0

مواعظ شافية

قالوا إنّ فتى من بني إسرائيل كان بارّاً بأبيه، وإنّه اشترى بيعا، فجاؤوا إلى أبيه والأقاليد (مقاليد) تحت رأسه فكره أن يوقظه فترك ذلك البيع، فاستيقظ أبوه، فأخبره، فقال له: أحسنت هذه البقرة هي لك عوض لما فاتك، قال: فقال له رسول الله موسى: “انظر إلى البرّ ما بلغ بأهله”35.

 

35- تفسير الميزان، ج1، ص204


5- أزواجاً من أنفسكم

 

يقول الله سبحانه تعالى في محكم كتابه:

﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ1

 

1- سورة الروم، الآية: 21.

تمهيد

 

بعد أن تكلّمنا عن الأسرة، النواة الأولى في تركيب أيّ مجتمع بشريّ، وقلنا إنّ الحلقة الأضيق هي الأب والأمّ، الزوج والزوجة ثمّ الأولاد وتحدّثنا عن المسؤوليّة تجاه الأبوين نتكلّم الآن عن مسؤوليّة الزوجين تجاه بعضهما بعضاً.

 

قال تعالى في كتابه المجيد: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ2.

 

إنّ الزواج حاجة فطريّة غريزيّة طبيعيّة عند الإنسان. وهو بحسب النظرة الإسلاميّة له هدف سامٍ، فالإسلام يريد للزواج أن يكون ناجحاً محتفظاً بعناصر الديمومة والبقاء والثبات. ومن أسس نجاح الزواج أن يكون كلٌّ من الزوج والزوجة سكناً للآخر (كما ورد في الآية) وهو ما يحقّق الهدف المنشود من خلال تحصيل الاستقرار النفسيّ والهدوء والطمأنينة بين الزوجين فيكونان عوناً لبعضهما بعضاً على مواجهة تحدّيات الحياة وعوناً على الآخرة.

 

ولقد حثّ الإسلام على أصل موضوع الزواج مقابل فكرة البقاء على العزوبيّة،

 

2- سورة الروم، الآية: 21.

وقد روي عن النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: “ما بني بناء في الإسلام أحبّ إلى الله عزّ وجلّ من التزويج”3.

 

مقوّمات الزواج الناجح

 

ومن أجل الوصول إلى زواج ناجح نبّه الإسلام إلى عدّة مسائل وأكّد على مراعاتها، ومن هذه المسائل:

 

أوّلاً: أكّد الإسلام على ضرورة تأسيس الزواج على أُسس صالحة صحيحة، من خلال الابتعاد عن الإكراه أو إجبار أحد الطرفين على الزواج من الآخر أو الطرفين معاً، وهو ما يحصل عادة بسبب علاقات القرابة مثلاً أو تجميع الثروات، وهو ما يؤدّي غالباً إلى فشل الزواج. لذلك نجد في الأحكام الشرعيّة نهياً عن إكراه الطرفين الذكر والأنثى، وضرورة الرضا والقبول بالشريك الآخر لأنّ في هذا الزواج حياتُهما وفيه سعادتُهما.

 

وكما أكّد الإسلام على ضرورة اختيار الزوجين لبعضهما بعضاً، قام أيضاً بعمليّة إرشاد واسعة جدّاً من منطلق: الأساس الّذي ينطلق منه الفرد لاختيار شريك حياته، بعيداً عن التقاليد والعادات الجاهليّة, والّتي للأسف ما زلنا نراها في أيّامنا هذه؛ فالأهل يذهبون عادةً باتجاه الغنى أو الوجاهة ويتجنّبون الفقير والفقيرة. وقد يبحثون عن جمال الشكل ومعايير الجسد الخارجيّة. لذلك جاء الإسلام ليؤكّد على صفة الصلاح في الرجل والمرأة، الّتي تعني الدين وحُسن الخُلُق والعفّة؛ لأنّ المال لا يدوم، وكذلك الجمال والجاه.

 

عن أبي عبد الله عليه السلام قال: “إذا تزوّج الرجل المرأة لجمالها أو لمالها وكل إلى ذلك، وإذا تزوّجها لدينها رزقه الله المال والجمال”4.

 

3- وسائل الشيعة، الحرّ العاملي، ج14، ص3.

4- م.ن، ج20، ص49.

 

وعن الإمام الرضا، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “النكاح رقّ، فإذا أنكح أحدكم وليدة فقد أرقها، فلينظر أحدكم لمن يرقّ كريمته”5.

 

وقد روي عن الإمام الباقر عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: “إذا جاءكم من ترضون خلقه ودينه فزوّجوه ، إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير”6.

 

ثانياً: السعي للوصول إلى سنّ مبكرة للزواج وتسهيل ما قد يعترضه من تعقيدات، إذ يكفي رضا الطرفين ورضا وإذن وليّ الأمر، في شروط معيّنة، ليتمّ عقد الزواج.

 

وهناك للأسف عادة قديمة ما زالت متّبعة حتّى اليوم وهي غلاء المَهْر، لذا جاء الإسلام ليقول: أفضل نساء أُمّتي من كان مَهْرُها متواضعاً، فعن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “أفضل نساء أمّتي أصبحهنّ وجهاً وأقلّهنّ مهرا”7. فمعيار الزواج الناجح ليس مرتبطاً لا بالمهر ولا بالمال، فالمال لا يشكّل ضمانة؛ لأنّ الزوج الّذي لا يملك الخلق والدين قد يضطر المرأة إلى أن تبذل له مهرها وتزيد عليه حتّى يطلّقها.

 

إنّ الزواج المبكر يساعد على الثبات والاستقرار والطمأنينة، وإذا كانت بعض الزيجات المبكّرة فاشلة فليس السبب التبكير في الزواج، بل العجلة والتسرُّع، أي عدم حسن اختيار الزوج أو الزوجة، كما هو الحال أيضاً في الزيجات غير المبكّرة.

 

ثالثاً: لكي يحافظ الإسلام على العائلة عقّد عمليّة الطلاق، ولكنّه لم يسدّ الباب نهائيّاً، كما في بعض المذاهب والديانات الأخرى. فالإسلام فتح باب الطلاق ووضع قواعد له، ومنها أنّه يحتاج إلى شاهدين عَدْلين، ولهذين الشاهدين دور مهمّ في تلطيف الأجواء بين الزوجين المتخاصمين، فقد يعتذر الزوجان عمّا بدر منهما من تسرُّع، ويحلُّ الوفاق محلَّ الطلاق. لقد شرّع الإسلام الطلاق وحلّله على الرغم من

 

5- وسائل الشيعة، ج20، ص76.

6- م.ن، ج20، ص79.

شاهد أيضاً

0

مواعظ شافية

 أنَّ الله وجد في الوقائع واللغة، أخفّ من كلمة ﴿أُفٍّ﴾ لاستخدمها في الآية.﴿ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا﴾24: ...