الرئيسية / الخالدون / شخصيات اسلامية / غيض من فيض الإمام عليّ عليه السلام هذا البحر الزخّار
0000

غيض من فيض الإمام عليّ عليه السلام هذا البحر الزخّار

الإمام عليّ عليه السلام في سطور التاريخ

 وهكذا كان الحال على مرّ الزمن، أي إنّ المفكّرين الكبار من مسلمين وغير مسلمين يعلنون إجلالهم لأمير المؤمنين عليه السلام. إذا نظرتم إلى الأبطال العظام الّذين ضحّوا وقدّموا الغالي والنفيس لأجل شعوبهم، تلاحظون أنّ اسم أمير المؤمنين عليه السلام مبجّل ومكرّم عندهم. وإذا نظرتم إلى الشعراء والأدباء والفنّانين ومن يضمرون المحبّة لبني الإنسان تجدونهم أيضاً يكرّمون اسم أمير المؤمنين عليه السلام.

 

وخلاصة القول: إنّ كلّ من يدرس تاريخ الإسلام شابّاً كان أو شيخاً، عالماً كان أو من العامّة وتناهى إلى سمعه اسم وأخبار أمير المؤمنين عليه السلام ، فسوف يشعر بالمحبّة والتعطّش والولاء له.

 

في وقتنا الحاضر أُلّفت عدّة كتب من قبل كتّاب وأدباء مصريّين عن أمير المؤمنين عليه السلام ، وكتب المسيحيّون مجلّدين أو أكثر من هذه الكتب، وهم وإن كانوا لا يعتقدون بالإسلام، إلّا أنّهم يعتقدون بأمير المؤمنين عليه السلام.

 

وهذه من خصائص أمير المؤمنين عليه السلام من بين الشخصيّات الإسلاميّة؛ ولعلّ سبب ذلك يعزى إلى أنّ هذا الرجل العظيم أنفق كلّ وجوده على أفضل وجه في سبيل الأهداف السامية في مختلف أدوار حياته، وفي جميع الأوضاع والظروف، وفي كلّ موضع عاش فيه.

 

ضعوا نصب أعينكم أمير المؤمنين عليه السلام وهو شابّ يبلغ من العمر ستّ عشرة إلى تسع عشرة سنة عندما كان في مكّة، أو في مطلع قدومه إلى المدينة؛ إذ كان حينها شاباً يبلغ عشرين ونيفاً من السنين، وانظروا إلى المراحل المختلفة لحياة هذه الشخصيّة الكبرى، تروا أنّ هذا الشاب يمثّل حقاً أفضل قدوة لأفضل الشبّان في كلّ زمان؛ فلم تجذبه شهوات الشباب والملذّات الدنيويّة والمحاسن الّتي لها قيمة في نظر الشباب، ولم تكن تستهويه إلّا تلك الأهداف الكبرى والسامية الّتي بُعث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من أجلها، فكلّ وجوده كان في خدمة هذه الأهداف، أمّا الأمور الأخرى فكانت مسألة ثانويّة بالنسبة إليه.

 

وإنّه لأمر عظيم جدّاً أن لا يلتفت شابّ حتّى لحظة واحدة إلى الدنيا ولذّاتها ومحاسنها، وأن يُنفق عنفوان شبابه وطاقاته ونشاطه واندفاعه أي كلّ ما يتحلّى به الشابّ من طراوة وجمال وإيناع في سبيل الله, وهذا غاية الإخلاص، وليس هناك حقّاً ما هو أسمى من هذا.

 

لاحظوا هذا الرجل وقد بلغ سنّ الكمال والنضوج، وكان يعدّ واحداً من شخصيّات مجتمعه، وهو محترم من قبل الجميع، ولعلّ آلاف الأشخاص

 

 قد سمعوا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وهو يحمده ويثني عليه. ولا أتصوّر أنّ أحداً من المحدّثين المسلمين نقل بحقّ شخص آخر ما يضاهي كمّاً وكيفاً الثناء الّذي نُقل عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بشأن أمير المؤمنين عليه السلام.

ومن الطبيعيّ أنّ فضائل أُخَرَ قد نُقلت بشأن صحابة آخرين، لكن لا أعتقد أنّ أياً من المحدّثين المسلمين من أيّ الفرق الإسلاميّة كان قد نقل بشأن أحد غير أمير المؤمنين عليه السلام أحاديث بهذه الكميّة وبهذه الكيفيّة وبهذا المضمون.

 

ومن البديهيّ أنّ واحدة من هذه الفضائل تكفي لإيقاع الإنسان في العجب والغرور وفَقْد الاتّزان والخطأ في اختيار التكليف. كلّ هؤلاء سمعوا مئات الأحاديث من لسان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في الثناء على عليّ عليه السلام ، ثم جاءت مرحلة الاختبار وعُرضت قضيّة الخلافة من غير أن نتناول قضيّة الحقّ والباطل والوصيّة وما إلى ذلك ومن البديهيّ أنّ أمير المؤمنين عليه السلام كان يدّعي الخلافة؛ وهذا ممّا لا يشكّ فيه أحد، ولكنّه حينما رأى أنّ مصلحة العالم الإسلاميّ تقتضي خروجه من الساحة، خرج منها.

