الرئيسية / تقارير سياسية / مماليك الغرب ملوكٌ على الشرق؟!- أمين أبوراشد
0

مماليك الغرب ملوكٌ على الشرق؟!- أمين أبوراشد

لن نعود لتاريخ نشوء المماليك في منتصف القرن التاسع الميلادي إلّا للتعريف بأصل الكلمة، وتسمية المماليك تشير إلى العبيد البيض الذين كانوا يؤسرون في الحروب، أو يتم شراؤهم في الأسواق، واستخدمتهم الدول المتعاقبة جنوداً لديها، ووصلوا لأن يكون من بينهم قادة جيوش، وما لبثوا أن استولوا على الحكم في نهاية حكم الدولة الأيوبية بمصر في منتصف القرن الثالث عشر.

أوجُه الشبه، بين المماليك وبعض القبائل العربية التي- خلال الإحتلال العثماني وتحديداً في بدايات القرن الثامن عشر- استخدمتها بريطانيا لمقارعة العثمانيين وضرب المجتمعات الإسلامية هو “الإستملاك”…، ومن هذه القبائل  المُستملَكَة في حينه، نشأت بعض الحاكميات العشائرية أو العائلية بدعمٍ مُعلن من الإنكليز، الى أن عزَّزت نفوذها بعد معارك كرٍّ وفرّ مع القبائل الأخرى، ونشأت الإمارات والممالك الخليجية العائلية نتيجة هذه الإنتصارات، ولا حاجة بنا للتذكير دائماً بنشوء المذهب الوهَّابي والدور الذي أعطي له منذ العام 1732 من قِبَل الإنكليز، وهو دورٌ “مملوكيُّ” مكتمل العناصر.

نروي التاريخ باقتضاب كما هو، وليس لنا شأن بالأنظمة التي جاءت “سايكس – بيكو” ومنحتها السيادة، لو بقيت ضمن حدود بلدانها والتزمت الحدود، لكننا في زمن سقوط الحدود واقعياً وإعادة رسم “سايكس- بيكو” جديدة، وإباحة التدخلات في شؤون الدول الأخرى، ومع السقوط الحقيقي لهيبة الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية خاصة بعد إندلاع ما يُسمَّى “الربيع العربي”، بات مباحاً لكل صاحب حق أو مُعتَدَى على سيادته أن يستلَّ على الأقل سيف الدفاع، ومن حقِّنا أن “نحكي لبناني” لأننا أصحاب الإنتصارات العربية اليتيمة على العدو الإسرائيلي، ونقول: من يعتقد أن أمن لبنان الذي تبلغ مساحته 1/18 من مساحة سوريا ليس مهدَّداً من الذي يجري في سوريا، أو أن مجتمعه التعددي لا يتأثر بهذه الموجات التكفيرية التي تلفُّ المنطقة، هو في عالمٍ آخر، لأن تشغيل “المماليك الجدد” من قِبَل الغرب منذ العام 1948 في مُصادرة كل ما هو قومي وعربي تحت عنوان “دول الإعتدال”، وأوصل العرب الى هذا المصير وقضى على القضية الفلسطينية التي كانت تجمع العرب ولو كلامياً، هو نفسه هذا الفريق خلال العقود الثلاثة الماضية رسَّخ ارتباطه المملوكي بالغرب حفاظاً على العرش العائلي والمكتسبات، وبدأت نتائج الإرتهان تهزّ حدود البلدان وسيادتها ومصير شعوبها، لأن زمن إنشاء الإسرائيليات قد بدأ من زمان.

يكفي الإرتياح الإسرائيلي المُعلَن لـ “عاصفة الحزم”، والتنويه بها أنها عملية تخدم الأمن القومي الإسرائيلي، أن تفضح ما كان ربما مستوراً، لنتساءل أين فلسطين المحتلة جغرافياً من اليمن، وما هو الخطر الذي يشكِّله المواطن اليمني الفقير المسالم على أخطر شعب عنصري محتلّ لترحِّب إسرائيل بالعدوان، لو لم تكن الحرب على اليمن جزءٌ من الحرب الأميركية – الإسرائيلية بأدوات خليجية على إيران؟

