الرئيسية / مقالات اسلامية / كلامكم نور / دراسات في نهج البلاغة
05-07-15-6620826

دراسات في نهج البلاغة

تمهيد

لا يزال كتاب نهج البلاغة مفخرةً من مفاخر ما قدّمته الحضارة الإسلاميّة للبشريّة جمعاء.

فبفضل ما يختزنه هذا الكتاب من المعاني، صار بعد كتاب الله تعالى وكلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قِمّة الذخائر البيانيّة الّتي تمدُّ الأدب العربيّ والفكر الإنسانيّ بأضخم الطاقات الفكريّة والعلميّة.

هو كتاب بلا حدود، ليس كتاب بلاغةٍ فحسب، بل هو نهج حياة وفلاح وجهاد، ونهج لسلوك طريق العدل والمساواة، وللهداية ولمعرفة الطريق المستقيم. ولا يزال نهج البلاغة وسيبقى رائداً لكلّ الأجيال عبر كلِّ العصور والقرون، ولهذا لم يعد بحاجة إلى تعريف، فهو أوضح من الشمس في رابعة النهار.

ولقد كان نهج البلاغة رائداً لكلِّ حَمَلَة العلم والأدب والحديث في العصور المتقدِّمة وإلى يومنا الحاضر. ونجد أنّ أعلام البلاغة يشهدون بأنهم إنّما وصلوا إلى ما وصلوا إليه من خلال اهتمامهم بحفظ نهج البلاغة كما كانوا يحفظون القرآن الكريم.

قال المسعوديّ في مروج الذهب:

“حفظ الناس عنه من خطبه في سائر مقاماته أربعمائة خطبة، ونيِّف وثمانين خطبة يورِدونها على البديهة، وتداول الناس عنه ذلك قولاً وعملاً”1.

وكان لنهج البلاغة دور كبير في وصول بعضهم إلى قمّة البيان وفصاحة اللسان، فقد أجمع المؤرّخون أنّ أبا غالب عبد الحميد بن يحيى بن سعد الكاتب الأديب والكاتب المعروف2 قال: “حفظت سبعين خطبة من خطب الأصلع ففاضت ثُمَّ فاضت”. وقال الخطيب ابن نباتة3: “حفظت من الخطابة كنزاً لا يزيده الإنفاق إلّا سعةً وكثرة، وحفظت مائة فصلٍ من مواعظ عليّ بن أبي طالب عليه السلام”4… وممّا قاله ابن أبي الحديد شارح النهج: “ويكفي هذا الكتاب دلالةً على أنّه لا يُجارى في الفصاحة، ولا يُبارى في البلاغة، وحَسْبُك أنّه لم يدوّن لأحدٍ من فصحاء الصحابة العُشر ولا نصف العُشر ممّا دوِّن له. وكفاك في هذا الباب ما يقوله الجاحظ في مدحه في كتاب البيان والتبيين وفي غيره من كتبه”5.

كيف جُمِع نهج البلاغة؟

لا يشكّ أحدٌ من المسلمين فضلاً عن غيرهم بأنّ التراث الأدبيّ والعلميّ للإمام عليّ عليه السلام المتمثِّل في الوقت الحاضر بخطبه المجموعة في نهج

________________________________________
1- مروج الذهب ومعادن الجوهر، أبو الحسن علي بن الحسين بن علي المسعودي (ت، 346)، ج2، ص 431، دار الهجرة، قم.
2- عبد الحميد الكاتب كان في بادئ أمره معلّماً بالكوفة، ثم تنقّل بين البلدان واتّصل بمروان بن محمّد آخر خلفاء بني أميّة أيّام ولاية أرمينيا، وصحبه وكتب له وانقطع إليه، وكان كاتبه أيام خلافته، وحضر جميع وقائعه، ثم تحوّل عنه إلى أن صار في صفوف أعدائه، ظفر به عبد الله بن علي فقطع يديه ورجليه وتوفي سنة 132 هـ في بوصير.
3-هو أبو يحيى عبد الرحيم بن محمّد بن إسماعيل بن نباته، إتّصل بسيف الدولة في حلب، وكان سيف الدولة كثير الغزوات، ولذلك أكثر ابن نباتة من خطب الجهاد، توفي سنة 374 هـ. قبل صدور نهج البلاغة بست وعشرين سنة.
4-أعيان الشيعة، السيّد محسن الأمين، دار التعارف، ج1، ص 341.
5- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي، تحقيق، محمّد أبو الفضل ابراهيم، دار إحياء الكتب العربية، بيروت، ج1، ص10.

