الرئيسية / مقالات اسلامية / القرآن الكريم / تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان سورة المائدة
0

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان سورة المائدة

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة المائدة

86

((وَالَّذِينَ كَفَرُواْ )) كاليهود وسائر المسيحيّين والمشركين ((وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا )) فلم يقبلوها ((أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ)) الذين يلازمون النار كما خلد أصحاب الجنة فيها .

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة المائدة

87

وفي سياق ذكر الرهبان -وهم يحرّمون الطيّبات على أنفسهم- يأتي النهي للمسلمين عن تحريم ما أحلّ الله، كما ينهى عن الإسراف والإعتداء، فإنّ كلا الطرفين منهي عنه مذموم ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ ))، أي لا تجعلوها بمنزلة المحرّمات فتجتنبوا عنها إجتنابكم عن المحرّمات، ولفظة (ما) موصولة، أي طيبات الأشياء التي أحلّها الله لكم، ولعلّ الإتيان به لإفادة العموم، إذ لو قال (طيّبات أحلّ الله لكم) كان المتبادر منه طيّبات خاصة وليست إضافة طيّبات إلى (ما) تفيد التقييد، بل هو من باب “قطيفة خز” وقد نزلت هذه الآية في الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) وبلال وعثمان بن مضعون، فأما علي (عليه السلام) فإنه حلف أن لا ينام الليل أبداً إلا ما شاء الله، وأما بلال فإنه حلف أن لا يفطر بالنهار أبداً، وأما عثمان بن مضعون فإنه حلف أن لا ينكح أبداً -كل ذلك بقصد الإمتناع عن الشهوات الدنيا رجاء ثواب الله- فدخلت إمرأة عثمان على عائشة وكانت إمرأة جميلة فقالت عائشة : ما لي أراك متعطّلة ؟ فقالت : ولمن أتزيّن فوالله ما قربين زوجي منذ كذا وكذا فإنه قد ترهّب ولبس المسوح وزهد في الدنيا، فلما دخل رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أخبرته عائشة فخرج فنادى الصلاة جامعة فاجتمع الناس فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : “ما بال أقوام يحرّمون على أنفسهم الطيّبات إنّي أنام بالليل وأنكح وأفطر بالنهار فمن رَغِبَ عن سنّتي فليس منّي” ، فقام هؤلاء فقالوا : يارسول الله فقد حلفنا على ذلك، فأنزل الله (لا يؤاخذكم الله) ، ولا يخفى أنّ مثل ذلك لا يضر مقام عصمة الإمام لأنه : أولاً : قُيّد بـ (إلا ما شاء الله)، وثانياً : إنه من قبيل (ياأيها النبي لِمَ تحرّم ما أحلّ الله لك) ولعل السر في المقامين أنّ الأمر كان جائزاً قبل النهي، ولفظة (لِمَ) ليس للتقريع بل للإرشاد وإعطاء الحُكم ((وَلاَ تَعْتَدُواْ )) حتى تُسرفوا في تنازل الطيّبات أو تعتدوها إلى الخبائث ((إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ)) قد تقدّم أنّ معنى (لا يحب) في هذه المقامات أنه يكرههم ويبغضهم .

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة المائدة

88

((وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ حَلاَلاً طَيِّبًا ))، أي في حال كون الرزق حلالاً -أي مباحاً- طيّباً، أي لا ضرر فيه ولا خبث ((وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِيَ أَنتُم بِهِ ))، أي بالله ((مُؤْمِنُونَ)) فلا تخالفوا أوامره ولا ترتكبوا زواجره .

