الرئيسية / مقالات اسلامية / الاسلام والحياة / بداية الطريق شذرات من عبق الإمام الخامنئي دام ظله
IMG_4057

بداية الطريق شذرات من عبق الإمام الخامنئي دام ظله

روي عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُول:” جُعِلَ الْخَيْرُ كُلُّهُ فِي بَيْتٍ وَ جُعِلَ مِفْتَاحُهُ الزُّهْدَ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم: لَا يَجِدُ الرَّجُلُ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ فِي قَلْبِهِ حَتَّى لَا يُبَالِيَ مِنْ أَكْلِ الدُّنْيَا ثُمَّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام: حَرَامٌ عَلَى قُلُوبِكُمْ أَنْ تَعْرِفَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى تَزْهَدَ فِي الدُّنْيَا”.1
________________________________________

1- الكافي، الكليني، ج2، ص 128، باب ذم الدنيا والزهد فيها، ح2.

سعد بن أبي وقاص ونهب بيت المال:
المثال الثالث، هو سعد بن أبي وقّاص، الذي عُيِّنَ والياً على الكوفة. كان قد اقترضَ مالاً من بيت المال. وفي ذلك العصر لم يكن بيت المال بيد الوالي، وكانوا ينصِّبون الوالي للقيام بأمور الحكومة وإدارة شؤون النّاس، وينصِّبون شخصاً غيره للشّؤون الماليّة، وهو مسؤولٌ أمام الخليفة مباشرة.

وحينما عُيِّن سعد بن أبي وقّاص والياً على الكوفة، كان خازن بيت المال عبد الله بن مسعود، وكان صحابيّاً جليلاً. وبعد أن اقترض الأوّلُ من بيت المال بضعة آلافٍ من الدنانير- لا أَذكُرُ كم على وجه الدّقّة -، ولم يفِ بدينه ولم يردّه, طالبه ابن مسعود فلم يتيسّر له قضاؤه، فارتفع

________________________________________
4- الكامل في التاريخ، م. س، ص99.

بينهما الكلام، واشتدّ النّزاع، وكان هاشم بن عتبة بن أبي وقّاص حاضرًا، وهو من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام ، وكان رجلاً شريفًا، فقال: “إنّكما لصاحبا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، يُنْظَر إليكما”5، لا تتنازعا, وحلاّ القضيّة بينكما على نحو ما.

فخرج ابن مسعود وكان رجلاً أميناً، ثمّ استعان بأُناسٍ على استخراج المال من دار سعد – وهذا يعني أنّ المال كان موجوداً -، ولمّا علم سعد استعان بأناسٍ آخرين وطلب منهم صدّهم عن ذلك، ونتج عن مماطلة سعد بن أبي وقّاص في ردّ الأموال منازعةٌ شديدة.

فإذا كان سعد – وهو من أصحاب الشّورى الستّة – قد وصل أمره إلى هذا الحدّ بعد بضع سنوات، بحيث وصف ابنُ الأثير تلك الحادثة بالقول: “فكان أوّل ما نُزغ به بين أهل الكوفة”6، فأوّل نزاع يقع بين أهل الكوفة – بتعبير ابن الأثير – سببه رجل من الخواصّ، تغلّب عليه حبّ الدّنيا إلى هذا الحدّ، وأظهر خضوعه لها.

الوليد بن عقبة والي الكوفة, فاسق!
أما الحادثة التّالية، فهي أنّ عثمان عزل سعد بن أبي وقّاص عن الكوفة، واستعمل الوليد بن عقبة بن أبي معيط، فعيّنه حاكماً عليها. وكان الأخير من بني أُمَيَّة، ومن أقارب الخليفة. ولمّا دخلها تعجّب أهلها من تولية هذا الشّخص عليهم، لأنّه كان معروفًا بالحماقة والفساد، وفيه نزلت الآية

________________________________________
5- الكامل في التاريخ، م. س، ص82.
6- م. ن.

الشّريفة: ﴿إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾7، أي إنّ القرآن وصفه بالفاسق لأنّه جاء بخبرٍ عاد بالضّرر على بعض الناس في عهد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.