البلاغة وفي غيره من الكتب، هو أعظم تراث أدبيّ ودينيّ وأخلاقيّ واجتماعيّ وسياسيّ بعد القرآن الكريم. ولكن كيف جُمِع كلام الإمام عليه السلام من قِبل الشريف الرضيّ؟ وما السبب الّذي دعاه إلى ذلك؟

يقول الأديب والعالم محمّد بن أبي أحمد المشهور بالشريف الرضيّ6 إنّه بعد أن فرغ من كتابة القسم الأوّل من كتاب “خصائص الأئمّة” باسم “خصائص أمير المؤمنين عليه السلام” وبطلبٍ من بعض معارفه, جمع خُطب وكُتب وكلمات أمير المؤمنين عليه السلام وسمّاها بـ “نهج البلاغة”. وقد كتب في مقدّمته السبب الّذي دعاه إلى تأليف هذا الكتاب، وجاء فيها:

“وكنت في عنفوان السّن7 ، وغضاضة الغصن، ابتدأت بتأليف كتاب خصائص الأئمّة عليهم السلام يشتمل على محاسن أخبارهم وجواهر كلامهم… وفرغت من الخصائص الّتي تخصُّ أمير المؤمنين عليّاً عليه السلام وعاقت عن إتمام بقيّة الكتاب محاجزات الزمان8… فاستحسن جماعة من الأصدقاء والإخوان ما اشتمل عليه الفصل المقُدّم ذكره معجبين ببدائعه.. وسألوني عند ذلك أن أبدأ بتأليف كتاب يحتوي على مختار كلام مولانا أمير المؤمنين عليه السلام في جميع فنونه، ومتشعّبات غصونه، من خطب وكتب ومواعظ وآداب، علماً أنّ ذلك يتضمّن عجائب البلاغة وغرائب الفصاحة وجواهر العربيّة وثواقب الكلم9 الدينيّة والدنيويّة ما لا يوجد مجتمعاً في كلام ولا مجموع الأطراف.. فأجبتهم إلى الابتداء بذلك، عالماً بما فيه من عظيم النفع..

________________________________________
6-الشريف الرضيّ ذو الحسبين محمّد بن أبي أحمد الحسين بن موسى بن محمّد بن موسى بن إبراهيم، ابن الإمام موسى الكاظم عليه السلام. ولِد في بغداد سنة (359) هـ، ونشأ بها وأقام وسكن وتوفي بها يوم الأحد في السادس من محرّم من سنة (406) هـ، وهو مفخرة من مفاخر العترة الطاهرة، وإمام من أئمّة العلم والحديث والأدب والتفسير. نظم الشعر وبلغ ذروته الرفيعة وهو لم يبلغ من العمر عشر سنين، وتولّى نقابة الطالبيّين وإمارة الحجّ والنظر في المظالم سنة (380) هـ، ثمّ عُهِد إليه في سنة (403) هـ بولاية أمور الطالبيّين في جميع البلاد فدُعي (نقيب النقباء)، وأُتيحت له الخلافة على الحرمين على عهد الخليفة القادر إلى مناصب وولايات أخرى متكثّرة.
7-أوَّلها.
8- أي ممانعاته.
9- الثواقب المضيئة ومنه الشهاب الثاقب، ومن الكلم ما يضيء لسامعها طريق الوصول إلى ما دلّت عليه فيهتدي بها إليه.