 

أي إنّ أمير المؤمنين عليه السلام طوى كلّ ذلك الثناء والتمجيد والمؤهّلات وكلّ ما كان يراه لنفسه، وما سمعه وما يعرفه آلاف الأشخاص، في ملف النسيان المؤقّت ووضعه جانباً.

 

وبطبيعة الحال إنّ ذلك لم يكن يُنسى، ولا يُنسى، وهو باقٍ إلى أبد الدهر، إلّا أنّه عليه السلام أعرض عنه، أي إنّه ومع كلّ ما ورد في حقّه ومع

 

 كلّ ما في شخصه من المميّزات لأمر الخلافة ورئاسة العالم الإسلاميّ والمسؤوليّة الكبرى، تنحّى عند شعوره بالخطر جانباً وقال ما مضمونه: “وَطَفِقْتُ أَرْتَئِي بَيْنَ أَنْ أَصُولَ بِيَدٍ جَذَّاءَ، أَوْ أَصْبِرَ عَلَى طَخْيَةٍ عَمْيَاءَ، يَهْرَمُ فِيهَا الْكَبِيرُ وَيَشِيبُ فِيهَا الصَّغِيرُ، وَيَكْدَحُ فِيهَا مُؤْمِنٌ حَتَّى يَلْقَى رَبَّه، فَرَأَيْتُ أَنَّ الصَّبْرَ عَلَى هَاتَا أَحْجَى، فَصَبَرْتُ وَفِي الْعَيْنِ قَذًى وَفِي الْحَلْقِ شَجًا…”12.

 

وليس هناك كبح لجماح النفس أسمى وأفضل وأبلغ وأعجب من هذا بالنسبة للإنسان السياسيّ المخلص، وللإنسان العظيم الّذي لا يبغي الاستجابة لأهوائه النفسيّة.

 

وتصوّروا هذا الإنسان نفسه في موقع رئاسة العالم الإسلاميّ، حينما أصبح زعيماً للمسلمين، فانهال الناس عليه وانتخبوه، شاء أم أبى.

 

فكان الكلّ الصديق والعدوّ والمنافس وغيرهم بين مبايع وبين مَن أعلن عدم معارضته، وهؤلاء الذين امتنعوا عن البيعة كان عددهم ضئيلاً جدّاً، أربعة إلى ستّة أشخاص، لكنّهم قالوا إنّنا لا نعارض، وتنحّوا جانباً، وبايع البقيّة جميعاً، وأصبح زعيماً لكلّ العالم الإسلاميّ.

 

أتعلمون ماذا كان يعني العالم الإسلاميّ يومذاك؟ إنّه من حدود الهند إلى ضفاف البحر الأبيض المتوسّط؛ هذا هو العالم الإسلاميّ آنذاك, حيث كان يضمّ العراق ومصر والشام وفلسطين وإيران وغيرها، أي لعلّه

12- نهج البلاغة، ج1، ص 31، خ3.

 

كان رئيساً لنصف العالم المعمور آنذاك، وبسلطة تامّة.

 

وكانت معيشة أمير المؤمنين عليه السلام وزهده الّذي سمعتم به، يتعلّق بهذه الفترة, فالحياة الجميلة ولذّاتها ورغدها وجمالها وغيرها من الأمور الّتي يكفي واحد منها لاستمالة شخصيّات كبرى واضطرابها في بوتقة ذلك الاختبار وانزلاقها وخروجها عن الصراط لم تستطع بأجمعها أن توقع أمير المؤمنين عليه السلام في مهاوي الشكّ والاضطراب حتّى لحظة واحدة؛ ناهيك عن أن تميله عن الصراط.

 

لقد أثبت هذا الإنسان الكبير أنّه أقوى عزماً وشكيمة من كلّ عوامل الإغواء. وهذه هي معاني العظمة، وهذه هي العناصر الّتي خضعت لها الأجيال والتاريخ وبنو الإنسان والمجتمعات, ولو رام أحد الإنصاف لما أمكنه العصيان والتمرّد على مثل هذه الشخصيّة؛ بل إنّ القلوب تخضع له طواعية.

 

إنّ مَن كانت لديه رشحة مِن سجايا أمير المؤمنين عليه السلام ، بإمكانه أن يتفوّق على الكثير من أنماط الزيغ والنوازع الداخليّة والخارجيّة؛ فهذا الإمام الكبير الّذي رأيتموه، كان من أعظم الشخصيّات في عالمنا المعاصر بحيث تشعر أمامه بالضِعة, وحتّى وُلاته، فبما أنّهم كانوا يحملون معهم اسم الإمام، فإنّهم أينما حلّوا كانوا يرغمون الطغاة والأكابر وأصحاب القوّة في العالم على الخضوع والتواضع.

شاهد أيضاً

0

أسوار الأمان في صيانة المجتمع من الإنحراف على ضوء سورة الحجرات

39) ماذا يعني التبيُّن؟ يبدو أنّه يشمل كلّ أسلوب يؤدّي إلى حالة الوضوح عند الإنسان، ...