الرئيسية / اخبار اسلامية / أسوار الأمان في صيانة المجتمع من الإنحراف على ضوء سورة الحجرات
0

أسوار الأمان في صيانة المجتمع من الإنحراف على ضوء سورة الحجرات

37)

المعنى التفصيلي

يقول العلامة الطباطبائي رضوان الله تعالى عليه ومعنى الآية: “يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بخبر ذي شأن فتبيّنوا خبره بالبحث والفحص للوقوف على حقيقته حذر أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصيروا نادمين على ما فعلتم بهم”.

 

وقد أمضى الله سبحانه في هذه الآية أصل العمل بالخبر وهو من الأصول العقلائية التي يبتني عليه أساس الحياة الاجتماعية الإنسانية، وأمر بالتبيُّن في خبر الفاسق وهو في معنى النهي عن العمل بخبره، وحقيقته الكشف عن عدم اعتبار حجيته وهذا أيضاً كالإمضاء لما بنى عليه العقلاء من عدم حجية الخبر الذي لا يوثق بمن يخبر به وعدم ترتيب الأثر على خبره.

 

توضيح ذلك: أنّ حياة الإنسان حياة علمية يبني فيها سلوكه طريق الحياة على ما يشاهده من الخير والشر والنافع والضار والرأي الذي يأخذ به فيه، ولا يتيسّر له ذلك إلا فيما هو بمرأى منه ومشهد، وما غاب عنه مما تتعلّق به حياته ومعاشه أكثر ممّا يحضره وأكثر، فاضطّر إلى تتميم ما عنده من العلم بما هو عند غيره من العلم الحاصل بالمشاهدة والنظر، ولا طريق إليه إلا السمع وهو الخبر.

 

فالركون إلى الخبر بمعنى ترتيب الأثر عليه عملاً ومعاملة مضمونة معاملة العلم الحاصل للإنسان من طريق المشاهدة والنظر في الجملة مما يتوقّف عليه حياة الإنسان الاجتماعية توقّفاً ابتدائياً، وعليه بناء العقلاء ومدار العمل.

 

فالخبر إن كان متواتراً أو محفوفاً بقرائن قطعية توجب قطعية مضمونه كان حجّة معتبرة من غير توقّف فيها، فإن لم يكن متواتراً ولا محفوفاً بما يفيد قطعية مضمونه وهو المسمّى بخبر الواحد اصطلاحاً كان المعتبر منه عندهم ما هو الموثوق به بحسب نوعه، وإن لم يفده بحسب شخصه، وكل ذلك لأنّهم لا يعملون إلا بما يرونه علماً وهو العلم الحقيقي أو الوثوق والظنّ الاطمئناني المعدود علماً عادة.

 

 

إذا تمّهد هذا فقوله تعالى في تعليل الأمر بالتبيُّن في خبر الفاسق: ﴿أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ إلخ، يفيد أنّ المأمور به هو رفع الجهالة وحصول العلم بمضمون الخبر عند ما يراد العمل به وترتيب الأثر عليه، ففي الآية إثبات ما أثبته العقلاء ونفي ما نفوه في هذا الباب، وهو إمضاء لا تأسيس[1].

 

بحث حول الآية

العبرة بالوثوق بمضمون الخبر:

والجدير بالذكر أنّ المسألة المهمّة هنا هي الوثوق والاعتماد على الخبر ذاته، غاية ما في الأمر قد يحصل هذا الوثوق من جهة الاعتماد على الشخص المخبر تارة، وتارة من القرائن الخارجية… ولذلك فإنّنا قد نطمئن إلى “الخبر” أحياناً وإن كان “المُخبرِ” فاسقاً… فعلى هذا الأساس، فإنّ هذا الوثوق أو الاعتماد كيف ما حصل، سواء عن طريق العدالة والتقوى وصدق القائل، أم عن طريق القرائن الخارجية، فهو معتبر، وسيرة العقلاء التي أمضاها الشارع الإسلامي مبنية على هذا الأساس.

 

فما قرّرته الآية هو سُور الأمان للمجتمع فهو أدب جماعي، يُقرِّر للجماعة المؤمنة كيف يتلقّون الأنباء، فإنّهم لا يشاهدون جمعاء حضور المباشرة، اللهم الا قلة قليلة، ومن ثم تبقى الكثرة الكثيرة غائبة عن الإدراك المباشر ومن المستحيلات في الحياة الاجتماعية الاستقلال بما يشاهده الإنسان، دون استغلال لما يشاهده غيره فيشهد به، وهذه الآية كعديد أمثالها، تنهى عن الركون إلى أنباء الفاسقين إلا إذا تبيّن فيها صدق يجعله علماً كسائر العلم، الذي يعتمد عليه المؤمنون العقلاء، والعقلاء المؤمنون.

 

 

إنّ الأخذ والرفض في الأنباء ليسا فوضى دون حساب، وإنّما لكلٍّ ميزان عادل، فلا يؤخذ خبر الفاسق إلا أن يتبيّن صدقه، ولا يرفض خبر العادل إلا إن تبيّن خطأه، ثم لنا بين الأخذ والرفض وقفة لو لم يتبيّن لا صدق ولا كذب،  ليس ذكر الفاسق هنا إلا لأنه أظهر مظان الكذب، فليشمل الجاهل والناسي والساهي وأضرابهم ممن يتطرّق إلى إنبائهم خلاف الصدق وإن كانوا غير عامدين أو أنّ الفاسق يشملهم كلّهم، لأنّه خروج عما يحقّ من طاعة الله، علماً أو عملاً، نقلاً للأنباء أو تنقلاً أم ماذا، فمن يجهل صحة النبأ ثم ينقله كنبأ صادق، إنّه فاسق علمياً ولو كان زاهداً، بل وعملياً إذ لا يجوز هكذا نقل مغر لمن يتقي الله، وكذلك من ينسى أو يسهو، أو يتقبّل الأنباء دون تبيُّن، فإنّه فاسق في نقله إلا أن يُبيّن حقيقة الحال، فيتبيّن للمنقول له أنّه ينقله مراعياً شرائط الوثوق مجانباً كل جوانب الفسوق في نقله هذا النبأ، والا فتبيّنوا بغية حصول العلم والاطمئنان، مخافة: ﴿أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾”![2].

