الرئيسية / منوعات / قصص وعبر / ومُبشِّراً برَسولٍ يأتي مِن بعدي اسمُهُ أحمد – كمال السيد
0000

ومُبشِّراً برَسولٍ يأتي مِن بعدي اسمُهُ أحمد – كمال السيد

07 عام الحسم
تعدّ السنة الخامسة من الهجرة سنة للحسم، فقد واجه المسلمون فيها أكبر تحدٍّ استهدف الإسلام من الجذور، وذلك عندما شهدت الجزيرة العربية أضخم تجمّع قبلَيّ لغزو المدينة، حيث لعب اليهود دوراً قذراً في تحريض قبائل عربية عديدة وإقناعها باجتياح المدينة.
وقد سبق هذه الحادثة وقائع عديدة، فعلى الصعيد التشريعي فرض الله سبحانه الحجّ على المسلمين ما استطاعوا إليه سبيلاً، كما تمّ زواج زيد بن حارثة من زينب بنت جحش بقضاء إلهي، ثمّ حدث الطلاق، حيث أقدم النبيّ صلّى الله عليه وآله فيما بعد على الزواج من ابنة عمته هذه، في خطوة لتحطيم عُرفٍ جاهلي كان سائداً آنذاك.

* * *

الأحزاب
ظل الصراع التقليدي بين قريش والمسلمين في مستواه، فيما نشهد تصاعد الحقد اليهودي ليتخذ أشكالاً خطيرة جداً، غير أن اليهود وحتّى العام الخامس الهجري لم يتمكّنوا من القيام بعمل حربي كبير، بل اقتصر نشاطهم على التآمر والدسّ ومحاولة تمزيق وحدة الصفّ الإسلامي، وذلك من خلال توظيف المنافقين لتحقيق مآربهم الدنيئة.
وبعد جلاء بني النَّضير عن المدينة توجّه حُيَيّ بن أخطب إلى « خيبر » يحمل معه حقده وعقده النفسية تجاه الإسلام ورسوله.
ويمكن القول أن غزوة الخندق إنّما هي مؤامرة يهودية وُلدت في حصون خيبر، وأنّ حُيَيّ بن أخطب يُعتبر العقل المدبّر لأضخم عملية عسكرية كادت أن تعصف بالإسلام.
في مطلع شهر شعبان في السنة الرابعة للهجرة، أي بعد مرور أربعة أشهر على جلاء بني النَّضير، غادر وفد يهودي بزعامة حُيَيّ بن أخطب حصون خيبر متجهاً إلى مكّة لمناقشة فكرة الغزو.
وقد تحمست قريش لمخطّط الغزو، سيّما وقد فكّر له اليهود وأسهموا في تمويله مع كونهم أصحاب كتاب سماوي، ممّا يمنح المسألة بُعداً دينياً، وقد بلغت سفالة الوفد أن أبا سفيان عندما سألهم قائلاً:
ـ يا معشر يهود، إنّكم أهل كتاب وأعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمّد، أفَدِيننا خيرٌ أم دينه ؟
فأجابوا بكلّ خسّة ووقاحة:
ـ بل دينكم خيرٌ من دينه، وأنتم أولى بالحقّ منه.
لقد بلغ حقدهم أن فضّلوا الوثنيّة على ديانةٍ تدعو إلى عبادة الإله الواحد الأحد.
غادر الوفد اليهودي مكّة إلى مضارب غَطفان في بادية نجد للقاء عُيَينة بن حصن الفزاري زعيم أكبر تجمّع قبليّ في الجزيرة العربية.
وكان الفزاري هذا يتميز بالغِلظة والجفاء إضافة إلى حَماقة، ورغم كلّ هذا فقد كان السيّد المطاع في غطفان..