انظروا إلى المعايير والمقاييس وتَبَدُّل أحوال النّاس، فهذا الشّخص الذي سمَّاه القرآن – الذي كان النّاس يقرؤونه يوميّاً – فاسقاً، أصبح هنا والياً!

وحتّى أنّ سعد بن أبي وقّاص نفسه وعبد الله بن مسعود تعجّبا حين شاهداه قادماً إلى الكوفة والياً، وقال له عبد الله بن مسعود لمّا وقع نظره عليه: “ما أدري أصَلَحت بعدنا أم فَسدَ النّاس”. وكانت دهشة سعد بن أبي وقّاص من بُعدٍ آخر، حيث قال له: “أَكِسْتَ بعدنا أم حمقنا بعدك”؟ فأجابه الوليد: “لا تجزعنّ أبا إسحاق، كلّ ذلك لم يكن، إنّما هو المُلك يتغدّاه قوم ويتعشّاه آخرون”8، أي لا تحزن، فأنا لم أُصبح فطِناً وأنتم لستم حمقى، بل إنّ المسألة مسألة الملك.

فقد كان لتبديل الحكومة الإلهيّة والخلافة والولاية بالمُلك والملكيّة قصّة عجيبة، “يتغدّاه قوم ويتعشّاه آخرون”، فاليوم هو لذاك وغداً لغيره. فتألّم سعد بن أبي وقّاص من هذا الكلام، فهو من صحابة رسول الله، وقال له: “أراكم جعلتموها مُلكاً!”.

ذات يومٍ, سأل عمر بن الخطّاب سلمان: “أمَلِكٌ أنا أم خليفة؟” – وكان سلمان شخصيّة كبيرة ومحترمة، وهو مِن الصّحابة الكبار، ولرأيه وزنٌ -،
________________________________________
7- الحجرات، 6.
8- ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج3، ص83.

فقال له سلمان: “إن أنت جَبَيتَ من أرض المسلمين درهمًا أو أقلّ أو أكثر، ووَضَعتَه في غير حّقه، فأنت مَلِكٌ غير خليفة”9.

وعليه، فقد بَيَّنَ له المعيار، قال ابن الأثير: “فبكى عمر”، لأنّ الموعظة كانت عميقة المغزى حقّاً. فالقضيّة قضيّة خلافة، والولاية والخلافة معناها الحكومة المقرونة بالمحبّة والارتباط بالنّاس، والمقرونة بالعطف والرحمة بكافّة أفراد الشعب, وهي ليست تسلّطاً أو تحكّماً، في حين أنّ المُلكيّة لا تحمل مثل هذا المعنى، ولا شأن لها بالنّاس، فالمَلِك حاكمٌ متسلّطٌ، يفعل ما يشاء.

كان هذا مآل الخواصّ. وهؤلاء وصلت أمورهم إلى تلك الحال في بضع سنين. وهذا ما حصل طبعاً في عهد الخلفاء الرّاشدين الذين كانوا ملتفتين وملتزمين ويهتمّون بالأحكام، وقد أدركوا لسنواتٍ متماديةٍ عصر الرّسول صلى الله عليه وآله وسلم ، وصدى دعوته كان لا يزال يتردّد في المدينة، وكان شخص كعليّ بن أبي طالب عليه السلام حاضراً في ذلك المجتمع، ولكن بعد انتقال مركز الخلافة إلى دمشق، تجاوزت القضيّة مثل هكذا حديث بشكل كبير.

كانت هذه أمثلة متواضعة لما كانت عليه أحوال الخواصّ. ولو نَقّب شخصٌ في تاريخ ابن الأثير أو المصادر التاريخية الأخرى المعتبرة لدى إخواننا المسلمين، لعثر على آلاف الأمثلة من هذا القبيل.

شاهد أيضاً

IMG-20140124-WA0026

الانوار اللامعة في شرح زيارة الجامعة

17 واولي الحجى وكهف الورى وورثة الانبياء = (وأولي الحجى) كأولى العقل والفطنة وعلى الاول ...