الرئيسية / اخبار اسلامية / أسوار الأمان في صيانة المجتمع من الإنحراف على ضوء سورة الحجرات
0

أسوار الأمان في صيانة المجتمع من الإنحراف على ضوء سورة الحجرات

46)

بحث حول الآية

 

ما الفرق بين الكفر والفسوق والعصيان؟

هذه أمور ثلاثة هي في مقابلة الإيمان الكامل لأنّ الإيمان الكامل المزيَّن، هو أن يجمع التصديق بالجنان والإقرار باللسان والعمل بالأركان‏.

 

عن الإمام علي عليه السلام: “سُئِلَ عَنِ الإيمان فَقَالَ: الإيمان مَعْرِفَةٌ بِالْقَلْبِ، وإِقْرَارٌ بِاللِّسَانِ، وعَمَلٌ بِالأَرْكَانِ”[1]. بيّن الإمام عليه السلام أنّ الإيمان مركّب من ثلاثة أشياء فهو كلٌّ مركّب من هذه الأجزاء وهي:

مَعْرِفَةٌ بِالْقَلْبِ: المراد بالمعرفة هنا الاعتقاد الجازم المطابق للواقع سواء أكان عن علم أم عن تقليد.

 

وإِقْرَارٌ بِاللِّسَانِ: لا بدّ من إظهار الإيمان بالقول تماماً كالعمل، لأنه عبادة للَّه، ولكي يُعرف المؤمن ويُعامل بما له من الحقّ.

 

وعَمَلٌ بِالأَرْكَانِ: أي لا بدّ أن يتجسّم الإيمان بالعمل المحسوس، وكلّ عمل ثبت حكمه بضرورة الدين فهو ركن للإيمان، كوجوب الجهاد والصوم والصلاة والحج والزكاة. ويبدو أنّ كلام الإمام محمول على الإيمان الكامل.

 

قوله تعالى: ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ﴾ وهو التكذيب في مقابلة التصديق بالجنان. والفسوق هو الكذب. وثانيها: هو ما قبل هذه الآية وهو قوله تعالى: ﴿إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ﴾، سُمّي من كذّب فاسقاً فيكون الكذب فسوقاً. ثالثها: ما ذكره بعد هذه الآية، وهو قوله تعالى: ﴿بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾ فإنّه يدلّ على أنّ الفسوق أمر قولي لاقترانه بالاسم. ورابعها: وجه معقول وهو أنّ الفسوق هو الخروج عن الطاعة على ما علم في قول القائل: فسقت الرطبة إذا خرجت، وغير ذلك لأنّ الفسوق

 

هو الخروج زيد في الاستعمال كونه الخروج عن الطاعة، لكن الخروج لا يكون له ظهور بالأمر القلبي، إذ لا اطلاع على ما في القلوب لأحد إلا لله تعالى، ولا يظهر بالأفعال لأنّ الأمر قد يترك إما لنسيان أو سهو، فلا يعلم حال التارك والمرتكب أنه مخطئ أو متعمّد، وأمّا الكلام فإنّه حصول العلم بما عليه حال المتكلّم، فالدخول في الإيمان والخروج منه يظهر بالكلام، فتخصيص الفسوق بالأمر القولي أقرب، وأمّا العصيان فترك الأمر وهو بالفعل أليق، فإذا عُلم هذا ففيه ترتيب في غاية الحسن، وهو أنّه تعالى كرّه إليكم الكفر وهو الأمر الأعظم كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾. ثم قال تعالى: ﴿وَالْفُسُوقَ﴾ يعني ما يظهر لسانكم أيضاً، ثم قال: ﴿وَالْعِصْيَانَ﴾ وهو دون الكل ولم يترك عليكم الأمر الأدنى وهو العصيان”[2]‏. وسيأتي في الآية (15) من السورة بيان معنى الإيمان والإسلام ومراتبهما.

ما الفرق بين الفضل والنعمة:

في قوله تعالى: ﴿فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. فضل الله إشارة إلى ما عنده من الخير وهو مستغن عنه، والنعمة إشارة إلى ما يصل إلى العبد وهو محتاج إليه، لأنّ الفضل في الأصل يُنبئ عن الزيادة، وعنده خزائن من الرحمة لا لحاجة إليها، ويرسل منها على عباده ما لا يبقون معه في ورطة الحاجة بوجه من الوجوه، والنعمة تنبئ عن الرأفة والرحمة وهو من جانب العبد، وفيه معنى لطيف وهو تأكيد الإعطاء، وذلك لأنّ المحتاج يقول للغني: أعطني ما فضل عنك وعندك، وذلك غير ملتفت إليه وأنا به قيامي وبقائي، فإذن قوله‏ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ‏ إشارة إلى ما هو من جانب الله الغني، والنعمة إشارة إلى ما هو من جانب العبد من اندفاع‏ الحاجة، وهذا ممّا يؤكّد قولنا فضلاً منصوب بفعلٍ مضمر، وهو الابتغاء والطلب[3].

