الرئيسية / تقارير سياسية / حركات التكفير الإرهابية… لا أصل.. لا مثيل ولا سابق لها – طراد حمادة
556b3042ebec9

حركات التكفير الإرهابية… لا أصل.. لا مثيل ولا سابق لها – طراد حمادة

يستطيع الناظر في ماهية حركات التكفير الإرهابية الموجودة في العالم، هذا العصر، أنها حركات لا أصل ولا مثيل ولا سابق لها؛ وهي تمثل حالة من الوجود تكاد تلامس العدم لو استندنا إلى أن الوجود الأصيل خيرٌ محض، والشر عدمٌ محض وهو كذلك، وعليه تكون هذه الحركات موجودة على نحو من الوجود يمكن قياسه على الوجود المفهومي للشر هذا من الجانب الفلسفي، ومن الجانب الواقعي التاريخي، يمكن لحركات شاذة، غير متصالحة مع تاريخها، ولا مع أيّ تاريخ آخر، أن تكون حركات هجينة، عجيبة الخلق، عقيمة التوالد، متفقة مع أنماط من السلوك وأشكال من الأفكار والترهات لا تندرج في السياق الطبيعي لسيرة الفكرة وحركة التاريخ الإنساني…
ولأن الحركات التكفيرية الإرهابيّة حركات عجيبة الولادة وعقيمة التوالد، ولأنها غير متصالحة ولا متفقة مع واحدة من المراحل التاريخية والمذاهب الفكرية، فإنه يصح عليها القول أنه لا أصل ولا مثيل ولا سابق لها…
ما الدليل على ما نقول؟
نجد الدليل على ما نقول في محلين اثنين:
الأول: النظر في حركات الفكر الإنساني وكذلك في المراحل التاريخية ودراسة مظاهرها العامة.
الثاني: النظر في “فكر الحركات التكفيرية الإرهابية”، وفي فعلها في الساحة التاريخية المعاصرة.
وبعدها نقوم بالبحث والتقصي والمقابلة والمقارنة، لنرى هل من تشابه وتناظر وتماثل، واتباع ومتابعة، وأصول مشتركة في الفكر والعمل، في السياسة والأخلاق، في كل مناحي الفكر الإنساني بين ما تقوم به الحركات التكفيرية الإرهابية وما عرفته ميادين الساحة التاريخية في مواضع النظر ذات الصلة.
لا بدّ للناظر، في وسع هذا المقال أن يختار عيِّنات، يبررها علاقة ما من نوع الجوار وبعض المشتركات المعنوية الظاهرية والشكلية مع هذه الحركات، للنظر إن كان لها أصول أو مثيل أو سابق نعود إليه، ونحسبها عليه، ونستدل منه عمّا نريد معرفته عنها، وهذه العينة المختارة من التاريخ الإنساني صالحة في البحث داخل التاريخ الإسلامي وفي المذاهب الإسلامية المعتبرة، باعتبار أن هذه الحركات إنما تنشط في العالم الإسلامي بشكل أساس، وتدعي النسبة إلى الإسلام في الظاهر والإسلام منها براء، وتقول أنها تريد إقامة الدولة الإسلامية وفق قواعد الشريعة الإسلامية وهذا نفاق لا يمتُّ إلى الحقيقة بصلة، وهذا الاختيار مبرر لهذه الأسباب التي أركز على مشتركاتها الظاهرية.