ولم يصرف الوفد وقتاً طويلاً في إقناع زعيم غطفان بفكرة الغزو، سيّما وأنّ فكرة اجتياح المدينة ونهبها كانت حُلماً لمعظم القبائل العربية منذ مأساة أُحد.
وأسفرت المفاوضات عن اتّفاق يقضي بالتزام غطفان بتجنيد ستة آلاف محارب مقابل تقديم اليهود ثمن محصول خيبر من النخيل لسنة واحدة.
أبلغ الوفد زعماء مكّة بتفاصيل الاتّفاق من أجل التنسيق بين قوّات الأحزاب؛ وعمّت قريشاً موجةٌ من الفرح الممزوج بالحقد والانتقام.
وهكذا اندمج الخبث اليهودي والحقد القرشي والأطماع الغطفانية ليُسفر عن جيشٍ كبير بلغ تعداده عشرة آلاف مقاتل.
كانت المعلومات التي حصل عليها النبيّ صلّى الله عليه وآله تؤكّد بشكل جازم عن نيّة الاتّحاد الثُلاثي ـ إذا صحّ التعبير ـ في احتلاله المدينة، فاتّخذ الرسول صلّى الله عليه وآله إجراءات سريعة بعقد اجتماع عسكري ضمّ الشخصيات الإسلامية البارزة لمواجهة التحدّي الجديد.
ولما كانت قوّة الغزو ضخمة بشرياً، فقد تقرّر التحصّن في المدينة نفسها.
كانت تضاريس الأرض المحيطة بالمدينة تشير إلى أنّ الأحزاب سوف يختارون شمال المدينة هدفاً للاجتياح؛ ولهذا تركّز الاهتمام في هذه المنطقة لاتّخاذها منطقة تحشّد دفاعية.
وفيما كان المسلمون في جَدَل حول خطّة الدفاع، طرح سلمان الفارسي الذي اعتنق الإسلام حديثاً فكرةَ الإنقاذ التي تتلخّص في حفر خندق يحول دون تقدّم الغزاة في احتلال المدينة، وقد تحمّس المسلمون لهذه الخطّة وباركها النبيّ، فكانت في طليعة الاستعدادات العسكرية لمواجهة الغزو، إن لم تكن محورها الرئيسي.

وهكذا بُوشِرت عمليات الحفر في مطلع شهر رمضان المبارك، وحمل المسلمون وسائل الحفر في أضخم عملية دفاعية تشهدها الجزيرة العربية لأول مرّة.
وكان على الجيش الإسلامي أن يحفر خندقاً بطول خمسة آلاف ذراع، وبعرض تسعة أذرع، وبعمق سبعة أذرع.
وكانت عمليات الحفر تمضي قدماً مدّة شهر كامل في ظروف شاقّة، فقد كان الفصل شتاءً ورياح ( كانون ) شديدة البرودة، إضافة إلى محاولات التخريب وتثبيط الهِمم التي كان يقوم بها عادةً المنافقون ومن ورائهم اليهود.
غير أنّ مشاركة النبيّ صلّى الله عليه وآله في أعمال الحفر قد ذلّلت كثيراً من الصعوبات وبعثت روح الحماس في نفوس المدافعين.
كما أنّ شهر رمضان حيث رحلة الجوع والظمأ المقدسة، قد صنعت إرادةً أصلب من الجبل وأقوى من رياح كانون القارسة البرد.

ولا ننسى أن نُشير إلى ذلك المشهد المؤثّر يوم حملت فاطمة الزهراء طعاماً إلى والدها العظيم وانطلقت به نحو الخندق، وكان عبارةً عن رغيف خبز أعدّته بنفسها، وجلس النبيّ صلّى الله عليه وآله يتناول طعام الإفطار وهو يتمتم شاكراً:
ـ والله ما دخل جوفي طعام منذ ثلاث.
وعادت فاطمة إلى منزلها تبكي من أجله.. من أجل آخر الأنبياء، حيث تتآمر القبائل العربية واليهود والذين في قلوبهم مرض لقتله وإطفاء النور الذي جاء به.
وكانت عملية حفر الخندق تتزامن مع عمليّة أُخرى، هي جمع المحاصيل الزراعية خارج المدينة وإدخالها لكي لا يستفيد منها العدو؛ إضافةً إلى نقل النساء والأطفال وتجميعهم في الحصون والمواقع المنيعة الآمنة، والقيام بأعمال الدوريّة أثناء الليل تحسّباً للطوارئ.
أنهى الجيش الإسلاميّ أعمال الحفر قبل ثلاثة أيّام من وصول قوات العدوّ، واتّخذوا مواقعهم قريباً من الخندق.