 

ختمُ الآية بقوله‏ ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ فيه مناسبات عدة:

أوّلها: أنه تعالى لما ذكر نبأ الفاسق، قال إنْ يشتبه على المؤمن كذب الفاسق فلا تعتمدوا على ترويجه عليكم الزور، فإن

الله عليم، ولا تقولوا كما كان عادة المنافق لولا يعذبنا الله بما نقول، فإن الله حكيم لا يفعل إلا على وفق حكمته.

 

وثانيها: لمّا قال الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ﴾ بمعنى لا يطيعكم، بل يتبع الوحي، قال فإنّ الله من كونه عليماً يعلمه، ومن كونه حكيماً يأمره بما تقتضيه الحكمة فاتبعوه.

 

ثالثها: المناسبة التي بين قوله تعالى: ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ وبين قوله‏ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإيمان‏ أي حبّب بعلمه الإيمان لأهل الإيمان، واختار له من يشاء بحكمته.

 

رابعها: وهو الأقرب، وهو أنه سبحانه وتعالى قال: ﴿فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾، ولمّا كان الفضل هو ما عند الله من الخير المستغني عنه، قال تعالى هو عليم بما في خزائن رحمته من الخير، وكانت النعمة هو ما يدفع به حاجة العبد، قال هو حكيم ينزل الخير بقدر ما يشاء على وفق الحكمة[4].

 

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيه عَنْ حَمَّادٍ عَنْ حَرِيزٍ عَنْ فُضَيْلِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ الله عليه السلام عَنِ الْحُبِّ والْبُغْضِ أمِنَ الإيمان هُوَ، فَقَالَ: وهَلِ الإيمان إِلَّا الْحُبُّ والْبُغْضُ، ثُمَّ تَلَا هَذِه الآيَةَ ﴿حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾[5].

 

الراشدون: الرشد: الاستقامة على طريق الحقّ مع تصلّبٍ فيه، من الرشادة وهى الصخرة، وكل صخرة رشادة[6]. وقد مرّ أنّ الراشدين بمعنى الَّذين يقوم الرشد بهم.

 

وإذا تتبّعنا هذه الكلمة في القرآن فنجدها وردت في عدّة موارد منها أنّ الوصول إلى درجة الرشد والكمال هي هداية من الله تعالى للأنبياء ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِه عَالِمِينَ﴾[7]. قيل معنى رشده الاهتداء لوجوه الصلاح. وقيل: هو الحجج الموصلة إلى التوحيد. وقيل: النبوّة. ثم إنّ وظيفة هؤلاء إهداء الناس إلى الرشد كما في قوله تعالى: ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾[8]. وإنّ النبيّ موسى عليه السلام قد طلب من الخضر عليه السلام تعليمه ليصل إلى الرشد ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾[9]. والإيمان يُهيّء الأرضية المناسبة للرشد والرشاد ﴿وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾[10]. القرآن الكريم يهدي إلى الرشد ﴿يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾[11]. وفي هذه الآية في سورة الحجرات تبيّن أنّ أهل الإيمان الواقعي هم أهل الرشد ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾. يتبيّن من خلال هذه الآيات أنّ الرشد في القرآن الكريم، هو رشد معنوي وروحي يصل إليه الإنسان من خلال إيمانه وعلاقته بالله تعالى. وفي مجال اتباع القيادة يُبيّن القرآن أنه إن لم تكن القيادة معصومة كالنبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة عليهم السلام أو صالحة كالولي الفقيه، فإنّ الأمة ستخضع للحكم الاستبدادي وهذا معناه عدم الرشاد ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾[12]. ولكن اذا كانت القيادة معصومة والقرار يصدر منها أو صالحة وعادلة ستكون الأرضية مهيّئة للرشد وسيصل المجتمع الإيماني في ظلّ هكذا قيادة إلى رشده المطلوب ويصبح مجتمعاً راشداً.

 

[1] نهج البلاغة، خطب الإمام علي عليه السلام (تحقيق صالح)، حكم أمير المؤمنين عليه السلام، رقم 227، ص 467.

 

[2] مفاتيح الغيب (التفسير الكبير)، فخر الدين الرازي، ج 28، ص 103.

[3] مفاتيح الغيب (التفسير الكبير)، فخر الدين الرازي، ج 28، ص 103- 104.

[4] (م.س)، ص 104.

[5] الكافي، الكليني،ج 2، باب الحب في الله والبغض في الله، ح5، ص 125.

[6] تنزيل الآيات على الشواهد من الأبيات، شرح شواهد الكشاف، محب الدين الأفندي، ص 388.

[7] سورة الأنبياء، الآية 51.

[8] سورة غافر، الآية 38.

[9] سورة الكهف، الآية 66.

[10] سورة البقرة، الآية 186.

[11] سورة الجن، الآية 2.

[12] سورة هود، الآية 97.

شاهد أيضاً

0

أسوار الأمان في صيانة المجتمع من الإنحراف على ضوء سورة الحجرات

20) آداب مخاطبة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بين الحبط والتقوى   مفاهيم محورية: ...