لقد عرف التاريخ الإسلامي، أحداثًا ووقائع وحروبًا خارجية وفتوحًا وغزوات، وحروبًا داخلية من الفتن المتنقلة إلى الدسائس والمقاتل، فيها كثير من الظلم والطغيان وسفك الدماء، وهذا، معروف عند كل باحث متبصر في هذا التاريخ، لكن كل هذه الحروب والصراعات والفتن والمقاتل والمظالم، كانت تقوم على قاعدة جلّها مرتبط بأمر تداول السلطة والصراع على السلطان والنفوذ، وكانت كل طائفة من المسلمين، تعمل على الوصول إلى السلطة، ومن بعدها تحاول أن تعيد الحياة إلى طبيعتها، وعليه كان يحصل في الواقع نوع من التداول العنفي للسلطة وتعبر مراحل الممالك والحكومات من جماعة إلى أخرى، في طرائق تتخللها الصراعات الدامية، والتبادل العنيف، ويليها الحفاظ على الوحدة الإنسانية، أو ما عبّر عنه بوحدة الأمة الإسلامية وكيانها.
كان هذا التداول العنيف للسلطة والحروف الداخلية في الإسلام يحصل على قاعدة مطلب الحفاظ على وحدة الأمة ومصالحها، وكان الناس في مواطن عديدة على مذهب السلطان، حصل ذلك في المغرب الإسلامي، وفي مصر، والعراق وبلاد الشام وكذلك في فارس وكامل الهضبة الإسلامية وبلدان آسيا وأفريقيا. كان خصم كل طرف في نزاع سلطة، هو السلطة المقابلة، ولم يكن الشعب أو الجماعة أو الأمة، خصمًا في هذا الصراع. لم تكن هذه الحروب نائية عن استخدام العنف الفظيع وارتكاب المظالم والمحرمات، ليس التاريخ عندنا بالصفحة البيضاء، ولا السمحاء، لكن ما كان لسلطان جديد، كسب سلطته بالسيف أو بغيره، أن يجعل من الأمة، كل الأمة خصماً له، وأن يُعمل هذا السيف في رقاب الناس، لدفعهم إلى طاعته، مخيراً إياهم بين الطاعة العمياء والموت المحتم.
كانت ثمة قواعد تنظم التداول العنيف للسلطة، في دار الإسلام، لعلّ من أبرزها النظر باهتمام إلى سلامة النظام العام، إلى استمرار الدولة، واستمرار الحياة والعيش، والحفاظ على حياة الأفراد والجماعات، وعلى مصادر رزقهم ومعاشهم ووحدة كيانهم السياسي.
لكن ما تقوم به الحركات التكفيرية الإرهابية، هو الوصول إلى السلطة، باسم سلطان شاذٍّ، غريب عجيب، يريد أن يدمر معالم الحياة، ليقيم عرشه على مساحات المقابر، في صورة سوريالية لا يفوقها العقل، إلاّ إذا ذهب الخيال إلى جحيم الخراب، حيث نيران الشر تأكل كل خصب وخير، وتحرق الأخضر واليابس، وتقتل كل روح، وكأنها لا تريد إدارة شؤون الحياة وإنما تدميرها والشعور بنشوة الخراب، هؤلاء هم القتلة المفسدون في الأرض، الذين يتَّخذون الشيطان ولياً، ويناصبون آدم العداء، ويقتلون الأنبياء والأولياء والأبرياء ولا يريدون إقامة العدل في الحياة على هذه الأرض وكأنهم جاؤوا من كواكب أخرى يتبعون شيطان مستقرِّ آدم آخر، لأن شيطان هذا العالم لا قدرة له على إزهاق روح العالم العامة، وإن كان يستطيع إفساد حياة الأفراد وتهديد قيام النظام العام في الجماعات والدول.
إن مقارنة ماهية هذه الجماعات التكفيرية الإرهابية مع الصورة الأقسى والأكثر ظلامية في التاريخ الإسلامي، يظهر أن فساد هذه الجماعات وإفسادها تجاوز كل فساد وخراب آخر، حتى تسأل من أين جاءت هذه الظاهرة بكل أدوات الخراب. للبحث صلة

شاهد أيضاً

1

تزايد قوة لبنان في مواجهة الجماعات التكفيرية… أربك السعوديين

إن نجاح لبنان في التصدي للجماعات الإرهابية، وفشل الجماعات التكفيرية في لبنان وسوريا، ومنع سياسات ...