإمام عليه السلام من أبي سلمة الخلّال: كان أبو سلمة أحد الدعاة العبّاسيّين النشطين في الكوفة، ولعب دوراً مميّزاً في نجاح الدعوة العبّاسيّة. ولمّا أدرك أبو سلمة بعد موت إبراهيم الإمام أنّ الأمور تسير على خلاف ما كان يطمح إليه كتب إلى الإمام الصادق عليه السلام بأنّه يريد البيعة له، ولكنّ الإمام عليه السلام رفض العرض وقال: “ما لي ولأبي سلمة وهو شيعة لغيري”14.

 

وأكّد عليه السلام رفضه القاطع عندما قام بحرق الرسالة جواباً لأبي سلمة.

 

2ـ موقف الإمام عليه السلام من أبي مسلم الخراسانيّ: وهو الّذي قاد الانقلاب على الأمويّين في خراسان وتمّ تأسيس الدولة العبّاسيّة على يديه، كتب إلى الإمام عليه السلام يبايعه، فأجابه عليه السلام : “ما أنت من رجالي ولا الزمان زماني”15.

12- سورة إبراهيم، الآية: 46.

13- الكافي، م.س: 8/210.

14- مروج الذهب، م.س: 3/184.

15- الملل والنحل، أبو الفتح، محمّد بن عبد الكريم الشهرستاني: 1/241، دار المعرفة، بيروت، ط 2.

ولم يحدّثنا التاريخ عن أيّة علاقة بينه وبين الإمام عليه السلام ، لا عقائديّة، ولا سياسيّة، سوى لقاء واحدٍ لم يتمّ فيه التعارف بينهما أو التفاهم، وكان أبو مسلم قد سفك دماء الآلاف من الأبرياء.

 

3ـ موقف الإمام عليه السلام من العلويّين: الّذين خدعهم العبّاسيّون في اجتماع الأبواء، وبايعوا في حينه محمّد بن عبد الله المحض. وقد كان للإمام عليه السلام موقفه الواضح – الذي سبق وأشرنا إليه – في ذلك. وقد تكرّر هذا الموقف لمّا جاء عبد الله بن الحسن إلى الإمام الصادق عليه السلام مسروراً يبشّره بعرض قدّمه له أبو سلمة بعد رفضه من قبل الإمام عليه السلام ، فأجابه الإمام عليه السلام قائلاً: “يا أبا محمّد (وهي كنية عبد الله المحض)، ومتى كان أهل خراسان شيعة لك؟ أنت بعثت أبا مسلم إلى خراسان؟! وأنت أمرتهم بلبس السواد؟!..” فنازعه عبد الله بن محمّد بأنّ ولده مهديّ هذه الأمّة، فقال الإمام عليه السلام : “ما هو مهديّ هذه الأمّة ولئن شهر سيفه ليقتلنّ”، فقال عبد الله: كان هذا الكلام منك لشيء، فقال الإمام الصادق عليه السلام : “قد علم الله أنّي أوجب النصيحة على نفسي لكلّ مسلم، فكيف أدّخرها عنك فلا تمنّ نفسك الأباطيل، فإنّ هذه الدولة ستتمّ لهؤلاء وقد جاءني مثل الكتاب الّذي جاءك”16.

ولو أنّنا تأمّلنا قليلاً في هذه الكلمات التي ذكرها الإمام عليه السلام لشعرنا بمقدار الألم الذي كان يعتصر قلبه عليه السلام ممّا آلت إليه حال هذه الأمّة، بل حال أقربائه من العلويّين الذين أعمت الرياسة أبصارهم عن رؤية الحقّ ومعرفة أهله.

16- مروج الذهب، م.س: 3/184. 

خلاصة الدّرس

 

1- في العقود الأخيرة من العهد الأمويّ أخذت الأمّة تزداد قناعة بضرورة التخلّص من الحكم الأمويّ الفاسد. وكان خطّ أهل البيت عليهم السلام قد أخذ بقلوب الناس وعقولهم. ومن هنا تحرّك العبّاسيون مستغلّين هذا التوجّه لأهل البيت عليهم السلام رافعين شعار الدعوة إلى (الرضا من آل محمّد صلى الله عليه وآله وسلم)، واكتسحوا الساحة بهذا الشعار مستعملين عدّة أساليب تبليغيّة كان يستتر خلفها مخطّطو الثورة ضدّ الحكم الأمويّ. كما استطاعوا أن يقوموا بتصفية العناصر الّتي تطلب الحكم من العلويين وأتباعهم من خلال ما عرفوه في اجتماع الأبواء.

