الرئيسية / مقالات اسلامية / الاسلام والحياة / لقد شيعني الحسين (عليه السلام)- إدريس الحسيني
IMG-20130911-WA0091

لقد شيعني الحسين (عليه السلام)- إدريس الحسيني

 

لقد شيعني الحسين (عليه السلام) الانتقال الصعب في المذهب والمعتقد

تأليف الكاتب والصحافي (المغربي ): إدريس الحسيني

في هذه الأجواء المتوترة. وعلى بساط الأحداث السياسية، وحفيف الفتن العاصفة. طرحت سؤالاً على نفسي:

لماذا هؤلاء شيعة ونحن سنة؟.

تحوَّل هذا السؤال في ذهني إلى شبح، يطاردني في كل مكان. يسلبني في كل اللحظات مصداقيته. نعم! فلا حق لي أن أزود فكري بالجديد، حتى أحسم مسلماتي الموروثة. وأسسي الاعتقادية الجاهزة. وما قيمة أفكار تتراكم على ذهني.من دون أن يكون لها أساس اعتقادي متين؟.

تجاهلت الأمر – في البداية – وتناسيته حتى أخفف عن نفسي مضاضة البحث.

بيد أن ثقل البحث كان أخف علي من ثقل (السؤال) وأقل ضغطا من ضمة الحَيرة، والشك المريب.

وقع بين يدي كتابان يتحدثان عن فاجعة كربلاء وسيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) الأمر هنا أشد مرارة من ذي قبل. إنني ولأول مرة أجد كتابا يحمل لهجة من نوع خاص. مناقضة تماما لتلك الكتب التي عكفت على قراءتها. لم أكن أعرف أن صاحب الكتاب رجل شيعي. لأنني ما كنت أتصور أن الشيعة مسلمون! فكانت تختلط عندي المسألة الشيعية بالمسألة البوذية أو السيخية.

والوضع (السني) لا يجد حرجا في أن يملي علينا ذلك. ولا يستحي من الله ولا

من التاريخ ليُـغـَذِّي نزعة التجهيل والتمويه. إنه كان يكرس هذه النظرة لدى الأفراد. ولا يصحح مغالطاتهم. وفجأة وجدت نفسي مخدوعا.

لماذا هؤلاء لا يكشفون الحقائق للناس، كما هي في الواقع؟

لماذا يتعمدون إبقاءنا على وعينا السخيف، تجاه أكبر وأخطر مسألة وجدت في تاريخ المسلمين؟

ثم لماذا لا يتأثرون بفاجعة الطف العظمى، تلك التي ماجت في دمي الحار بالأنصاف. والتوق إلى العدالة. فتدفقت بالحسرة والرفض والمطالبة بالحق الضائع في منعطفات التاريخ الإسلامي.

وطبعي الذي لا أنكره، ولن أنكره، إنني لا أحب الخادعين والجاهلين، ثم وإني لناقم على هؤلاء، وأرافعهم إلى الله والتاريخ!.

كنت في تلك الفترة صاحب بساطة عقائدية كباقي الناس. وببساطتي هذه كنت أبدو أوعاهم عقيدة.

وكنت ذا ثقافة أحادية، هي ثقافة أهل السنة والجماعة. فالجو الذي أحاط بي، هو جو الصحوة البتراء النائمة، التي انحرفت بوعيي إلى مواقع تافهة. وفجأة وجدتني ملتزما بخط لا أعرف له أساسا تاريخيا.

ولا أنكر. أنني كنت من أنصار (الهجرة والتكفير) وإنني ما أزال أحفظ عن ظهر قلب تراتيل الفريضة الغائبة!.

وفي لحظة من عمري ذهبية. طرحت على نفسي سؤالا:

(ترى، ما هو هذا الظلم الذي ما زلت كل حياتي أشكتي منه وأفرض ما

خلاله كل الأوهام على نفسي؟.

لم أجد جوابا شافيا في ذهني. سوى ما ركز في نفسي من أدبيات حركية استلهمتها من كتابات معينة. وكلمات جميلة لم أجد لها في ثقافتي الجمهورية (1) بديلا!.

سارت هذه الكلمات الفضفاضة الفارغة من مضامينها العلمية والواقعية، تدق الطبول في ذهني. حتى صرت كالمهووس، لا قرار لي.

(فاجعة الطف)!.

هذه وحدها الحدث الذي أعاد رسم الخريطة الفكرية والنقية في ذهني. إن هذا الظلم الذي أشكو منه اليوم ليس جديدا على الأمة. فلقد سبقه ظلم أكبر.

