الرئيسية / تقاريـــر / بين القائد والقيصر.. لقاء تاريخي بكل المقاييس

بين القائد والقيصر.. لقاء تاريخي بكل المقاييس

بكل المقاييس، زمانا و مكاناً و أسلوباً و مضموناً، كانت زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية تاريخية. الزيارة التي حظيت بخصوصية كبيرة من قبل الجانبين تخّللها أمر متعمّد من قبل الرئيس الروسي حيث توجه مباشرة للقاء قائد الثورة الإسلامية آية الله السيد علي الخامنئي، قبل لقائه نظيره الإيراني حسن روحاني لإجراء مراسم الاستقبال، كما هي العادة.

 زمانياً، تأتي الزيارة بهدف المشاركة في قمة منتدى الدول المصدرة للغاز المنعقدة في طهران، إلا أن الرئيس الروسي سجّل خرقاً آخر تمثل بتأخره ساعة عن الاجتماع ، بسبب لقائه المطوّل والذي امتد على مدى ساعتين مع آية الله خامنئي، مما يؤكد أن هدف بوتين من الزيارة يتعدّى ما هو معلن، بل يريد أن يرسّخ قواعد اللعبة التي بدأت مع زيارة قائد فيلق قدس الإيراني الجنرال قاسم سليماني إلى موسكو قبل فترة، بأمر قائد الثورة.

 أسلوباً، إضافةً إلى إنتهاك بوتين للعرف الدبلوماسي و لقائه بالقائد قبل الرئيس روحاني، في سابقة تعدّ الأولى من نوعها في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، فقد حمل الرئيس الروسي معه هديّة رمزية عبارة عن نسخة خطية قديمة جداً من القرآن الكريم وضعت في صندوق أخضر كبير، هديّة تحمل في دلالاتها الكثير من المعاني، أبرزها إدراك و إهتمام بوتين بالعقلية الإيرانية التي ترفع شعار الإسلام، فضلاً عن إستعداده للتعاون معها في مواجهة الجماعات التكفيرية و الإرهابية، كما هو الحال اليوم في سوريا.

 وأما من ناحية المضمون، فقد أسّست هذه الزيارة لمرحلة جديدة من التعاون والعلاقات القويّة بين البلدين في ظل الإصطفاف الدولي الذي لا يسمح لأحد بإمساك العصا من الوسط، كما أنها قطعت الطريق على كافّة الإشاعات التي أُثيرت في الآونة الأخيرة حول وجود خلاف روسي إيراني على الأراضي السورية. القائد كعادته كان صريحاً  و واضحاً حيث شدّد على أنّ المخطط الأميركي البعيد الأمد للمنطقة يضرّ بجميع الشعوب و الدول، و خصوصاً إيران و روسيا، داعياً إلى العمل بوعي و تعاون أوثق لإحباط هذا المخطط. ووصف بوتين بأنه شخصية بارزة في عالم اليوم، و وجه الشكر والتقدير إلى جهود روسيا في القضية النووية الإيرانية. في المقابل طمئن بوتين الحليف الإستراتيجي من طهران قائلاً نحن “لا نخون الحلفاء” في رسالة واضحة الشكل و المضمون. لم ينتظر المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف طويلاً ليعلّق على ما حصل حيث أكّد أن روسيا و إيران لديهما “وجهة نظر واحدة بينهما، في مواجهة الطابع غير المقبول لمحاولات خارجية لإملاء فرضيات حول تسوية سياسية في سوريا”، وتؤكدان أن أي تغيير في القيادة يجب أن يأتي عبر انتخابات. وأضاف أن الاجتماع كان “بنّاءً جداً”، جرى خلاله “تبادل موسع للآراء بأدق التفاصيل”.

وبصرف النظر عن “تاريخية” لقاء القمّة بين القائد و القيصر، فإنه يحمل في طياته جملة من الدلالات، أبرزها:

 أولاً: إذا كانت زيارة الجنرال قاسم سليماني إلى روسيا أسّست للتدخل الطرفين في سوريا لضرب الجماعات الإرهابية، فإن زيارة الرئيس الروسي إلى طهران ستثبّت قواعد هذا التحالف، لا بل تؤسس لما هو أكبر من ذلك، خاصةً أن الرئيس بوتين إستبق زيارته إلى طهران برفع الحظر المفروض على بيع و تسليم معدات تكنولوجية مرتبطة بالطاقة النووية، ولا سيما لموقعي فوردو و آراك النوويين الإيرانيين، عملاً بالاتفاق النووي، إضافةً إلى إعلان طهران عن بدء إجراءات إستلام نظام صواريخ “اس-300” المضادة للصواريخ من روسيا.

 ثانياً: تحمل الزيارة في طياتها، وبصرف النظر عن النتائج التي ترتّبت على لقاء بوتين مع الرئيس روحاني، تحمل قناعة روسيّة بمواجهة العدو الأمريكي عبر تعزيز التعاون مع الحليف الإيراني. واشنطن التي لجأت لتعزيز علاقاتها مع أنقرة مؤخراً بغية الإمساك بزمام أمور المنطقة، دفعت بالرئيس بوتين لإرسال رسائله عبر لقائه مع آية الله خامنئي بكل الإتجاهات. إن عبارة لا نخون الحلفاء تعبّر عن إقتناع روسيا بمقاربة إيران للأزمة السورية و بقيّة أزمات المنطقة من ناحية، و رسالة قويّة لبعض حلفاء أمريكا التي تخون و تساوم على حلفائها من ناحية آخرى.

 ثالثاً: إن زيارة بوتين الإستراتيجية تؤكد إمكانية التعاون العسكري بين الجانبين في العديد من أزمات المنطقة كالعراق و اليمن، إضافةً إلى الدعمين السياسي و الإقتصادي المتبادل.

 لا نريد أن نستبق الأحداث، لذلك دعونا ننتظر تداعيات هذه الزيارة، و لتبقى أعيننا على الجبهة السورية تارةَ، و الجبهتين العراقية و اليمينة أخرى.