* * *

الهاجس اليهودي
كانت خطة الغزو تقضي باندفاع جيوش الأحزاب من الشمال على شكل قَوس؛ وفي نفس الوقت يقوم يهود بني قربظة ـ وهم في حدود الألف مقاتل ـ بمفاجأة الجيش الإسلامي وطعنه في الظهر.
وبالرغم من وجود معاهدة بين المسلمين وبني قريظة تُلزم الطرفين بالدفاع المشترك عن المدينة، إلا أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله كان يدرك أنّ النفسية اليهودية نفسيّة معجونة بالخيانة والغدر، ولهذا أخذ بنظر الاعتبار قيام اليهود بضربة مفاجئة، فاحتاط للأمر، فانتخب لحراسة المدينة مفرزتَين وكلّفهما القيام بأعمال الدوريّة حول منازل بني قريظة.
أحدقت جيوش الأحزاب بالمدينة من الشمال، وكانت المفاجأة عندما رأى أبو سفيان ومعه مدبّر فكرة الغزو اليهودي حُيَيّ بن أخطَب شيئاً عجيباً!
رأى الغزاة أحلامهم تتبخّر أمام خندق هائل. وتمتم أبو سفيان بحقد:
ـ إنّ هذه المكيدة ما كانت العرب تعرفها.

ولم يكن من خيار أمام الأحزاب سوى فرض الحصار.
كانت الظروف في غاية الخطورة، فعشرة آلاف مقاتل خارج المدينة ينتظرون الفرصة للانقضاض، وفي الداخل فاحت رائحة الغدر اليهودي، فقد ينقضّ ألف مقاتل لطعن خاصرة الجيش الإسلامي.
وكان المنافقون والذين في قلوبهم مرض يتسلّلون هاربين من صفوف القوّات الإسلامية عائدين إلى منازلهم، حتّى لم يبقَ مع النبي من مجموع ثلاثة آلاف سوى ألف مقاتل فقط.
وفي هذه الظروف الخطيرة قام النبي صلّى الله عليه وآله بمناورة سياسية لتخفيف الضغط عن المدينة، خاصّة وقد أعلن اليهود نقضهم المعاهدة مما فَتّ في عَضُد المسلمين الذين أصبحوا يترقّبون الطعنة اليهودية بين لحظة وأخرى.
وفي ليلة عاصفة استدعى النبي زعيم قبائل غَطفان عُيَينة بن حصن الفزاري للاجتماع به والتفاوض معه حول صيغة للسلام.

كان النبيّ يدرك أن بواعث غَطفان في عملية الغزو هو الطمع في الأسلاب ونهب المدينة.
استجاب القائد الغطفاني وتسلّل مع الحارث بن عوف سرّاً حيث وجدا مَن يساعدهما على اجتياز الخندق ثمّ ارشادهما إلى مقرّ القيادة الإسلامية.
عرض النبيّ فكرة الاتّفاق، وهي توقّف غَطفان عن القيام بأيّ عمل حربيّ والانسحاب؛ في مقابل ذلك يدفع المسلمون ثُلُث محصول المدينة من الثمار لمدّة عام واحد.
وقد وافق زعيم غطفان على الفور، وقبل تحرير الاتفاق اشترط النبيّ موافقة الأوس والخزرج، لأنّ ثمار المدينة ملك لهاتَين القبيلَتين.
لهذا استدعى النبيّ سعد بن معاذ (24) سيد الأوس، وسعد بن عبادة سيّد الخزرج، وعندما حضر الزعيمان واطّلعا على نصّ الاتفاق قال سعد بن معاذ:
ـ يا رسول الله! أمرٌ تحبّه فتصنعه، أم شيءٌ أمَرك الله به ؟ قال النبيّ صلّى الله عليه وآله:
ـ لو أمرني الله ما شاورتُكما.. ولكن رأيتُ العرب قد رَمتْكم عن قَوسٍ واحدة، فأردت أن أكسر شوكتهم.
قال سعد:

ـ يا رسول الله، قد كنّا نحن وهؤلاء القوم ( غَطفان ) على الشرك بالله وعِبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه وهم لا يطمعون أن يأكلوا منّا ثمرة إلاّ قِرىً ( ضيافة ) أو بيعاً، أفحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له، وأعزّنا بك وبه نقطعهم أموالنا ؟! والله لا نعطيهم إلاّ السيف.
ابتسم النبيّ لهذا الحماس، فيما لمس القائد الغطفاني إصراراً عجيباً على الاستبسال حتّى الموت، فنهض مغادراً خيمة الرسول صلّى الله عليه وآله وفي نفسه تصميم على العودة والانسحاب، وتناول سعد صحيفة الاتفاق ومحا بنودها.
حقق اللقاء أهدافه السياسية، لأن غطفان أوقفت عملياتها العسكرية على الرغم من مرابطتها في مواقعها.

ظل الموقف على حاله.. مناوشات بالسهام، ودوريات قتالية تجوب جانبَي الخندق لدى الطرفين.
ثمّ حدث تطوّر عسكري خطير عندما نفّذ فريق من قوات الغزو عمليّة اقتحاميّة جريئة في محاولة لنقل المعركة إلى ما وراء الخندق في داخل المدينة؛ ويبدو أن قائد المفرزة عمرو بن ودّ ـ الذي كان معدوداً في أبطال قريش يتمتّع بلياقة حربية عالية ـ جعلت الكثيرين يُحجِمون عن مواجهته.
عبرت المفرزة الخندق، وراح عمرو بن ود يسخر من الجيش الإسلامي؛ وبالطبع لم يَطُل ذلك، فقد نهض بطل الإسلام الخالد عليّ بن أبي طالب للمواجهة، وتلقين الغزاة درساً في فُروسية لم تشهد الجزيرة لها نظيراً.

عرض عليّ بن أبي طالب على خصمه اعتناق الإسلام؛ فرفض، ثمّ عرض عليه الانسحاب والعودة من حيث جاء، بالطبع رفض ذلك أيضاً، ولم يبق سوى الخيار الثالث، فقال عليّ عليه السّلام:
ـ أدعوك إلى القتال.
وعدّ الفارس الذي عبر الخندق هذه الدعوة تحدّياً، فقفز من فوق فرسه، وسدّد لعلي ضربة جبّارة تفاداها فتى الإسلام، الذي ردّ الضربة بأقوى منها، لتكون فيها نهاية المعتدي.
كبّر الجيش الإسلامي وعلت في الفضاء هتافات « الله أكبر »، وإثر ذلك فرّ أفراد المفرزة فقُتل أحدهم وجُرح بعضهم.
وتكرر حادث الاقتحام، إذ اندفع نوفل بن عبدالله بن المغيرة لعُبور الخندق، فابتلعته الهوّة لتكون فيه نهايته.
عرض أبو سفيان مئة من الإبل مقابل انتشال جثته، غير أنّ النبيّ رفض ذلك وسمح لهم بانتشاله دون مقابل، قائلاً:
ـ خذوه فإنّه خبيث؛ خبيث الدية.