وعلى أساس هذا الظلم القديم قالت لي أفكاري إن هؤلاء الظالمين اليوم يسلكون طريقا أسسه رجالات كانوا يشكلون حجر عثرة أمام مسيرة الأئمة من آل البيت (ع) حتى إذا ورد جيل المحنة حاليا، فأراد أن ينظم مشروعا لمعارضة الظلم السياسي في الأمة على قاعدة الظلم نفسه الذي كان سببا في التمكين لهؤلاء الظلمة سؤال غريب، لكنه واقعي! (2). ترى تناقضا رهيبا بين تنزيه ظلمة الماضي وتثوير المجتمع على ظلمة الحاضر. فما الفرق بين الماضي والحاضر؟.

ثم قالوا: (إن هذا ليس دورنا الآني. فيكفي أن نحارب الاستعمار والاستكبار الخارجي وما فات مات.

قلت: هذا جميل. ولكن اعترفوا بي إذا وصححوا رؤيتكم تجاهي، ثم نتوحد في الثورة والكفاح؟.

____________

(1) – نسبة إلى (الجمهور).

(2) – كنت أتسأل لماذا أحارب هذا الظلم، وفي فقه الجماعة ما يدعمه وقد قال سعيد حوّا في إجاباته (لا نمضي بعيدا عن احتجاجات العصرة من لم يدخل في بيعة الإمام الظالم فالأمر في حقه واسع)، (أي يجوز الخروج وعكسه أيضا) لكن الأفضل له الدخول والطاعة؟!!.

إنني أكتب هذا الكلام بعد أن حاولت جهدي أن أهمش التاريخ للتوحد في المسؤولية. لقد أفسدوا علي غير مرة أمري. حتى ذلك الأمر الذي لم نكن نريد به سوى مقاومة ظلم الواقع.

كنت كلما طرحت سؤالا على نفسي، رأيت شيطانا يعتريني ويقول لي: (دع عنك هذا السؤال. فهل أنت أعظم من ملايين المسلمين الذين وجدوا قبلك.

وهل أنت أعلم من هؤلاء الموجودين حتى تحسم في هذه المسألة).

كنت أعلم أن هؤلاء الملايين لم يطرحوا هذا السؤال على أنفسهم بهذه القوة والإلحاح. وكنت أعتقد رغم ذلك أن المسألة لا تحتاج إلى شهادة أزهرية حتى نحسم فيها. إنها مسألة ظلم بواح. عرفه القاصي والداني من العالم. وهل معرفة الظلم تحتاج إلى عقلية أفلاطونية رفيعة.

ثم لماذا تقولون (ملايين المسلمين) أنا أريد أن تقولوا ملايين (من) المسلمين، هم أصحاب مذهب السنة والجماعة. لأن الخطاب الأول إذا قيل بهذا اللفظ فهو ينطوي إذا على مزاجية خاصة. هي مزاجية الإلغاء لملايين المسلمين غير أهل السنة والجماعة، وهم من الشيعة الإمامية والزيدية.. في هذا العالم.

قالوا: (لا مع ذلك فأنت صغير، ولا يجوز على أي حال شق الصف، ومخالفة الجماعة، لأن الرسول صلى الله عليه وآله يقول:

(يد الله مع الجماعة)! وإن أمتي لا تجتمع على ضلالة).

وعلى كل حال، فلم تكن هذه الاعتراضات الوسواسية بالتي تردني عن اندفاعي إلى كشف الحجاب عن الحقيقة المخبوءة. لكن شيئا حز في نفسي وهو هذه الكثرة الغالبة. لقد كبرت في عيني. وصعب علي مخالفتها. لولا أن هداني الله. بيد أن شيئا واحدا جعلني أنتصر عليها ولا أبالي. وهي عندما وجدتها جاهلة. واستحضرت (جديتي) التي ورثتها من فكر (الهجرة والتكفير) فهذا الأخير على عِلاته، علمني كيف أخالف المجتمع الجاهلي. فهذا احتياط جليل مكنني من الصمود أمام الأمواج البشرية المتدفقة. والتي ليس لها منطق في عالم الحقائق سوى كثرتها.

كنت أطرح دائما على أصدقائي. قضية الحسين المظلوم، وآل البيت (ع) لم أكن أطرح شيئا آخر. فأنا ضمآن إلى تفسير شافٍ لهذه المأسي. لأنني وبالفطرة التي أكسبنيها كلام الله جلا وعلا لم أكن أتصور، وأنا مسلم القرن العشرين، كيف يستطيع هؤلاء السلف (الصالح) أن يقتلوا آل البيت (ع) تقتيلا!

