الرئيسية / من / قصص وعبر / ومُبشِّراً برَسولٍ يأتي مِن بعدي اسمُهُ أحمد – كمال السيد

ومُبشِّراً برَسولٍ يأتي مِن بعدي اسمُهُ أحمد – كمال السيد

06هواجس الثأر
ظلّت المَناحات في مكّة تتصاعد مدة عام، تؤجّجها أحقاد الثأر، وتحرق بدخانها العيون، برزت هند زوجة أبي سفيان لتمثّل نفسية حاقدة لا تعرف سوى الانتقام بأيّ ثمن، ولم يكن موقف أبي سفيان الذي أقسم على الثأر من الإسلام إلاّ مجرد صدى لما يموج في أعماق تلك المرأة.
ومنذ معركة بدر ومكّة تغلي بالحقد، وتموج بالحميّة حميّةِ الجاهلية، وكان الهدف الأكبر الثأر في أوّل فرصة، وقد بيّت المشركون الذكرى الأُولى لبدر موعداً للتحرك.
وخلال هذه الفترة التي تبلغ عاماً وقعت حوادث لها دلالتها.
فقد تمّ تصفية كعب بن الأشرف اليهودي الذي ما انفكّ يهجو سيدنا محمّداً صلّى الله عليه وآله ويحرّض قريشاً على طلب الثأر، وبلغ استهتاره أن راح يشبّب بنساء المسلمين، وكان لتصفيته صدى كبير، فقد انكفأ اليهود على أنفسهم مذعورين.

 

 
ووقعت بعض الأعمال والتحرّكات العسكرية، حيث قاد النبيّ صلّى الله عليه وآله بنفسه دوريّة قتال إلى مضارب « بني سليم » و « غَطفان »، وهما قبيلتان كبيرتان تنتمي الأُولى إلى العدنانيين، فيما تنتسب الأُ إلى القحطانيين، وقد استوطنتا هِضاب نَجد في المناطق المُتاخمة للمدينة المنورة، وتأتي أهمّيتها كونها واقعة على طريق التجارة بين مكّة والشام، وكانت الأنباء قد تظافرت على تشكيل اتّحاد بين القبيلتين ونوايا مبيّتة لاجتياح المدينة على حين غفلة، ولم تصطدم الدورية المؤلّفة من مئة فارس اصطداماً مباشراً بالقبيلتَين اللتين فضّلتا الفرار تاركتين وراءهما 500 بعير.

 

 
وفي تلك المدّة أيضاً أغار أبو سفيان على أطراف المدينة في قوّة مؤلّفة من مئتي فارس، وقد قدّم اليهود عوناً معلوماتياً عن نقاط الضعف في خطوط المدينة الدفاعية، فاستغلّ أبو سفيان الظلام، ودفع بمفرزة من فرسانه إلى أطراف المدينة، فأحرقت منزلَين ومجموعة من أشجار النخيل، كما قتلت مسلمَين.

 

 
وعندما أفاق المسلمون على هذا النبأ، أسرع النبيّ صلّى الله عليه وآله فجهّز قوة من رجاله لمطاردة المغيرين، غير أنّ أبا سفيان تمكّن من الافلات، لأن حملته مؤلّفة من الفرسان فقط، كما انّهم راحوا يتخفّفون من مؤنهم وأثقالهم بإلقاء الطعام أثناء فرارهم، حيث عثر المسلمون في طريق المطاردة على كميات كبيرة من « السويق » (20)، وقد حملت الغزوة هذا الاسم.
وتبقى سرية زيد بن حارثة أهم عمل عسكري قبل نشوب معركة أُحد.

 

 
كان زعماء قريش ـ وبعد معركة بدر ـ قد خاضوا جدلاً واسعاً حول الطريق البديل للتجارة مع الشام، فقد أسفرتْ بدر عن نتيجةٍ مفادها أن الطريق الغربية التي تسلكها قوافل قريش التجارية إلى الشام لم تَعُد آمنة، وأنّ عليهم سلوك الطريق الآخر وبالتحديد الطريق الشرقية التي تتخلل هضاب نجد، وبالرغم من صعوبة هذه الطريق وجهل تجار قريش الكامل بها، فقد عُدّت أفضل من الطريق السابقة باعتبارها طريقاً آمنة.