* * *

تحرّكات يهودية
حاول اليهود القيام بعمل حربي ما، فأرسلوا أحد جواسيسهم للقيام بمهمّة استطلاعية.
وشاهدَت صفيّة عمّة النبيّ صلّى الله عليه وآله وشقيقة حمزة الشهيد، ذلك اليهوديّ، وكانت ترعى النساء والأطفال في أحد الحصون، فلفتت نظر حسان بن ثابت الشاعر إلى الخطر، غير أنّ الأخير أحجم عن مُنازلته، فاضطُرّت صفيّة إلى ترك الحصن ومنازلة اليهودي الذي لقي مصرعه على يدها.
وقد أثار ذلك الحادث مخاوف اليهود الذين ظنوا أنّ النبي قد خصّص قوات كبيرة لحماية تلك المنطقة.
مرّت ثلاثة أسابيع أخفقت خلالها كل المحاولات من أجل اجتياز الخندق وحسم الموقف.
وفي محاولة لإرهاق أعصاب المسلمين، قرّر أبو سفيان القيام بعمليات التجوال على الخيل ليل نهار، وكان يتناوب على قيادة الفرسان خالد بن الوليد وعِكرمة بن أبي جهل؛ وقد لعبت هذه المناورات والرياح الباردة الشديدة وإشاعات المنافقين دوراً في زعزعة معنويات المسلمين إلى حدٍّ ما، وخير صورة للموقف هو ما جسّدته الآيات من السورة التي حملت اسم الأحزاب:
ـ إذْ جَاؤوكم مِن فَوقِكم ومِن أسفلَ منكم وإذ زاغَتِ الأبصارُ وبلَغَت القُلوبُ الحناجِرَ وتظنُّون بالله الظُّنونا. هنالك ابتُلِيَ المُؤمِنونَ وزُلزِلوا زِلزالاً شديداً. وإذ يَقولُ المُنافِقونَ والّذين في قُلوبِهم مَرَضٌ ما وَعَدَنا اللهُ ورسولُه إلاّ غُرُوراً (25).
وعندما أوشك الأُسبوع الرابع على الانتهاء تسلّل نعيم بن مسعود ـ وهو من قبائل غطفان ـ إلى المعسكر الإسلامي وعرض على النبيّ اعتناق الإسلام، وأنّه مستعد منذ الآن للقيام بأيّة مهمة.
فقال النبيّ صلّى الله عليه وآله بعد أن لمح فيه ذكاءً غير عادي:
ـ إنّما أنت فينا رجلٌ واحد، فخذِّل عنّا ما استطعت، فإنّ الحرب خُدعة.
وانطلق نعيم بن مسعود من فَوره إلى حصون قريظة، ثمّ كرّ عائداً إلى معسكر الأحزاب (26).

* * *

رياح النصر
اشتد هبوب الرياح وبلغت شدّتها أنّها كانت تجتثّ أوتاد الخيام، وتُطفئ النيران، وكانت تلك الليلة العاصفة، ليلة شديدة السواد، وقد غمر الظلام الأشياء وأحاطها بغلالة من الغُموض والأسرار.
ورفع النبيّ صلّى الله عليه وآله يدَيه إلى السماء يستمدّها النصر، وانفتحت أبواب السماء بالنصر، وبدت العاصفة مزمجرة غاضبة، تمزّق خيام الذين كفروا أنّهم لا إيمان لهم.
كان أبو سفيان القائد العام قد قرّر خَوض المعركة الحاسمة بأيّ ثمن، غير أنّ الرياح العاتية والأمطار الرعدية الغزيرة قلبت الأُمور رأساً على عقب. وإذا بأبي سفيان يعقد جلسة طارئة لبحث فكرة الانسحاب قائلاً:
ـ يا معشر قريش! لقد هلك الكراع والخُفّ (27)، وأخْلَفَتْنا بنو قريظة وبلغَنا عنهم ما نكره، ولقينا من شدّة الريح ما تَرَون، ما تطمئنّ لنا قِدر، ولا تقوم لنا نار، وما يستمسك لنا بِناء، فارتحلوا فإنّي مُرتحل.
وفي غمرة الظلام بدأت الاستعدادات للانسحاب، فيما قامت فرقة من الفرسان بتغطية عملية الانسحاب وحماية مؤخّرة جيش الأحزاب من هجوم مُحتمَل قد يشنّه المسلمون.
وعندما أشرقت شمس اليوم التالي إذا بالجانب الآخر من الخندق يروي قصّة فِرار الأحزاب.
كان منظر الخيام الممزّقة والرماد والأوحال والخُيول الميتة، يصوّر ببلاغة مدى رعب الليلة الفائتة.
عمّت الفرحة رُبوع المدينة وقد صدق الله وعده:
ـ يا أيّها الذين آمنوا اذكُروا نِعمةَ الله عليكم إذ جاءتكم جُنودٌ فأرسلنا عليهم رِيحاً وجُنُوداً لم تَرَوها وكان الله بما تعملون بصيراً .
وهكذا أصدر النبيّ صلّى الله عليه وآله أمره إلى جُنود الإسلام بالعودة إلى منازلهم بعد حصارٍ دام ثلاثين يوماً، وقد أبلغ الرسول رجاله أنّ هذا الغزو سيكون آخر محاولة عسكرية تقوم بها قريش:
ـ لن تغزوكم قريش بعد عامكم هذا.