 

2- كان موقف الإمام الصادق عليه السلام سلبياً وصريحاً وكاشفاً عن عدم طمعه في الحكم، وعدم توجّهه إلى الخلافة، ومخبراً بوصول الحكم إلى العبّاسيّين.

 

3- لم يتدخّل الإمام الصادق عليه السلام في شؤون الحكم العبّاسيّ لا من قريب ولا من بعيد، ولم يستجب لأيّ واحد من العروض الّتي عرضت عليه قبل انتصار العبّاسيّين وبعده.

 

 

 

الدرس الرابع عشر: الإمام الصادق عليه السلام ودولة العبّاسيّين

 

أهداف الدرس:

 
 1- أن يتبيّن الطالب تحدّيات السلطة لمرجعيّة الإمام عليه السلام .

 2- أن يستذكر إجراءات الإمام عليه السلام لضمان المسيرة.

 3- أن يتعرّف إلى موقف الإمام عليه السلام من بعض الاعتقادات الخاطئة.

 

 

تحدّيات السلطة لمرجعيّة الإمام عليه السلام الصادق الدينيّّة

 

اتّجه الناس إلى الإمام الصادق عليه السلام والتفّوا حوله، لا سيّما أثناء وجوده المبارك في “الحيرة”، المدينة القريبة من الكوفة، فاجتمعوا عنده لينهلوا من علومه ويستفيدوا من توصياته وتوجيهاته، حتّى قال محمّد بن معروف الهلاليّ: مضيت إلى الحيرة إلى جعفر بن محمّد فما كان لي من حيلة من كثرة الناس فلمّا كان اليوم الرابع رآني، فأدناني…

 

وهذا الحشد الجماهيريّ الكبير الّذي يؤمن بأهليّة الإمام عليه السلام وأعلميّته، والتفافه المستمرّ حول الإمام عليه السلام ، قد دفع الحكومة العبّاسيّة إلى أن تحدّ من هذه الظاهرة، لكنّ الإمام عليه السلام انطلاقاً من محافظته على مسيرة الأمّة ودفاعاً عن الإسلام، نجده قد مارس مع السفّاح (الخليفة العبّاسيّ) أسلوباً مرناً.

 

فعن حذيفة بن منصور، قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام بالحيرة، فأتاه رسول أبي العبّاس السفّاح الخليفة، يدعوه، فدعا بطمر (ثوب) أحد وجهيه أسود والآخر أبيض، فلبسه، ثمّ قال أبو عبد الله عليه السلام : “أما إنّي ألبسه، وأنا أعلم أنّه لباس أهل النار”1.

1- الكافي، م.س: 6/449.

واستمرّت إجراءات العبّاسيّين للحدّ من ظاهرة الالتفاف حول الإمام عليه السلام والاستفادة من علومه. فقد روى هارون بن خارجة أنّه كان رجل من أصحابنا طلّق امرأته ثلاثاً فسأل أصحابنا، فقالوا: ليس بشيء، فقالت امرأته: لا أرضى حتّى تسأل أبا عبد الله عليه السلام ، وكان عليه السلام في الحيرة إذ ذاك، أيّام أبي العبّاس السفّاح. قال: فذهبت إلى الحيرة ولم أقدر على مكالمته، إذ منع الخليفةُ الناسَ من الدخول على أبي عبد الله، وأنا أنظر كيف ألتمس لقاءه، فإذا سواديّ2 عليه جبّة صوف يبيع خياراً، فقلت له: بكم خيارك هذا كلّه؟ قال: بدرهم. فأعطيته درهماً، وقلت له: أعطني جبّتك هذه، فأخذتها ولبستها وناديت: مَنْ يشتري خياراً؟ ودنوت منه، فإذا غلام من ناحية ينادي: يا صاحب الخيار. فقال عليه السلام لي، لمّا دنوت منه: ما أجود ما احتلت، أيّ شيء حاجتك؟

 

قلت: إنّي ابتُليت: فطلّقت أهلي ثلاثاً في دفعة، فسألت أصحابنا فقالوا: ليس بشيء، وإنّ المرأة قالت: لا أرضى حتّى تسأل أبا عبد الله، فقال عليه السلام : “ارجع إلى أهلك فليس عليك شيء”3.