ورأيت كلامه عليه السلام يدور على أقطاب ثلاثة:

الأول: الخطب والأوامر.
الثاني: الكتب والرسائل.
الثالث: الحكم والمواعظ.

فأجمعت بتوفيق الله تعالى على الابتداء باختيار محاسن الخطب، ثُمّ محاسن الحكم والأدب، مُفرِداً لكلِّ صنف من ذلك باباً ومفصِّلاً فيه أوراقاً مقدّمة لاستدراك ما عساه يشذّ عنّي عاجلاً ويقع إليّ عاجلاً.. ولا أدّعي مع ذلك أنّي أُحيط بأقطار جميع كلامه عليه السلام حتّى لا يشذّ عنّي منه شاذّ ولا يندّ نادّ، بل لا أبعد أن يكون القاصر عنّي فوق الواقع إليّ، والحاصل في ربقتي10 دون الخارج من يدي..

ورأيت من بَعْدُ تسمية هذا الكتاب بنهج البلاغة..”11.

محتويات الكتاب بحسب الموضوعات

يُمكن تقسيم محتويات نهج البلاغة موضوعيّاً وأسلوبيّاً بشكلٍ إجماليّ إلى أقسام:

أوّلاً: الكلام في التوحيد والعدل وصفات الباري تعالى وتنزيهه عن شبه الخلق.
ثانياً: الخطب السياسيّة وخطب الحروب والتظلّم.
ثالثاً: الخطب الدينيّة في الوعظ والترهيب والترغيب وذمّ الدنيا، والأخلاقيّات، ومدح العلم.

________________________________________
10- الربقة، عروة الحبل يُجعل فيها رأس البهيمة.
11- راجع نهج البلاغة، شرح محمّد عبده،ص17، وشرح صبحي الصالح، ص33.
رابعاً: الوصايا.
خامساً: الأدعية.
سادساً: الملاحم.
سابعاً: الوصف، كوصف الطاووس والخفّاش والنملة, ووصف الجنّة…
ثامناً: الكتب والرسائل.
تاسعاً: الحِكَم القصيرة.

هذا وقد احتوى نهج البلاغة على (241) خطبة، و(79) كتاباً، و(048) كلمة تامّة.

هل كان الرضيّ أوّل من جمع خطب الإمام عليه السلام؟

حظي كلام الإمام عليّ عليه السلام باهتمام بالغ وخاصّة من الخطباء والبلغاء والوعّاظ، ولهذا نجد أكثرهم يهتمّون بجمع كلماته، ويروون خطبه، ويحفظون أقواله.

ولم يكن الشريف الرضيّ هو السابق إلى جمع كلام الإمام عليّ عليه السلام، ولا الأوّل في تدوينه، فقد عني الناس به عنايةً بالغة، وحظي بما لم يحظ به كلام أحدٍ من البلغاء على كثرتهم في الجاهليّة والإسلام، ودوّنوه في عصره، وحفظوه في أيّامه، وكتبوه ساعة إلقائه. ومن هؤلاء زيد بن وهب الجهنيّ، وكان من أصحاب الإمام عليّ عليه السلام، وشهد معه بعض مشاهده حيث جمع كتاباً من خطبه، والحارث الأعور الّذي دوّن بعض خطب الإمام عليه السلام، والأصبغ بن نباتة الّذي روى عنه عهده للأشتر النخعيّ لمّا ولاّه مصر، ووصيّته لولده محمّد بن الحنفيّة.

ومن الّذين حفظوا كلام الإمام عليه السلام ورووه: شريح القاضي12 ، وكميل بن زياد النخعيّ 13، ونوف البكّاليّ 14، وضرار بن ضمرة الضبائيّ 15، فهؤلاء سمعوا بعض كلامه عليه السلام وحفظوه. وذكر الجاحظ (255 هـ- 868م)أنّ خطب الإمام عليّ عليه السلام كانت مدوّنة محفوظة مشهورة. وأحصى المسعوديّ ما كان محفوظاً من خطبه عليه السلام – كما ذكرنا – وعدّها بأربعمائة خطبة.