* * *

حصاد الغدر
أيقن يهود بني قريظة بأنّ ساعة القصاص قد حانت، وأنّ لهم أن يحصدوا نتائج غدرهم وخيانتهم؛ فاختبأوا خلف حصونهم.
لقد ارتكبت هذه القبيلة التي تعمل في دباغة الجلود خيانة مزدوجة، فهي لم تتناسَ معاهدة الدفاع المشترك عن المدينة في حال تعرّضها إلى غزوٍ ما، بل راحت أبعد من ذلك في دعم الغزاة والتفكير في طعن الجيش الإسلامي من الخلف.
وبعد يوم واحد من رحيل جيوش الأحزاب، أعلن النبيّ الحسم مع اليهود، إذ ارتفع صوت بلال:
ـ مَن كان سامعاً مطيعاً فلا يصلّينَّ العصر إلاّ في بني قريظة.
وسلّم النبيّ اللواء إلى بطل الإسلام عليّ بن أبي طالب قائلاً له:
ـ كُن في مقدمة الجيش واسبِقنا.
وانطلق عليّ يقود فصائل المقاتلين، حتّى إذا أشرفوا على الحصون انهالت الشتائم على النبيّ، فردّ عليّ بأدب الإسلام:
ـ السيف بيننا وبينكم.
وصل النبيّ صلّى الله عليه وآله وقد أحكم المسلمون الحصار؛ وكان الشرط الوحيد الاستسلام دون قيدٍ أو شرط.

وبعد عشرين يوماً بعث اليهود وفداً للتفاوض وترتيب عملية الجلاء أُسوة بإخوانهم بني النضير.
وكان موقف الجانب الإسلامي ثابتاً لا يتزحزح، وعرض اليهود مرّة أخرى ـ بعد أن بلغ الحصار ذروته ـ استعدادهم للجلاء عن يثرب وتركهم كلّ ما يملكون للمسلمين.
كان اليهود يُماطلون في الاستسلام، فأصدر النبيّ أمراً بالاستعداد للهجوم واقتحام الحصون عنوة.
وعندما شاهد اليهود تأهّب الكتائب الإسلاميّة، وانتظارها إشارة البد، طلبوا إيقاف الهُجوم، وأعلنوا استسلامهم دون قيد أو شرط.

وألقى اليهود السلاح وبادروا إلى فتح حصونهم وقلاعهم، وهتف سعد بن معاذ وقد رضي حكمه الجميع:
ـ آن لسعد أن لا تأخذه في الله لَومةُ لائم.
كان سعد يعرف « التوراة » حيث حرّفوا الكَلِم عن مواضعه ليسوموا البشر الموت والفناء.
كان يدري ما في الاصحاح من التثنية من ريح صفراء لا تُبقي ولا تذر: « حين تقترب من المدينة لكي تحاربها استدعها إلى الصلح، فإن أجابتك إلى الصُلح وفتحت لك، فكُلّ الشعب الموجود فيها يكون لك للتسخير ويستعبد لك، وإن لم تسالمك بل عملت معك حرباً فحاصرها، وإذا دفعها الربّ إلهك إلى يدك فاضرب جميعَ ذُكُورها بحدّ السيف، وأمّا النساء والأطفال والبهائم وكلّ ما في المدينة غنيمة تفتحها لنفسك وتأكل غنيمة أعدائك التي أعطاك الربّ إلهك ».
وهكذا أذاقهم سعد حكم توراتهم التي حرّفوها بأنفسهم وأذاقوها الأُمم، وسقطت رؤوس الخيانة والغدر بما في ذلك رأس حُيَيّ بن أخطب مخطط فكرة الغزو والفناء.

شاهد أيضاً

IMG-20140107-WA0005

الاكتفاء بما روي في أصحاب الكساء

(زهد رَسُول اللَّه(ص)): 29 – أخْبَرَنا أَبُو القاسم بن الحصين، أنا أَبُو طالب بن غيلان، ...