 

وهكذا انطلق العبّاسيّون من هذه النقطة لمواجهة الإمام الصادق عليه السلام والعمل على تصفيته وتجميد نشاطه لأنّهم كانوا يرون فيه البديل القويّ عنهم لاستلام الحكم على المدى البعيد، بالرغم من عدم ممارسة أيّ نشاط سياسيّ ظاهر له، وانشغاله بالفقه وعلوم الشريعة والتصدّي للتحدّيات الفكريّّة الحضاريّة آنذاك.

 

لكنّ هذا النشاط بدوره ينتهي إلى المرجعيّة الفكريّّة والعلميّّة وهي مصدر خطر للسياسة لأنّها ـ ترشّح الفرد المرجع إلى مركز الحكم فيكون قويّاً بفكره وبأنصاره، وهو تهديد حقيقيّ للحكم غير المشروع.

2- سواديّ: نسبة إلى العراق الّذي سمّي بأرض السواد أو إلى السواديّة وهي قرية بالكوفة.

3- بحار الأنوار، م.س: 47/171.

الإمام الصادق عليه السلام والمنصور العبّاسيّ

 

استولى أبو جعفر المنصور على الحكم بعد وفاة أخيه السفّاح سنة 136هـ. وعُرِف المنصور بأنّه كان خدّاعاً لا يتردّد في سفك الدماء، وكان متمادياً في بطشه مستهتراً في فتكه.4 وبمجرّد أن استلم زمام الحكم بادر إلى قتل أبي مسلم الخراسانيّ الّذي يبغضه، على الرغم من كونه القائد الأوّل للانقلاب العبّاسيّ. وكان المنصور قد أعدّ له مكيدةً وأغراه بالمجيء إلى بغداد بعد أن جرّده من كلّ مناصبه العسكريّّة.

 

ولمّا دخل أبو مسلم الخراسانيّ على المنصور قابله بقساوة بالغة، وأخذ يعدّد عليه أعماله وأبو مسلم يعتذر عن ذلك. وهنا صفّق المنصور عالياً، فدخل الحرّاس وبأيديهم السيوف فقال أبو مسلم للمنصور متوسّلاً: استبقني لعدوّك، فصاح له: “وأيّ عدوٍّ أعدى لي منك؟”. وبمثل هذا الأسلوب قد غدر بعمّه عبد الله بن عليّ, حيث أرسل إليه بعد أن كان قد أعطاه الأمان، وقتله بعد ذلك5.

 

وبالرغم من كلّ تحفّظات الإمام الصادق عليه السلام تجاه العبّاسيّين وعدم الدخول في أيّ شأنٍ سياسيّ يختصّ بهم أو يمتّ إليهم بصلة، لم يتركه المنصور العبّاسيّ حرّاً في نشاطه، بل بدأ يخطّط للتآمر على الإمام عليه السلام .

وقد مرّ مخطّط المنصور ضدّ الإمام الصادق عليه السلام ونهضته العلميّّة بشكل عامّ بثلاث مراحل:

 

الأولى: المرونة والاستفادة من جهد الإمام عليه السلام لاحتوائه ضمن سياسة الخلافة العبّاسيّة، فقد كتب إليه: لِمَ لا تغشانا كسائر الناس؟! فأجابه الإمام عليه السلام : “ليس لنا من الدنيا ما نخافك عليه ولا عندك من أمر

4- الكامل في التاريخ، م.س: 4/355.

5- تاريخ الطبري، م.س: 6/266.

الآخرة ما نرجوك له، ولا أنت في نعمة فنهنئك بها ولا تراها نقمة فنعزّيك بها”. فكتب إليه المنصور: تصحبنا لتنصحنا.