 

 
وأفادت أنباء الصحراء عن تجهيز قافلة تجارية بقيادة صفوان بن أُمية ومعاونة أبي سفيان، وأنّ دليل القافلة الجديد رجل نجديّ يُدعى فرات بن حيان.
جهز النبيّ صلّى الله عليه وآله حملة عسكرية قوامها مئة مقاتل، وأسند قيادتها إلى زيد بن حارثة.
وفي أحد وديان نجد دهم المسلمون القافلة وهي ترد الماء، ولم يكن أمام أبي سفيان وصاحبه إلاّ الفرار، فاستولى المسلمون على القافلة دون مقاومة، ووقع في الأسر ثلاثة من حرّاسها كان الدليل أحدهم.
وهكذا تتابعت الأحداث، حتّى إذا أطلّ شهر شوال أفادت الأنباء عن تجهيز قريش لجيش كبير قوامه ثلاثة آلاف مقاتل.

 

 
ولم تمضِ خمسة أيّام من شوال حتّى كان جيش المشركين يغادر مكّة في تجهيزٍ قتالي غاية في التنظيم، ولا ننسى أن قريش قد وفّرت أرباح القافلة التجارية التي أفلتَ بها أبو سفيان في بدر لتجهيز جيش الثأر إذا صحّ التعبير، وكانت مبالغ طائلة بلغت خمسين ألف دينار آنذاك.
ولعل في تواجد النبيّ صلّى الله عليه وآله في قرية قباء إبّان تلك الفترة يشير إلى تحسّبه للطوارئ.
وبينما كان رسول الله يتأمّل تموجات الصحراء، إذا بفارس يبدو من بعيد يحمل أنباء مكّة المثيرة (21).

* * *

 

 

فوق سفوح « أحد »
في الرابع عشر من شوال في السنة الثالثة من الهجرة شهد مسجد النبيّ صلّى الله عليه وآله مجلساً عسكرياً لمناقشة الوضع الخطير.
وكان من رأي النبيّ صلّى الله عليه وآله أن يتحصّن المسلمون في المدينة لإرغام قريش على مهاجمتها، وبهذا يمكن للمدافعين استخدام أساليب حرب الشوارع، في مكان يجهله العدو المهاجم، إضافةً إلى الاستفادة من المرأة المسلمة في مضاعفة المجهود الحربي، وقد طرح الرسول صلّى الله عليه وآله رأيه بهدوء قائلاً بأدبه العظيم:
ـ فإن رأيتم أن تُقيموا في المدينة وتدعوهم حيث نزلوا. فإن أقاموا أقاموا بشرّ مقام، وإن هم دخلوا علينا قاتلناهم.

 

 
غير أنّ الشباب المتحمّس للقتال كان يفضّل مواجهة الغزاة خارج المدينة، خاصّة أُولئك الذين لم يذوقوا حلاوة النصر في بدر.
وعندما لاحظ النبيّ صلّى الله عليه وآله أنّ الأغلبية تفضّل المواجهة خارج يثرب، نهض فدخل منزله وارتدى زيّه الحربي.
وقد شعر المسلمون أنّهم بذلك قد أرغموا النبيّ صلّى الله عليه وآله على رأي فاعتذروا منه وتركوا له اتّخاذ القرار. وعندها قال النبيّ صلّى الله عليه وآله:
ـ ما ينبغي لنبيٍّ إذا لبس « لامته » أن يضعها حتّى يحكم الله.

 

 
وقد بدا الوضع متأزّماً، سيّما وأنّ رغبة المنافقين كانت في عدم مغادر المدينة. ولعلّ في إلحاحهم على البقاء ما يفسّر رغبة النبيّ في تبنّي الرأي الذي يدعو إلى المواجهة خارج المدينة. وهكذا تحركت كتائب الجيش الإسلامي التي بلغ تعدادها ألف مقاتل.
وفي ثنيات الوداع، شاهد النبيّ كتيبة منفردة عن الجيش، فسأل عنها فأبلغوه بأنها كتيبة يهودية ترغب في مشاركة حليفها عبدالله بن أُبيّ القتال، غير أنّ النبيّ رفض ذلك بشدّة قائلاً:
ـ لا نُقاتل المشركين بالمشركين.