 لكن أصحابي، ضاقوا مني وعـــزَّ عليهم أن يروا فكري يسير حيث لا تشتهي سفينة الجماعة. وعــــَّز عليهم أن يتهموني في نواياي.

وهم قد أدركوني منذ سنين البراءة وفي تدرجي في سبيل الدعوة إلى الله. قالوا بعد ذلك كلاما جاهليا. لشد ما هي قاسية قلوبهم تجاه آل البيت (ع) (3).

ومن هنا بدأت القصة!.

وجدت نفسي أمام موجة عارمة من التساؤلات التي جعلتني حتما أقف على قاعدة اعتقادية صلبة. إنني لست من أولئك الذين يحبون أن يُخدعوا أو يُــنَــوَموا.

لا، أبدا، لا أرتاح حتى أجدد منطلقاتي وأعالج مُسلَّماتي! فلتقف حركتي في المواقف، ما دامت حركتي في الفكر صائبة. هنا لا أتكلم عن الأوضاع، الأخرى التي ضيقت علي السبيل. وإعلان البعض غفر الله لهم عن مواقفهم الشاذة تجاه قضية كهذه لا تحتاج إلى أكثر من الحوار!.

إن هذه الفكرة التي انقدحت في ذهني باللطف الإلهي جعلتني أدفع أكبر ثمن في حياتي. وكلفتني الفقر والهجرة والأذى. وما زادني في ذلك إلا إيمانا وإصرارا.

وتذكرت قولة شهيرة للإمام علي (ع) لما قال له أحد شيعته: إني أحبك يا أمير المؤمنين فأجابه: إذا، فأعد للفقر جلبابا!.

إن هذه الطريق، طريق وعرة. فيه تتجلى أقوى معاني التضحية. وفيه يكون الاستقرار والهناء بدعا. فأئمة هذه الطريق ما ارتاح لهم بال ولا قر لهم جنان.

لقد يُــتـِّـموا، وذُبِّــحوا، وحوربوا عبر الأجيال!.

____________

(3) وإن الواحد منهم يكفر كل حكومات مصر، لما يذكر مقتل حسن البنا، وسيد قطب. وهم يعلمون أن الذين قتلوا الحسين (ع) وآل البيت (ع) هم أشد كفرا ونفاقا، لكنهم يتأدبون معهم!.

إن قصتي مع الواقع الأمني والاجتماعي لا موقع لها في هذا الكتاب. ولكن التركيز هنا، سيكون على المسألة الشيعية، وما دار حولها من مطارحات وسجالات. لم تكن عندي يومها المراجع الكافية لاستقصاء المذهب الشيعي.

لكنني أسندت ذلك القليل الذي أملكه من كتب الشيعة بدراساتي النقدية والمعقمة، لكتب (أهل السنة والجماعة) قال لي أحد المقربين يوما:

من الذي شيعك، وأي الكتب اعتمدتها؟!.

قلت له: أما بالنسبة، لمن شيعني، فإنه، جدي الحسين (ع) ومأساته الأليمة. أما عن الكتب، فقد شيعني، صحيح البخاري والصحاح الأخرى.

قال كيف ذلك؟.

قلت له: اقرأها، ولا تدع تناقضا إلا أحصيته، ولا (رطانة) إلا وقفت عندها مليا.. إذ ذاك ستجد، بغيتك! كان لدي أخ أصغر مني، يسألني باستمرار عن التشيع. وكنت أقول له: أنت تعرف تقرأ، فعليك بالبحث الشخصي، وإذا أوقفك شيء ، ساعدتك. فأنا أضجر من أن أورث للآخرين أفكارا جاهزة. ولعله اليوم وصل!.

ويعلم الله، أنني رسخت قناعاتي الشيعية. من خلال مستندات أهل السنة والجماعة أنفسهم. ومن خلال ما رزحت به من متناقضات. وكان الكتاب أحيانا يتعرض بالشتم والسباب للشيعة. وإذا بي ازداد بصيرة ببراءتهم.

كما لا أخفي واقع روحي التي تمزقت، وهي تلهث خلف المخرج من هذه التناقضات. ويشهد الخالق وهو حسبي، أنني كنت أسهر الليالي وأنا أقرأ وأدعو الله أن يجد لي مخرجا، وكان دعائي الذي يلازمني اللهم أرني الحق حقا وارزقني اتباعه، وأرني الباطل باطلا وارزقني اجتنابه).