 

فأجابه الإمام عليه السلام : “من أراد الدنيا لا ينصحك، ومن أراد الآخرة لا يصحبك”.

 

قال المنصور: والله لقد ميّز عندي منازل الناس، من يريد الدنيا ممّن يريد الآخرة، وإنّه ممّن يريد الآخرة لا الدنيا6.

 

الثانية: مرحلة المراقبة لحركة الإمام عليه السلام ورصد نشاطاته للحصول على آخر المعلومات عنه ليستطيع أن يأخذ منها دليلاً للنيل من الإمام عليه السلام ، والتضييق على حركته الّتي كان يرى فيها المنصور خطراً حقيقيّاً على سلطانه.

 

وقد اتّخذ لذلك عدّة أساليب منها: أسلوب الدسّ في صفوف العلويّين وإغرائهم وجمع المعلومات عنهم، وأسلوب التضعيف والنيل غير المباشر من مكانة الإمام عليه السلام , فقد حاول المنصور أن يسلّط الضوء على بعض الشخصيّّات ليجعل منها بدائل علميّة تغطّي على الإمام عليه السلام ، وتؤيّد سياسته، وتساهم في تضعيف القدسيّة والانجذاب الجماهيريّ نحوه عليه السلام .

 

ومن ذلك: أنّه طلب إلى أبي حنيفة أن يُهيّئ له عدّة مسائل عويصة وشديدة، وأحضره مع الإمام عليه السلام إلى مجلسه، وطلب من أبي حنيفة (الّذي هيّأ أربعين مسألة) أن يُلقي على الإمام عليه السلام مسائله. قال أبو حنيفة:

 

فجعلت أُلقي عليه فيُجيبني، فيقول: “أنتم تقولون كذا، وأهل المدينة يقولون كذا ونحن نقول كذا” فربّما تابعنا، وربّما تابعهم، وربّما خالفنا جميعاً.

 

6- م.ن: 6/266.

حتّى أتيت على الأربعين مسألة، فما أضلّ منها شيئاً، ثمّ قال أبو حنيفة: أليس إنّ أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس؟!7.

 

ومن أساليب المنصور أيضاً التحذير المباشر للإمام عليه السلام لأنّه لم يطمئنّ لسياسته عليه السلام .

 

الإمام الصادق عليه السلام وثورة صاحب النفس الزكيّة

 

بعد اختلاس العبّاسيّين للحكم تألّم محمّد بن عبد الله ذو النفس الزكيّة، وأخذ يدعو الناس إلى نفسه، فاستجاب له الناس وبايعوه، وبعد ذلك أعلن ثورته في المدينة وانضمّ إليه أهالي اليمن ومكّة وقام بهم خطيباً ووضّح مظالم العبّاسيّين.

 

ولمّا علم المنصور بالثورة وجّه جيشاً بأربعة آلاف فارس بقيادة عيسى بن موسى لحرب محمّد بن عبد الله المحض الذي أُصيب على إثر ذلك بجراح أدّت إلى استشهاده وتفرّق عسكره.

وحينما سُئل الإمام الصادق عليه السلام عن موقفه من محمّد بن عبد الله ودعوته ـ قبل أن يُعلن محمّد ثورته ـ أجاب عليه السلام : “إنّ عندي كتابين فيهما اسم كلّ نبيّ وكلّ ملك يملك، لا والله ما محمّد بن عبد الله في أحدهما”8.

 

الثالثة: مرحلة الفتك بالإمام عليه السلام واغتياله كما سيأتي إجراءات الإمام الصادق عليه السلام لضمان المسيرة شدّد المنصور العبّاسيّ من مراقبته للإمام الصادق عليه السلام ، وحاول مرّات عديدة اغتياله. وحينما علم الإمام عليه السلام بنوايا المنصور وتصميمه على قتله،

7- سير أعلام النبلاء، م.س: 9/543.

8- بحار الأنوار، م.س: 26/215.