 

 
وفي منطقة الشوط حيث البساتين الواقعة بين جبل أُحد والمدينة حدث تمرّد خطير، اذ قرر عبدالله بن أبيّ ومعه ثلاثمئة من المقاتلين العودةَ إلى المدينة دون سبب واضح، ومهما كانت البواعث فإنّ الهدف من ذلك كان إحداث بلبلة في صفوف الجيش الإسلامي وهو على وشك الاشتباك.
وقد رأى فريق من الصحابة تأديب المتمرّدين، إلا أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله رفض ذلك.
واصل النبيّ تقدّمه بسبعمئة مقاتل لمواجهة جيش مؤلّف من ثلاثة آلاف جندي مجهّز بأفضل الاسلحة.
كان جيش المشركين قد تمركز في وادي قناة لقطع الطريق على تقدّم الجيبش الإسلامي..
قاد النبيّ قواته عبر حرّة (22) بني حارثة متّجهاً شمالاً صوب جبل أُحد، وجاعلاً جيش المشركين غرباً، حتّى وصل مدخل الوادي فعسكر بقوّاته تاركاً هضاب الجبل خلفه.

 

 
ألقى النبيّ صلّى الله عليه وآله نظرة تأمل على طبيعة الأرض وميدان المعركة فرأى في جبل « عينين » موقعاً استراتيجياً من الناحية الحربية يمكن الاستفادة منه في حماية مؤخرة الجيش الإسلامي من حركة التفاف قد يقوم بها العدو، ولهذا حرص النبيّ على احتلال الجبل.
انتخب النبيّ صلّى الله عليه وآله خمسين من أمهر الرماة، وأمرهم بالمرابطة فوق الجبل الذي يُدعى اليوم بجبل الرماة، وهو على مسافة مئة وخمسين متراً من مقرّ قيادة الجيش الإسلامي غرباً على حافة الوادي الجنوبية.

 

 
أصدر النبيّ تعليماته قائلاً:
ـ انضَحوا الخيلَ بالنبل لا يأتونا من خلفنا…
ـ احموا لنا ظهورنا لا يأتونا من خلفنا، وارشقوهم بالنبل فإنّ الخيل لا تقدم على النبل، إنّا لا نزال غالبين ما ثبتّم مكانكم.
وأردف الرسول صلّى الله عليه وآله مؤكّداً أهمية الموقع استراتيجياً:
ـ إن رأيتمونا يتخطّفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم حتّى أُرسل إليكم، وإن رأيتمونا ظَهَرْنا على القوم وأوطأناهم فلا تبرحوا مكانكم حتّى أُرسل إليكم، وإن رأيتمونا غَنِمنا فلا تشركونا، وإن رأيتمونا نُقتَل فلا تُغيثونا، ولا تدافعوا عنا.

 

 
بدأ المشركون عملياتهم بهجوم قوة من المشاة تساندها كوكبة الفرسان مستهدفة الجناح الأيسر من جيش الإسلام، وقد ارتدّ المهاجمون على أعقابهم بعد أن تعرّضوا إلى مقاومة باسلة، فقد اشترك الرماة في جبل عينين وبعض المتمركزين في سفوح جبل أُحد، والمشاة بصدّ الهجوم.
عاود المهاجمون الكرّة ثلاث مرات وكانوا يخفقون في كلّ مرّة.
وفي تلك اللحظات الحاسمة أصدر النبيّ أوامره بالهجوم المعاكس فاندفع ثقل الجيش الإسلامي باتجاه لواء المشركين بغية تحطيم معنوياتهم، وقد نجحت الخطة، إذ سُرعان ما سقط اللواء بعد معارك ضارية، وبدأت جبهة المشركين تتزلزل تحت وطأة الهجمات الإسلامية.
وهكذا دبّت الهزيمة في صفوفهم، وفرّت هند ومعها الجواري اللاتي جئن لتحريض المشركين، بعد أن رمين بالطبول والدفوف، وأصبح همّ الجميع النجاة.

 

 
وفوق جبل عينين وعلى سفوحه، بدأ صراع من نوع آخر، صراع نفسي رهيب، فالرماة الذين كانوا يراقبون سير المعركة قد شهدوا انتصار إخوانهم، وها هم يطاردون فُلول المشركين في بطن الوادي ويجمعون الغنائم، فانبعثت في الأعماق حُمّى الغنيمة، وترك أغلبهم مواقعه للحصول على ما يمكن الحصول عليه من الأسلاب، وهكذا تجسّدت بوضوح تام مقولة « أكثَرُ مصارع العقول تحتَ بُروقِ المَطامع » (23) وبالرغم من صيحات قائد الرماة وتذكيره لهم بوصايا النبيّ، إلاّ أنّ النفوس التي استولى عليها الطمع قد برّرت لهم عدم جدوى المرابطة في الجبل، سيّما وأنّ النصر بات أكيداً.