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة المائدة

89

((لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ )) اليمين التي أجازها الله سبحانه تكون منعقدة وتترتّب على حنثها الكفّارة، أما اليمين اللفظية -كما تتداول في ألسنة الناس حيث يحلفون على كلّ صغيرة وكبيرة- واليمين التي لم يعطِ الله الرخصة في متعلّقها كيمين تحريم الطيّبات على النفس زهداً فهي لغو من اليمين لا تترتب عليها كفّارة ولا يكون نقضها حِنثاً ((وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ )) عن قصد وإعتماد مع صلاحية المتعلّق للإنعقاد، فقول الإنسان “لا والله” و”بلى والله” لغو لم يقصد به عقد اليمين، كما يُعقد العقد، بل من هو من قبيل التأكيد كما إنّ عقده بدون صلاحية المتعلّق لا يفيد شيئاً، وقد سبق ذلك في سورة البقرة لكن التكرار هنا فذلكة للحكم المتقدّم وتمهيد للكفّارة ((فَكَفَّارَتُهُ ))، أي كفّارة ما عقّدتم من الأيمان وسميّت الكفّارة كفّارة لأنها تكفّر الذنب وتستره وإنما تجب الكفّارة إذا حنث الإنسان مقتضى يمينه ((إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ )) جمع مسكين، والمراد به الفقير يُعطى كلّ واحد مدّاً من الطعام وهو ما يقرب من ثلاثة أرباع الوقيّة -بحقّة كربلاء- أو ثلاثة أرباع الكيلو، أو يُطعمهم إطعاماً ((مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ )) فلا يجب في إطعامهم الحد الأعلى وهو الأرز مثلاً ولا يجوز الأدنى كإطعامهم بالدخنة مثلاً ((أَوْ كِسْوَتُهُمْ ))، أي يكسي كل واحد من العشرة بثوبين المأزر والقميص بأيّ جنس كان ((أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ))، أي عتق عبد أو أمّة لوجه الله سبحانه، وإنما عبّر الإنسان بالرقبة لعلاقة الكل بالجزء ((فَمَن لَّمْ يَجِدْ )) أحد الأمور الثلاثة للكفّارة ((فَـ)) كفّارته ((صِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ )) متتابعات -كما ذكر الفقهاء- و((ذَلِكَ )) المتقدّم من الأمور الثلاثة ثم الصيام ((كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ )) جمع يمين وهو الحلف ((إِذَا حَلَفْتُمْ )) ثم حنثتم ((وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ )) فلا تحنثوها بل أوفوا بها ((كَذَلِكَ )) البيان، أي مثل هذا البيان الذي بيّن به الكفّارة وحُكم اللغو في اليمين ((يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ )) واضحة لا لبس فيها ولا غموض ((لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)) الله سبحانه حيث أرشدكم إلى مصالحكم .

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة المائدة

90

وبعد ذِكر تحليل الطيّبات يأتي بيان تحريم الخبائث ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ )) وهي كلّ ما أسْكَر سواءً كان من العنب أو غيره ((وَالْمَيْسِرُ )) هو القمار بجميع أنواعه ((وَالأَنصَابُ)) وهي الأصنام كانوا يذبحون لها الذبائح ويلطّخونها بدمائها ((وَالأَزْلاَمُ )) قداح كانوا يستقسمون بها الذبيحة، وذلك نوع من أنواع القمار خُصّص بالذِكر لاشتهارها عند الجاهلين، وقد مرّ التفسير للكلمات سابقاً ((رِجْسٌ ))، أي خبيث ((مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ )) فإنّ الشيطان هو الذي أمَرَ بتعاطيها مقابل عمل الرحمان بمعنى الذي أمَرَ به وعمله، فإنّ الشيطان هو الذي عمل هذه الأشياء أما حقيقة كما يظهر من بعض الأحاديث، وأما مجازاً باعتبار وسوسته وإلقائه في قلوب الفاسقين ((فَاجْتَنِبُوهُ ))، أي إجتنبوا تعاطي هذه الأشياء فلا تشربوا الخمر ولا تضربوا الميسر ولا تعبدوا الأصنام ولا تستقسموا بالأولام ((لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ))، أي كي تفوزون بخير الدنيا وسعادة الآخرة .

شاهد أيضاً

unnamed (35)

الطريق إلى الله تعالى للشيخ البحراني42

42)وإما أن يكون ممن يخشى عليه الميل إلى هذه الدنيا ، والرغبة لما فيها ، ...