ثم أن الإعلان عن وقف “عاصفة الحزم” منذ أسبوعين بعد أن قامت قيامة منظمة “هيومن رايتس” على القنابل الغازية التي ألقتها السعودية على صنعاء، ثم استمرار العدوان السعودي تحت ستار “إعادة الأمل”، والقنابل العنقودية التي ألقيت على محافظة صعدة، ومن ثم الحديث مساء أمس الإثنين عن احتمال وقف العدوان، ما هي إلَّا خيبات سعودية متلاحقة في اليمن، لم تؤمن عودة الرئيس المستقيل عبد ربّه منصور هادي الى عدن أو حضرموت لإستحالة إنزاله ولو عبر المظلَّة لأن لا مكان لعميل في رعاية أي حوار يمني، والشعب اليمني قد انتصر بفضل حزم قراره وصموده، وحوَّل “عاصفة الحزم” الى عاصفة رملية ليست  بذات جدوى…

يُضاف الى ذلك أن ما يحصل في العراق مؤخراً، هو اتخاذ قرارٍ أميركي – خليجي بإشعال الحرب المذهبية علناً، تطبيقاً لمقدِّمة الخطة الأميركية الخطِّية التي تسرَّبت  لوكالات الإعلام العالمية مع بدايات الربيع العربي، وبما أن الأقليات الدينية والعرقية قد نُفِّذت فيها الخطَّة، فإن الصراع يسلُك حالياً ذروة تصاعده عبر الحرب غير المباشرة على إيران “الشيعية” خدمة للدولة العبرية وتحصيناً للعروش من مخاطر “محور الشر” الذي لم يجلب سوى المتاعب مع “الجار” الصهيوني.

كما أن ما حصل ويحصل في العراق مؤخراً، يبدو فاقعاً في الوضوح أكثر من “عاصفة الحزم” نفسها، من خلال إعطاء “الحشد الشعبي” شرعيته الوطنية العراقية عند الحاجة إليه في تحرير تكريت، واستبعاده في الأنبار بسبب الخصوصية المذهبية للمحافظة، ثم إعادة البحث بوطنيته لإستحالة خوض معركة الأنبار بدونه!
إضافة الى ذلك، فإن القرار الأميركي الأخير بتسليح السنَّة والأكراد، ينقض المعاهدات السابقة بشأن تأهيل وتسليح الجيش العراقي، ويتجاوز الدولة العراقية ليعبُر الى الجماعات المذهبية والعرقية ويسلِّحها، وهو إعلان حرب واضح وصريح على باقي مكوِّنات الشعب العراقي تحت ستار الحرب على داعش.

بعض المتابعين ممَّن لديهم مسحة من التفاؤل يعتقدون، أن كل الحروب بـ “داعش وأخواتها” قد تخفُّ حدَّتها بعد إطمئنان الدول الخليجية ومعها إسرائيل، أن الإتفاق النووي المُرتقب في نهاية يونيو/ حزيران المقبل بين إيران ودول (خمسة زائد واحد)، لن يُعطي لإيران فرصة صنع قنبلة نووية، لكن الهدف الأساس من الربيع العربي يتخطَّى مسألة النووي الى واجب وجود إسرائيليات مذهبية وعرقية، وأي متابعٍ واقعيٍ يتذكَّر أن خرائط دولة إقليم كردستان قد نُشِرِت منذ نحو أربعين سنة وتسرَّبت من دوائر صنع القرار الأميركي كجزء من مسوَّدة أولية للشرق الأوسط الجديد!

إننا بكل أسف نقول، أن لا نهاية لمسلسل الكُفر بالقيَم والإنسان والدين الذي تُمارسه بعض الدول الخليجية، ولا توقُّف عن مشهديات القتل والتدمير والتهجير الجماعي، قبل أن يُلامس الإرهاب عرشاً عائلياً، وهذا ما لا نتمناه رأفة بالشعوب البريئة من الذي قد يحصل، لكن التاريخ سيدوِّن بأحرف من دماء نهايات بعض العروش على أيدي شعوبها، ثمناً لكل الأرواح البريئة والأرزاق المنهوبة والشعوب المنكوبة على امتداد عالمٍ عربيٍّ منتحر في ربيعٍ أقحوانه من دماء …