 

 

 
وفي المعسكر الآخر كان خالد بن الوليد قائد سلاح الفُرسان ينتظر مثل هذه الفرصة، فدفع بقوّاته نحو جبل عينين ليسحق ما تبقّى من مفرزة الرُّماة ويفاجئ الجيش الإسلامي بهجوم كاسح.
وأدرك المشركون أنّ الفرسان قد نفّذوا حركة التفاف ناجحة، فانقلبوا نحو المسلمين وقاموا على الفور بهجوم معاكس، وارتفع لواء المشركين مرّة .خرى، وتغيّر بذلك الموقف جذرياً.
فقدَ الجيش الإسلامي تنظيمه تماماً وتضعضعت صفوفهم، فألقوا ما في أيديهم من الغنائم وأصبح همّهم الوحيد الخلاص من الكمّاشة التي سقطوا فيها.

 

 
وفي غمرة الفوضى انتشرت شائعة عن مصرع النبيّ صلّى الله عليه وآله، فعمّت الفوضى ودبّت الهزيمة.
ثبت النبيّ صلّى الله عليه وآله في مقرّ قيادته ومعه أربعة عشر مقاتلاً فقط، وراح يقاتل ببسالة قلّ نظيرها في التاريخ، وعلت هتافاته: أنا رسول الله هلُمّوا إليّ. وكان لهذا الهتاف الأثر الكبير في تجمع بعض قوّاته، فراح يقودهم صوب مرتفعات أُحد في عملية انسحاب موفّقة، فأنقذ النبي بذلك 90% من جنوده من خطر الإبادة.

* * *

 

 

 

الدرس الكبير
لقد تعلّم المسلمون في جبل أُحد أعظم درس في الطاعة، وأيقنوا جميعاً أنّ طاعة الرسول تعني النصر، وأنّ معصيته لا تعني شيئاً سوى الهزيمة والفشل والإخفاق.
في ( أُحد ) الذي قال عنه رسول الله صلّى الله عليه وآله « جَبلٌ يُحبّنا ونُحبّه » تجلّت عذابات الأنبياء، وصبرهم ومقاومتهم. لقد استهدف المشركون قتل النبيّ، وتمركزت هجماتهم العنيفة في المنطقة التي يقع فيها مقرّ قيادته، فيما تشتت قوات المسلمين وفرّ بعضهم نحو المدينة، وفكّر البعض الآخر بإجراء مفاوضات مع أبي سفيان لاستصدار عفوٍ منه.
كما أثبت النبيّ صلّى الله عليه وآله قدرته العسكريّة الفائقة، فاستطاع بمهارة مدهشة تجميع قواته وإنقاذها من الإبادة.
وقف أبو سفيان في أدنى سفوح الجبل وصرخ:
ـ أعل هُبَل.

 

 

 
فجاء الجواب:
ـ الله أعلى وأجلّ.
ـ لنا العُزّى ولا عزّى لكم.
ـ الله مولانا ولا مولى لكم.
بالرغم من كل شيء فقد شهدت تلك البقعة من دنيا الله أعظم ملحمة إنسانية عندما صمد رجال يُعدّون بالأصابع حول الرسول، وكان همّهم حماية النبيّ صلّى الله عليه وآله بأيّ ثمن، فراحوا يتساقطون قُربه كالفراشات وكلٌّ يوصي صاحبه بالاستبسال، فلا معنى للحياة بعد النبيّ صلّى الله عليه وآله.
إنّ التاريخ ليذكر بإجلال مواقف الكثيرين منهم، وفي طليعتهم عليّ بن أبي طالب الذي راح يقاتل ببسالة حتّى سُمع صوت جبريل يدوّي في السماء:
ـ لا سيفَ إلاّ ذو الفقار ولا فتى إلاّ عليّ.