في يوم من الأيام لم يبق لي سوى أن أخلع جبة أهل السنة والجماعة. فلم يبق أمامي دليل واحد يسند مصداقية مذهبهم غير أن العادة قبحها الله حالت دوني وبين التغير، وما أصعب المرء وهو يتحول من مذهب لآخر، وما أشد برزخ

الانتقال الاعتقادي، لا بد لي إذا، من محفز روحي يشجعني على هذا الانتقال.

لا بد من شمَّة رحمانية، تكشف لي الغطاء عن الاختيار الرشيد.

كانت ليلة غنية بطلب الرحمان، والإلحاح عليه، لكشف هذه الغمة عني.

فلقد أوصلني عقلي إلى هذه النقطة، ولم يبق لي إلا التوسل بالخالق الجليل. في تلك الليلة، رأيت رؤية، أودعت في قلبي طمأنينة رائعة. رأيت أني قصدت بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وكانت عائشة هي من فتح علي الباب، وسألتها عن الرسول صلى الله عليه وآله فأشارت إلى أنه هناك في الغرفة. دخلت عليه صلى الله عليه وآله وهو ملقى على فراشه يتأمل السماء. اقتربت منه وإذا به ينتبه إلي، فأخذ مكانه جالسا.

وسلمت عليه، وعيني من الرهب دامعة. وكان الطعام الذي وضعه إلى صلى الله عليه وآله من جنس طعام العرب، لكنه خال من اللحم. كنت منشغلا بطرح السؤال، فأخشى أن تفوتني هذه الفرصة. فسألته عن الشيعة (4) ومآسيهم وأن هذا حتما يؤلمه. فطأطأ رأسه وقال لي: نعم يا بني، نعم.

ثم دعاني إلى الطعام.. فأكلت والدموع لما تجف من عيني.

إن الأمة التي قتلت الحسين (ع) وسبت أهله الطاهرين. لا يمكنني الثقة بها مطلقا. ولا يمكنني أن أؤول هذه الأحداث لصالح الفكر الفاسد. مثلما لا أستطيع تأويل الدم الطاهر بالماء الطبيعي. إن هذه الدماء التي سالت، ليست مياه نهرية. إنما هي دماء أشرف من أوصى بهم النبي صلى الله عليه وآله في هذه الأمة، أفقدتني الأمة الثقة في نفسها. ومهما قالوا فإنهم لن يقنعوني بأن دم الحسين (ع) لم يُـرَقْ بيد مسلمين حكموا الأمة الإسلامية. وكان تعامل أئمة السنة والجماعة معهم تعاملا حسنا!.

الأمة التي لم ترع أبناء الرسول صلى الله عليه وآله بعده، لا يمكن أن ترع سنة بعده. قل ما شئت. قل إن المسلمين في العهد الأول، اجتهدوا في قتل آل البيت (ع)

____________

(4) كانت يومها الحرب العراقية – الإيرانية على أشدها، وقد بدأ العالم جميعه يلتفت إلى إيران على أساس إنها العدو الأول. وسألته يومئذ عن الإمام الخميني (قدس سره) وعندها أقرني، مطأطأ رأسه.

وقل إن هذه الأفكار التي وردت في كتب الشيعة دخيلة، ولا حقيقة لها في التاريخ الإسلامي. لكن هل يستطيع واحد من المسلمين، من المحيط إلى المحيط، أن يدعي أن الحسين (ع) لم يمت شهيدا مظلوما بأمر من أمير المؤمنين (يزيد بن معاوية) وبفتوى رسمية من (شريح القاضي) وسيوف الجيش الأموي الحاقد.

في بيئة ترعرع فيها فكر العامة. وعلى إثر حدث فريد من نوعه في تاريخ الإسلام. هو حدث تحويل الخلافة إلى ملك عضوض (5)، حيث ينصب (يزيد بن معاوية) غصبا على المسلمين وإن العام الذي اضطر الحسن (ع) أن يتنازل عن الخلافة لمعاوية، حقنا للدماء. سمي عام الجماعة.

كلا وألف كلا. فلا أحد يستطيع ذلك. لأن التاريخ أبى إلا أن يبقى أمينا لقضايا المستضعفين ولو كره المفسدون!.

كنت وقتذاك أبحث عن شئ واحد، هو أن أتأكد من حقيقة العلاقة والتلازم بين الفكر الشيعي، والأئمة من آل البيت (ع) وهل هم فعلا مصدر هذه الأفكار؟ أو أن الفكر جديد كل الجدة، ولم يكونوا قد تداولوه في عصر الأئمة؟

شاهد أيضاً

unnamed (1)

الامثال في القران الكريم مصدرا للهداية الالهية

35) الأمثال العربية – محمد رضا المظفة - وقال عليه السلام : (المرأة ريحانة وليست ...