الرئيسية / مقالات اسلامية / كلامكم نور / دراسات في نهج البلاغة
10423679_619675931502250_4997935922838486705_n

دراسات في نهج البلاغة

العبادة هدف الخلق

أهداف الدرس

1- أنْ يتعرَّف الطالب إلى أهميّة العبادة وكونها هدف خلق الإنسان.
2- أنْ يتعرَّف إلى العبادة- من خلال نهج البلاغة – آثارها وأقسامها ومراتبها.

تمهيد

العبادة هي تلك الحالة الّتي يتوجّه فيها الإنسان باطنيّاً نحو الحقيقة المطلقة، والقوّة المُبدِعة الّتي أوجدته وأبدعته، بحيث يرى نفسه في قبضة قدرتها وملكوتها، ويشعر بأنّه محتاج إليها في كلّ زمان ومكان. فهي في الواقع سير الإنسان من الخلق إلى الخالق ليُجسِّد من خلالها أعظم لون من ألوان العلاقة المُظهِرة للخضوع والشكر للبارئ الخالق المصوِّر.

هذا اللون من الارتباط الّذي لا يستطيع الإنسان أنْ يُقيمه إلّا مع ربّه وخالقه أكّد عليه القرآن الكريم في كثيرٍ من آياته؛ حيث اعتبر أنّ العبادة والخضوع لا يجوز أنْ يكونا لغير الله تعالى، ونهى عن عبادة غيره، ولا يوجد ذنب أعظم من الشرك بالله.

قال تعالى: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ﴾1.

وفي إحدى وصاياه يقول الإمام عليّ عليه السلام: “فاعتصم بالّذي خلقك ورزقك وسوّاك، وليكن له تعبُّدك، وإليه رغبتك، ومنه شفقتك، ولا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حرّاً”2.
________________________________________
1- سورة الأعراف, الآية:59.
2- نهج البلاغة، الرسالة 31.

ويكفي في بيان عظمة العبادة وجليل آثارها وخصائصها في حياة البشر أنّ الله تعالى جعلها الغاية الكبرى من خلقهم وإيجادهم حيث قال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾3.

والله تبارك وتعالى غنيّ عن العالمين، ولا تنفعه طاعة المطيعين وعبادتهم، ولا تضرّه معصية العصاة وتمرّدهم، وإنّما فرض عبادته على الناس لينتفعوا بخصائصها وآثارها الموجبة لتكاملهم وسعادتهم.

وهذه الحقيقة الهامّة عبّر عنها الإمام عليه السلام في وصفه للمتّقين بقوله: “فإنّ الله سبحانه وتعالى خلق الخلقَ حين خلقَهُم غنيّاً عن طاعتهم، آمناً من معصيتهم، لأنّه لا تضرّه معصيةُ من عصاه، ولا تنفعه طاعةُ من أطاعه..”4.

حقيقة العبادة

تُعتبر العبادة في الإسلام من المظاهر الأساس لإبراز الخضوع لله تبارك وتعالى، ولهذا اقترنت رسالات الأنبياء عليهم السلام بالدعوة إلى الله تعالى وعبادته. ومظهر العبادة وحقيقتها يتجلّى في الإنسان الّذي يتوجّه إلى الله بعبادته إذ لا يرجو غيره، ويدعوه ولا يدعو غيره, ويطيعه ولا يعصيه كما يقول أمير المؤمنين عليه السلام: “العبادة الخالصة أن لا يرجو الرجل إلّا ربّه ولا يخاف إلّا ذنبه”5.

وهذا يعني أنّ العبادة ليست مجرّد سلسلة من المراسيم والطقوس والتقاليد والعادات والآداب المنفصلة عن حركة الإنسان في الحياة.

________________________________________
3- سورة الذاريات، الآيات، 56- 58، وهنا نشير إلى أنّ الهدف من الحياة هو العبادة كما هو مضمون الآية الكريمة, ثمّ إنّ للعبادة مراتب أعلاها اليقين، قال تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾.
4- نهج البلاغة، الخطبة 191.
5- ميزان الحكمة، الريشهري، ج 1، ص 758.

فمقياس العبادة وميزانها ليس فقط بأداء المناسك وترديد بعض الأذكار، بل هي في انعكاس هذه الأعمال على سلوك الإنسان ليجلو قلبه، ويصفو ويطهر.

فالصلاة مثلاً الّتي هي أحد أبرز مظاهر العبادة والعلاقة بالله تعالى إذا لم تنهَ عن الفحشاء والمنكر، وإذا لم تَحمِل الإنسان على صدقِ الحديث وأداء الأمانة تفقد قدسيّتها وثوابها، بل إنّها تتحوّل إلى كذبٍ على الله تعالى.

ولهذا اعتبر الإسلام كلّ عمل يقوم به الإنسان بدافعٍ من أمرِ الله عبادةً، ومن ذلك طلب العلم والكسب الحلال وخدمة الناس. ومع ذلك فقد شرّع تعاليم خاصّة للعبادة بالمعنى الأخصّ كالصلاة والصوم والحجّ.