 

1- هل الآية مختصّة بالنبأ أي هل يختصّ وجوب التبيّن بالنبأ؟ بالخبر العظيم الشأن، الذي جاء به فاسق، إذا كان في اتباعه دون تبين إصابة قوم بجهالة فندم على هذه الإصابة؟

 

كما نلمح من هذه الآية، فلا يجب – إذا – تبيّن في الأخبار غير العظيمة، أو في العظيمة التي يجي‏ء بها المجهول فسقه أو عدله، أو التي يجي‏ء بها فاسق وليست فيها إصابة قوم بجهالة أم ماذا! في الحقّ إنّ آية النبأ لا تُنبئ إلا عمّا أنبأت، لكنّما الآيات في حرمة اتباع الظنّ واقتفاء ما ليس لك به علم، تُعمّم وجوب التبيُّن حتى يحصل العلم والاطمئنان أيّاً كان الخبر ومن أي، إلا إذا كان الاطمئنان – أو النوعي منه – حاصلاً بالإخبار ووجوب التبيُّن في آيتنا في مورد لا ينفي عدمه في سواه، لنزول الآية في مورد خاص بالغ الأهمية، ثم الآيات الأخرى تعمّ فلا تناحر في البين[3].

 

 

2- لماذا تحدّثت الآية عن الفاسق مع أنّ وجوب التثبُّت والتبيُّن قد تشمل غيره كما تقدّم؟.

لعلّ الآية خصّصت الفاسق لأنّه مظنّة الكذب. وحتى لا يشيع الشك بين الجماعة المسلمة في كل ما ينقله أفرادها من أنباء، فيقع ما يشبه الشلل في معلوماتها. فالأصل في الجماعة المؤمنة أن يكون أفرادها موضع ثقتها، وأن تكون أنباؤهم مصدَّقة مأخوذاً بها. فأمّا الفاسق فهو موضع الشك حتى يثبت خبره. وبذلك يستقيم أمر الجماعة وسطاً بين الأخذ والرفض لما يصل إليها من أنباء. ولا تعجل الجماعة في تصرُّف بناءً على خبر فاسق. فتصيب قوماً بظلم عن جهالة تسرُّع. فتندم على ارتكابها ما يُغضب الله، ويُجانب الحقّ والعدل في اندفاع[4]. ولعل ورود كلمة “فاسق” إشارة إلى أنّ المقولة إنّما يُنظر فيها إلى صاحبها الذي وردت منه، فإن كان من أهل الإيمان والثقة استمع لقوله، وأُخذ به، وإن كان ممّن يُتّهم، استمع إليه ووضع قوله موضع التمحيص، فلا يحكم على قوله بالردّ ابتداء، فقد يكون فى قوله صدق، أو شيء من الصدق ينتفع به المسلمون.

 

وإنّ دوافع الفاسق ومنطلقاته شيطانية فقد يكذب أو يمشي بنميم أو ينقل جانباً من الحقيقة ويسكت عن سائر الجوانب، فإذا قبلناه على علّاته فسوف نقع في أخطاء جسيمة، أبرزها إثارة الفتن في المجتمع.

 

3- من هو الفاسق؟  هو باختصار الذي تجاوز الحدود الالهية وهذا لا يمكنه أن يكون موجّهاً للأمة، ومجرّد الاستماع إلى نبأه دون تحقيق وتثبيت يجعله في مقام التوجيه.

 

إنّ مفردة “فسق” وردت في القرآن الكريم أربع وخمسون مرّة ضمن موضوعات ومصاديق مختلفة منها[5].

 

 

والنتيجة: أنّ الفسق: هو الخروج عن مقرّرات دينيّة أو عقليّة أو طبيعيّة لازمة. ومن مصاديقه: خروج العبد عن أمر الربّ، وعن طاعته، وعن الأحكام والمقرّرات الإسلاميّة، وعن المقرّرات الأخلاقيّة المسلَّمة كالحسد والبخل والتكبّر والطمع إذا كانت صريحة واضحة، وعن ضوابط طبيعيّة لازمة كما في الرطبة الخارجة عن القشر…[6].

 

[1] الميزان فى تفسير القرآن، محمد حسين الطباطبائي، ج‏18، ص 312.

[2] ينظر: الفرقان فى تفسير القرآن بالقرآن، محمد الصادقي الطهراني، ج‏27، ص 229.

[3] الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن، محمد الصادقي الطهراني، ج27، ص 230.

[4] ينظر: في ظلال القرآن، سيد قطب، ج6، ص 3342.

[5] يراجع سورة النمل، الآية 12. سورة المائدة، الآية 47. سورة النور، الآية 4. سورة العنكبوت، الآية 34. سورة المائدة، الآية 3. سورة التوبة، الآية 24.

[6] التحقيق في كلمات القرآن الكريم، حسن المصطفوي، ج9، ص 89.

شاهد أيضاً

0

أسوار الأمان في صيانة المجتمع من الإنحراف على ضوء سورة الحجرات

28) الدرس الثالث: إلتزام الأدب علامة العقل   مفاهيم محورية: - آداب المعاملة وأثره في ...