 

 

 
كما يذكر بسالة حمزة وأبي دجانة الأنصاري وسعد بن الربيع ومُصعب بن عُمير وغيرهم من الرجال الذين عاهدوا ربّهم، فمنهم من قضى نَحْبه ومنهم من ينتظر وما بَدّلوا تبديلا.
لقد فعلت الجراح البليغة، والظمأ والإعياء الشديد ونَزْف الدماء ومصرع حمزة على ذلك النحو المؤسف فعلها المأساوي، فبدا وجه آخِر الأنبياء غيمة حزينة تمطر على هون.
وبالرغم من حراجة الظروف، فقد كان هاجس النبيّ الوحيد المدينة المنوّرة، فقد يفكّر المشركون اجتياحها؛ من أجل هذا أرسل النبيّ بطل الإسلام عليّ بن أبي طالب ليراقب قوّات قريش عن كَثَب، وهل انّهم يمتطون في تحرّكهم الإبل أم الخيل، فإذا ركبوا الخيل فمعنى ذلك أنّهم يريدون الإغارة على المدينة، أمّا إذا امتطوا الإبل فإنّهم يفضّلون الانسحاب إلى مكّة.
وعندما شاهدهم عليّ يمتطون الإبل اطمأن النبيّ على الوضع في المدينة، وقال بعزم فولاذي عجيب:
ـ والذي نفسي بيده، لئن أرادوها ( المدينة ) لأُناجزنّهم.

* * *

ردّ الاعتبار
طارت الأخبار إلى المدينة عما حصل في جبل أُحد، فهبّ السكّان ولا همَّ لهم سوى السؤال عن شخص واحد هو النبيّ، وسجّلوا بذلك أعظم آيات الوفاء والحب.
وبالرغم من الحزن العميق ممّا أصاب الجيش الإسلامي الذي فقد في معركته سبعين شهيداً، فقد كانت هناك فرحة مكبوتة إثر سلامة النبيّ وعودته إلى المدينة.
وباتت المدينة تلك الليلة في حالة طوارئ قصوى، فالرجال المسلّحون يحرسون مداخلها، فقد يفكّر المشركون بالعودة لمهاجمتها في لحظة من لحظات الغرور، كما ألّف الأوس والخزرج مفرزة لحماية المكان الذي يقيم فيه النبيّ صلّى الله عليه وآله وقد انبعثت في الأعماق ذكريات ما حصل في وادي العقبة في أوّل لقاء لهم مع النبيّ صلّى الله عليه وآله.

 

 
وفي صبيحة اليوم التالي للمعركة أصدر النبيّ القائد صلّى الله عليه وآله أمراً بالاستعداد لمطاردة جيش قريش، وقد شملت الدعوة الذين اشتركوا في معركة الأمس فقط.
تحرّكت كتائب الجيش الإسلامي من جديد وسط دهشة اليهود والمنافقين، الذين ذُهلوا لحماس هذا الجيش لمطاردة العدو الذي قهرهم بالأمس.
عسكرت القوات الإسلامية في مكان يدعى: حَمراء الأسَد.
وقد فوجئ جيش المشركين الذي عسكر هو الآخر في مكان يدعى الرَّوحاء، وهو لا يبعد عن حمراء الأسدء؛ فوجئ بالنبأ الجديد، ويبدو أنّ بعض قادة الجيش في قريش قد لاموا أبا سفيان لإحجامه عن اجتياح المدينة، ولهذا عسكروا في الروحاء لتداول الرأي. وفي غمرة الجدل داهمتهم أنباء الزحف الإسلامي.

 

 

 
كان أبو سفيان يدرك تماماً أنّ انتصارهم في أُحد يعود إلى ترك الرماة مواقعَهم في جبل عينين، ولهذا فضّل عدم مواجهة المسلمين والاكتفاء بما حقّقوه من نصر.
حاول أبو سفيان إرهاب المسلمين من خلال إرساله التهديدات، ولكن الرسول صلّى الله عليه وآله تجاهل كلّ ذلك وأعلن تحدّيه، فظّل معسكِراً في حمراء الأسد ثلاثة أيّام، وكان المسلمون يوقدون النار ليلاً إمعاناً في التحدّي. وهكذا وجد أبو سفيان نفسه مُرغَماً على الانسحاب فيما أعاد المسلمون اعتبارهم وهيبتهم التي اهتزّت بشدّة قبل أيّام.

 

 
وفي كلّ الأحوال كانت معركة أُحد درساً بليغاً تعلّم المسلمون خلاله ضرورة الطاعة والانضباط، لأنّنا سنجد المسلمين فيما بعد لا يُمنَون بأيّة هزيمة على الإطلاق.
وفي هذا العام نزلت آية التحريم، وحطّم المؤمنون آنية الخمر في لحظة انتصار الإرادة والإيمان.