العبادة في نهج البلاغة

يقول الشهيد المطهّري في مقاربته لحقيقة العبادة في نهج البلاغة: “إنّ صورة العبادة في نهج البلاغة من نوع عبادة العارفين بالله تعالى، بل نقول: إنّ منبع الإلهام لتصوّر العارفين بالله من العبادة في الإسلام – بعد القرآن الكريم وسنّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم – هو كلام الإمام عليه السلام”6. فالإمام عليّ عليه السلام إمام العارفين والسالكين الّذي تذوّق طعم العبادة وحلاوتها، ومارسها بأبهى صورها، وكان مثالاً يُحتذى به في عبادته لربّه. اعتبر في النصوص الواردة عنه حول العبادة أنّها عالمٌ آخر مليء باللذّات الروحيّة، وأنّ العبادة الحقّة هي نوع من الانتقال من هذا العالم المادّيّ إلى عالَم آخر مليء بالحركة والنشاط والخواطر القلبيّة واللذّات الروحيّة. وقد جاء في نهج البلاغة صورٌ كثيرة عن أهل العبادة. عن سهر لياليهم، وعن خوفهم وخشيتهم، وعن شوقهم ولذّتهم، وعن حرقتهم والتهابهم، وعن أنّاتهم وآهاتهم، وعن زفراتهم وحسراتهم، كما

________________________________________
6- في رحاب نهج البلاغة، مرتضى المطهري، ص 65، الدار الإسلاميّة، بيروت، ط1، 1431هـ, 1992 م.

جاء في النهج شرح لبعض نتائج العبادة، ومنها تلك العنايات الإلهيّة الغيبيّة الّتي يحصلون عليها بالمراقبة وجهاد النفس، وتلك الآثار الحميدة في طرد الذنوب وأدرانها، وفي علاج الأمراض النفسيّة والخُلقيّة.

يقول عليه السلام: “فاتّقوا الله عباد الله، تقيّة ذي لُبٍّ، شَغَل التفكُّرُ قلبَهُ، وأنصَبَ الخوفُ بدَنَهُ، وأسهَرَ التهجُّدُ غِرار نومه، وأظمأَ الرجاءُ هوَاجِرَ يومِهِ، وَظَلفَ الزهدُ شهواتِهِ، وأوجَفَ الذِّكْرُ بلسانه، وقَدَّم الخَوْفَ لأمانِهِ”7.

وصف عبادة الإمام عليه السلام

لقد كانت العبادة بالنسبة للإمام عليّ عليه السلام المنطلق الأساس لكلّ ما قام به وجاهد من أجله، ففي الوقت الّذي كان فيه أوّل المسلمين والمجاهدين، نراه – كما وصفه أحد أصحابه واسمه ضرار بن ضمرة الضبابيّ عند دخوله على معاوية ومسألته له عن أمير المؤمنين، قال: “فأشهد لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله، وهو قائم في محرابه قابض على لحيته، يتململ تململ السليم8 ، ويبكي بكاء الحزين ويقول: يا دنيا يا دنيا إليك عنّي، أبي تعرضت، أم إليّ تشوّقت: لا حان حينك هيهات غرّي غيري، لا حاجة لي فيك، قد طلّقتك ثلاثاً لا رجعة فيها، فعيشك قصير، وخطرك يسير، وأملك حقير، آه من قلّة الزاد، وطول الطريق، وبعد السفر، وعظيم المورد”9.

ويقول شارح النهج ابن أبي الحديد المعتزليّ في وصفه لعبادة الإمام عليّ عليه السلام: “وأمّا العبادة فكان أعبد الناس وأكثرهم صلاة وصوماً، ومنه تعلّم الناس صلاة الليل وملازمة الأوراد، وقيام النافلة. وما ظنُّكَ
________________________________________
7- نهج البلاغة، الخطبة 81.
8- أي الملسوع.
9- نهج البلاغة, ج4، ص16 ـ 17.

برجلٍ يبلغ في محافظته على وردِهِ أنْ يُبْسَط له نِطعٌ10 بين الصفّين ليلة الهرير؟ وما ظنُّكَ برجلٍ كانت جبهته كثفنةِ البعير لطول سجوده؟ وأنت إذا تأمّلت دعواته ومناجاته، ووقفت على ما فيها من تعظيمٍ لله سبحانه وإجلاله وما يتضمّنه من الخضوع لهيبته والخشوع لعزّته، عرفت ما ينطوي عليه من الإخلاص، وفهمت من أيّ قلبٍ خرجت، وعلى أيّ لسانٍ جرت..”11.

وقد أخرج الإمام عليّ عليه السلام مفهوم العبادة من الإطار الضيّق ليشمل كثيراً من جوانب الحياة وتصرّفات الإنسان، ومن ذلك ما ورد عنه عليه السلام:

“من قضى حقّ من لا يُقضى حقّه فقد عَبَدَهُ”12.

و”من لم يختلف سرّه وعلانيته وفعله ومقالته فقد أدّى الأمانة وأخلص العبادة”13.

وفي نصوصٍ كثيرة نجد أنّه عليه السلام يُشير إلى أنّ نِعمَ العبادة التفكُّر في آلاء الله يقول عليه السلام: “التفكّر في آلاء الله نعم العبادة”14 ، وكذلك التفكّر في صُنعِ الله تعالى، وأنّ من العبادة لين الكلام وإفشاء السلام.. إلى غير ذلك من النصوص الواردة في نهج البلاغة الّتي تُوسِّع معنى العبادة ولا تحصرها في تلك العبارات، بل في كُلِّ فعلٍ أخلاقيّ، وكلِّ عملٍ صالح، وكلِّ قولٍ فيه رضى لله تعالى.

________________________________________
10- بساط من جلد.
11- شرح نهج البلاغة، ابن ابي الحديد، ج1، ص27.
12- نهج البلاغة، الحكمة 164.
13- م. ن، الكتاب 26.
14- مستدرك الوسائل، الميرزا النوريّ، ج11، ص185.

شاهد أيضاً

000

مركز السيدة زينب الطبي يستخدم احدث الاجهزة المختصة في مجال فحص العيون

استخدم مركز السيدة زينب (عليها السلام) الطبي التابع لقسم الشؤون الطبية في العتبة الحسينية المقدسة ...