ومن خلال النصوص المذكورة بأقلام الأعلام على اختلاف مذاهبهم، وفيهم المتقدِّم على الرضيّ بزمان طويل، يتبيّن لنا أنّ خطب الإمام عليّ عليه السلام كانت مدوّنة محفوظة مشهورة بين الناس معروفة عندهم، وأنّها تنوف على أربعمائة وثمانين، بينما المذكور منها في الكتاب الّذي جمعه الرضيّ لا يصل إلى هذا العدد.

وبهذا يتّضح أنّ الشريف الرضيّ لم يكن هو أوّل من جمع خطب الإمام عليّ عليه السلام، بل هناك من سبقه إلى هذا العمل.

مضافاً إلى ذلك فقد ذكر السيّد عبد الزهراء الخطيب في كتابه (مصادر نهج البلاغة وأسانيده) أسماء المصنّفات والكتب الّتي جمعت كلام الإمام عليّ عليه السلام قبل زمن الشريف الرضيّ، وعددها اثنان وعشرون مؤلّفاً ومصنّفاً 16، منها:
1 – خُطب أمير المؤمنين عليه السلامعلى المنابر في الجُمع والأعياد وغيرها،
________________________________________
12- شريح بن الحارث، مخضرم، ولكنه لم يرَ النبي صلى الله عليه وآله وسلم. استعمله عمر على القضاء في الكوفة، فلم يزل قاضياً ستين سنة إلّا ثلاث، وأقرّه الإمام عليه السلام على القضاء لأمور معيّنة واشترط عليه أن لا يُبرِم حكماً إلّا بعد عرضه عليه.
13- من خواص أصحاب الإمام عليه السلام دُفِن بظهر الكوفة (النجف) وقبره مزار مشهور.
14- نسبة إلى بني بكّال، ويظهر من بعض الروايات أنّه من خواص الإمام عليه السلام.
15- مولى أم هانئ بنت أبي طالب، كان من خواص الإمام عليه السلام. طلب إليه معاوية وصف أمير المؤمنين عليه السلام فوصفه بحيث بكى معاوية من كلامه.
16- مصادر نهج البلاغة وأسانيده، عبد الزهراء الخطيب، ج1، ص51.

زيد بن وهب الجهنيّ. والظاهر أنّ هذا الكتاب أوّل كتاب جمع خطبه عليه السلام، لأنّ مؤلّفه أدرك الجاهلية والإسلام.

2 – خُطب أمير المؤمنين عليه السلام المرويّة عن الإمام الصادق عليه السلام، وقد ذكرها ورواها أبو روح فرج بن فروة عن مسعدة بن صدقة. وقد وصلت نسخة من هذا الكتاب إلى السيّد عليّ بن طاووس، وكتب عليها أنّها كُتبت بعد المائتين من الهجرة17.

3 – مائة كلمة لأمير المؤمنين عليه السلام: اختارها أبو عثمان عمرو بن عثمان الجاحظ من كلام أمير المؤمنين عليه السلام، واختار الشريف الرضيّ جملة منها، وأثبتها في النهج18.

4 – رسائل أمير المؤمنين عليه السلام وأخباره وحروبه: لإبراهيم بن محمّد بن سعيد بن هلال بن عاصم بن مسعود الثقفيّ الكوفيّ.

بالإضافة إلى الكثير من المؤلّفات الّتي لم نذكرها اختصاراً.

شاهد أيضاً

000

مركز السيدة زينب الطبي يستخدم احدث الاجهزة المختصة في مجال فحص العيون

استخدم مركز السيدة زينب (عليها السلام) الطبي التابع لقسم الشؤون الطبية في العتبة الحسينية المقدسة ...