* * *

محاولة الاغتيال
في العام الرابع الهجري وقعت سلسلة من الحوادث التي قد تبدو من بعيد حوادث مستقلّة، غير أنّ التمعّن في بواعثها وأسبابها سيكشف عن خيط كان يربط فيما بينهما، لتُسفر فيما بعد عن نتيجة ربّما كانت الأقدار تحوكها من قبل.

 

 
بعث النبيّ صلّى الله عليه وآله أربعين رجلاً من أصحابه إلى أهل نجد من أجل تعليمهم شريعة الإسلام، فغدرت بهم قبائل من بني سُلَيم، فاضطُرّوا للقتال حتّى النَّفَس الأخير.
كما وقع حادث مؤسف آخر عندما بعث الرسول صلّى الله عليه وآله سبعةً من أصحابه أيضاً إلى القبائل الضاربة قريباً من مكّة، وفي الطريق فوجئوا بكمين نصبته لهم قبائل « هُذَيل »، فقُتل رئيس البعثة مرثد بن أبي مرثد الغَنوي وثلاثة من رجاله، وأُسر الباقون تمكّن أحدهم من الإفلات، غير أنّه مات في الطريق متأثّراً بجراحه، فيما بِيع الاثنان إلى قريش فنَفّذتْ فيهما حكم الإعدام.

 

 
وبالطبع فإنّ هذين الحدثَين ينمّان عن استخفاف القبائل العربية بالمسلمين كنتيجة طبيعيّة لما حصل في « أُحد ». فمن مجموع سبعة وأربعين رجلاً لقوا مصرعهم في حادثتَي غدر جبانتَين لم يَنجُ سوى شخص واحد وهو عمرو بن أُمية الضَّمري، وقد أقدم هذا الأخير بعد أن نجا من تلك المذبحة على الثأر من بني عامر، فقتل من أفرادها اثنين دون أن يعلم أنّ الرسول صلّى الله عليه وآله كان قد أعطى لهما عهداً.

 

 
ووفاءً بالعهد قرّر النبيّ دفع دِيةَ هذين الرجلين إلى أهلَيهما، وهكذا بدأت الحوادث تأخذ منحى آخر؛ ذلك أنّ معاهدةً سارية المفعول تُلزم يهود « بني النَّضير » بمشاركة المسلمين في دفع مثل هذه التعويضات، وهكذا توجّه الرسول صلّى الله عليه وآله بنفسه ومعه وفد يضمّ كبار الشخصيات الإسلامية إلى حصون بني النضير.
تظاهر اليهود بالترحيب بالوفد قائلين:
ـ نعم يا أبا القاسم، نُعينك على ما أحببت.

 

 
وفي تلك اللحظات وبسبب الطبيعة اليهودية وُلدت مؤامرة دنيئة.
كان النبيّ جالساً في ظلال الحصن ينتظر وفاء اليهود، غير أنّ هذه الطائفة من البشر التي تشرّبت الغدر جيلاً بعد جيل، قد استفزّها حضور النبي وحيداً ففكّروا باغتياله.
برقت العيون حقداً وتهامس المتآمرون فيما بينهم، وكانت الفكرة إلهاء النبي ورجاله ريثما يتسلّق ( ابن جحاش ) أسوار الحصن ويقوم بدحرجة رَحى الطاحون، ثم دفعه إلى حيث جلس النبيّ صلّى الله عليه وآله، وهكذا سوّلت لهم أنفسهم.
وأدرك النبيّ أنّ الأمور تجري بشكل غير طبيعي، فغادر الحصون عائداً إلى المدينة.
ومن هناك وجّه النبيّ صلّى الله عليه وآله إنذاراً بالجلاء عن المدينة، وأمهلهم عشرة أيّام.
ويبدو أنّ اليهود قد ذُهِلوا لهذه المفاجأة، وبدأوا على الفور استعدادتهم للرحيل؛ وهنا يتدخّل المنافقون لتفجير الوضع، وذلك بتحريض اليهود على رفض الإنذار واعِدين إيّاهم بتقديم العَون إذا اقتضى الأمر.
وهكذا رفض بنو النَّضير الإنذار، لا سيّما وقد انضمّ إليهم بنو قُرَيظة، وبدأت الاستعدادات العسكرية في حفر الخنادق وإقامة المَتاريس ونقل الحجارة إلى سطوح المنازل، وتخزين كميّات كبيرة من الطعام تكفي لمدة عام.