اتّخذ مجموعة إجراءات وقام بعدّة أنشطة استهدفت تهيئة الخطّ الشيعيّ لمواصلة الطريق من بعده، وبالتالي ضمان المسيرة واستمراريّتها، ويمكن إيجاز الكلام عن ذلك بما يلي:

 

النشاط الأوّل: حاول الإمام عليه السلام أن يجعل الصفّ الشيعيّ صفّاً متماسكاً في عمله ونشاطه، وركّز على الإمام الكاظم عليه السلام لقيادة الأمّة من بعده فيما لو تعرّض للقتل، وقطع الطريق أمام المنتفعين والّذين يريدون انتهاز الفرص، لأنّ إسماعيل ابن الإمام الصادق عليه السلام المتوفّى في هذه الفترة، قد قال جماعةٌ بإمامته وإنّه لم يمت ولكنّه غاب وعُرف أتباعه بالإسماعيليّة.

 

وقد التفت الإمام عليه السلام إلى هذه العقبة وحاول أن يرفعها بأساليب شتّى.

 

ومن النشاطات الّتي بذلها الإمام لمعالجة هذه المشكلة: التأكيد لصحابته على تحقّق موت ابنه إسماعيل ورفع الشكوك المحتملة حول موته في كلّ فرصة كانت تسنح لذلك.

 

فقد روى زرارة بن أعين أنّ الإمام الصادق عليه السلام دعا بمجموعة من أصحابه… حتّى صاروا ثلاثين رجلاً، فقال عليه السلام : “يا داوود اكشف عن وجه إسماعيل”، فكشف عن وجهه، فقال: “تأمّله يا داوود، فانظر أحيّ هو أم ميت؟ فقال: بل هو ميت، فجعل يعرضه على رجل رجل حتّى أتى على آخرهم فقال: اللّهم اشهد. ثمّ أمر بغسله وتجهيزه”9.

 

النشاط الثاني: رغم الحرب الباردة بين المنصور والإمام الصادق عليه السلام إلّا أنّ الإمام عليه السلام مارس بعض الأدوار مع السلطة لغرض الحفاظ على الأمّة وسلامة مسيرتها وإبقاء روح الرفض قائمة في نفوسها، مخافة أن تسبّب ممارسات المنصور حالة من الانكسار للشيعة بسبب الاستجابة لمخطّطاته الخبيثة، ومن ذلك:

9- م.ن: 47/253.

أنّه ورد أنّ أبا جعفر المنصور قال للإمام عليه السلام : إنّي قد عزمت على أن أضرب المدينة ولا أدع فيها نافخ ضرمة.

 

فقال عليه السلام : “يا أمير المؤمنين لا أجد بُدّاً من النصاحة لك فاقبلها إن شئت أوْ لا… إنّه قد مضى لك ثلاثة أسلاف: أيّوب عليه السلام ابتُلي فصبر، وسليمان عليه السلام أُعطيَ فشكر، ويوسف عليه السلام قَدَرَ فغفر، فاقتد بأيّهم شئت”. قال: قد عفوت10.

 

النشاط الثالث: ركّز الإمام الصادق عليه السلام على مبادئ إسلاميّة وممارسات إصلاحيّة في نفوس شيعته مثل مبدأ التقيّة، وكتمان السرّ، والعلاقة الفكريّّة والعاطفية بالثورة الحسينيّة لتقي هذه المبادئ والممارسات الوجود الشيعيّ من الضربات والمخطّطات الخارجيّة.

 

وأغلب الظنّ أنّ هكذا نشاط للإمام الصادق عليه السلام كان قد كثُر في أيّام المنصور لكثرة الجواسيس والعيون الّذين يرصدون حركة الإمام عليه السلام ، ممّا دفع به عليه السلام إلى أن يلجأ إلى عقد جلسات سرّية في بيته لغرض مواصلة دوره الإلهيّ مع الأمّة عن طريق حفظ النخبة الصالحة وتوجيهها وضمان تكامل مسيرتها.

 

 

 

شاهد أيضاً

a83979eb-69a6-421e-a8d2-a889ba34230b

الانوار اللامعة في شرح زيارة الجامعة

51- طأطأ كل شريف لشرفكم وبخع كل متكبر لطاعتكم وخضع كل جبار لفضلكم وذل كل ...