 

 
وفي المدينة أعلن النبيّ حالة النفير العام، وأصدر أمراً بالزحف نحو معاقل الغدر.
أقام النبيّ مقرّ قيادته في مكان قريب من الحصون، فصبّ اليهود وابلاً من السهام مستهدفين خيمة القائد، واستُدعي « عزوك » أحد رماة اليهود المشهورين لتحقيق أحلامهم بتصفية النبيّ صلّى الله عليه وآله. وبدأ هذا اليهودي بتوجيه السهام نحو الخيمة، وراحت سهامه تتساقط قريباً منها.
قرر المسلمون نقل مقر القيادة بعيداً عن مرمى السهام.
وقد وقع عزوك هذا فيما بعد في كمين نصبه له عليّ بن أبي طالب، فقُتل وقتل معه أفراده العشرة.
وانهارت مقاومة اليهود بعد عشرين يوماً من الحصار، فأرسلوا مندوبهم إلى النبيّ للتفاوض بشأن الجلاء.
وتم الاتّفاق خلال المفاوضات على ما يلي:
ـ جلاء يهود بني النَّضير عن يثرب جلاءً تاماً.
ـ تسليم كافة أنواع الأسلحة.

 
ـ لليهود الحقّ فيما يمكنهم حمله من الأموال مهما كانت قيمتها أو نوعها.
ـ يتعهّد المسلمون لبني النضير بسلامة أرواحهم ما داموا في المناطق الخاضعة للنفوذ الإسلامي.
وبعد الإعلان عن الاتّفاق، شرع اليهود بتخريب بيوتهم وتحويلها إلى أنقاض، وحملوا معهم أموالاً حتّى ناءت بها ستّمئة بعير، وارتدَوا أفخر ثيابهم، وحاولوا تغطية هزيمتهم بضرب الدفوف ونفخ المزامير يتقدمهم حُيَيّ بن أخطَب وغيره من زعمائهم.

 

 
وبجلاء بني النضير لم يبقَ من اليهود سوى قبيلة بني قُرَيظة. وبالطبع لم يفِ المنافقون بوعودهم، ونزلت آيات السماء تفضحهم وتُبارك نصر الإسلام.
ويبقى الشعور بالرعب ـ الذي يعدّ نتيجة طبيعيّة للخيانة والغدر ـ العامل الأساس في انهيار بني النضير وخروجهم المذلّ.

 

 
ـ هو الّذي أخرَجَ الذين كَفَروا مِن أهل الكتاب مِن دِيارهم لأوّلِ الحَشر ما ظَنَنْتُم أن يَخرُجوا وظَنُّوا أنّهم مانِعَتُهُم حُصونُهم مِن الله، فأتاهُمُ اللهُ مِن حيثُ لم يَحتَسِبوا وقَذَف في قُلوبِهمُ الرُّعبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بأيديهِم وأيدي المؤمنينَ فاعتَبِروا يا أُولي الأبصار .
وبالطبع لم يعتبر المنافقون ولا يهود بني قريظة، لأننا سنجدهم يواصلون تآمرهم وغدرهم، وقد بلغت الذروة في أضخم مؤامرة يهودية ضد الإسلام، وذلك في العام الخامس الهجري.
ولا ننسى أن نُشير إلى أنّ العام الرابع الهجري شهد ميلاد الحسين بن عليّ السبط الثاني لسيّدنا محمّد صلّى الله عليه وآله بعد الحسن بن عليّ، وبهذا تبلور بشكل واضح مفهوم أهل البيت عليهم السّلام الذي ضمّ ـ اضافة إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله ـ ابنتَه وصِهره وسِبطَيه.
«« الصفحة السابقة 1

شاهد أيضاً

[ يا أَيُّها الصَّدْرُ الشَّهِيدُ الْبَطَلُ ] – قصيدةٌ من ديوان السّباعيّ الذّهبيّ في الشّعر العربيّ

[ يا أَيُّها الصَّدْرُ الشَّهِيدُ الْبَطَلُ ] – قصيدةٌ من ديوان السّباعيّ الذّهبيّ في الشّعر ...