الرئيسية / اخبار العلماء / على شعوب العالم ان تنظر اليوم الى ما يتمتع به زوار الامام الحسين (ع)
11

على شعوب العالم ان تنظر اليوم الى ما يتمتع به زوار الامام الحسين (ع)

ممثل المرجعية العليا في اوربا يتحدث عن اهمية زيارة الاربعين ومشروعيتها واهدافها الاجتماعية والسياسية والثقافية وغيرها، ويقول:
• على شعوب العالم ان تنظر اليوم الى ما يتمتع به زوار الامام الحسين (ع) من مكارم الاخلاق وسجايا الخير
• للامام الحسين (ع) اكثر من عشر زيارات مخصوصة خلال ايام السنة والتي لم تكن لغيره من المعصومين (ع)
• يناشد الزائرين بالمحافظة على اهداف نهضة الحسين (ع) والالتزام بها واداء الواجبات في وقتها خصوصا الصلاة منها، وعدم التهاون والاستخفاف بها ففي الحديث عن الامام الصادق (ع) (لا تنال شفاعتنا من كان مستخفا بصلاته) والمتهاون بها يعاقب بخمسة عشر خصلة في الدنيا والاخرة
• يؤكد على اصحاب المواكب والتكايا عدم التبذير والاسراف في بذل الطعام وغيره، مبتعدين عن المباهاة والمفاخرة التزاما بتوجيهات المرجعية العليا الصادرة لزوار الحسين (ع)
• على الزائر الكريم لقبر الحسين (ع) ان يتساءل مع نفسه هل هو صادق فيما يدعيه من شعار (ياليتنا كنا معكم فنفوز فوزا عظيما)؟ وهل سينال بمشيه هذا بكل خطوة حسنة وتمحى عنه سيئة؟ وهل عندما تدرف الدموع حزنا على الحسين (ع) سيكون مصداقا لقول الامام الصادق (ع) (كل عين باكية يوم القيامة الا عينا بكت على الحسين فانها ستكون ضاحكة)
• فاليعلم اولئك الذين لا يتورعون عن اكل مال الحرام من المنتسبين الى الدولة باخذ الرشاوى من المواطنين المستضعفين والارامل واليتامى ممن في قلوبهم حب الحسين (ع) ويذرفون عليه الدمع الغزير، بأن اولئك وغيرهم مشمولون بخطاب العقيلة زينب (ع) (اي والله فابكوا كثيرا واضحكوا كثيرا فقد ذهبتم بعارها وشنارها)
• ان الحسين (ع) بريء كبراءة الذئب من دم يوسف من اولئك الذين خضموا اموال العراقيين وصيروها لهم ملكا في بنوك الغرب والشرق سيطوقون بها يوم القيامة نارا تحرقهم ولهم عذاب اليم

جاء حديثه هذا بمناسبة ذكرى زيارة اربعينية الامام الحسين (ع)، هذه الزيارة التي تجسد عظمة الاسلام في هذه الضروف الحساسة والصعبة مقابل المد الارهابي والتكفيري الذي شوه صورة الاسلام والمسلمين باساليبه الهمجية والبربرية المقززة للنفوس بمختلف انواع القتل وتقطيع الاعضاء وسمل الاعين واسترقاق العوائل وتفجير الاماكن العامة وغيرها من الاعمال التي يندى لها الجبين، مما جعل البعض يتصور ان هذا هو الاسلام في واقعه وجوهره، وكأن رسالته مبنية على هذه المظاهر الوحشية، بينما (تظهر زيارة الامام الحسين (ع) التي جذبت الملايين من مختلف جنسيات العالم وقومياتهم وعلى اختلاف لغاتهم واديانهم، عكس ذلك من الالفة والمحبة والعطف والاحترام والتسامح والمساعدة للبعض الاخر مما يظهورن به الوجه الناصع للاسلام).

ان هذه الجموع من الملايين الزاحفة صوب قبر الحسين (ع) من مختلف انحاء العالم ركوبا وسيرا على الاقدام لمئات الكيلومترات من دون تكون لهم زاد وراحلة، مكتفية بملابسها الشخصية، يرافقها العطاء والاخلاق النبوية من تراحم وتحاب وتواد وتآلف وكانهم من اسرة وعائلة واحدة ابوهم محمد وعلي (ص) (ياعلي انا وانت ابوا هذه الامة) متناسين الدنيا وملذاتها واغراءاتها وغرائزها، مبقية في عواطفها وعقولها ومشاعرها وتفكيرها حب الله والنبي وحب الحسين واهل بيته (ع)، ملتزمة بنهجه القويم متمنية السعادة والخير لابناء الدنيا كلها .

هذه الجموع الرهيبة تسير بقلوب ملؤها الشجاعة والقوة لا تعرف الخوف والقلق متوقعة الموت في اي لحظة من قبل الاعداء، فما احوج شعوب العالم اليوم الى الاقتدا والانتهاج بمنهج اخلاق زوار الحسين (ع) المخلصين في يوم الاربعين، وما احوج البشرية على اختلاف مشاربها واديانها ومذاهبها الى التعرف الى الاسلام المحمدي الاصيل من خلال نهج زوار الامام الحسين (ع) في العشرين من صفر الذي يجسد الحب والمودة بين ابناء شعوب العالم بعيدا عن الحقد والبغض ولغة الدماء دون ان تحمل الة جارحة او كلمة تنفر الاخرين او مستعينة بشرطي او رجل امن وانما تنظم نفسها بنفسها، نعم الا من وقف من رجال الامن لحمايتها والمحافظة عليها من كيد الاعداء والمعتدين، ولهذا ساروا على نهج الحسين (ع) مرددين قول الشاعر:

إذا شئت النجاة فزر حسيناً غدا تلقى الإله قرير عـين
فأن النار ليس تمس جسماً عليه غبار زوار الحسين

وبعد هذا العرض المجمل يأتي السؤال لمن يسال: ما هو الغرض العقلائي من زيارة قبر الحسين (ع) في زيارة الاربعين وغيرها، خاصة وان الزيارة تستلزم شد الرحال وتجشم عناء السفر وصرف الاموال؟
وقد تركت الاجابة في حديثي هذا عن هذه الامور وغيرها الى حديث استاذنا المرحوم الشيخ الكاشي عن زيارة الحسين (ع) قائلا:

إنّ زيارة قبر الحسين (ع) خير موضوع ، فمَنْ شاء استقل و مَنْ شاء استكثر على حدّ تعبير الإمام الصادق (ع) . أجل ، إنّه عمل صالح وموضوع حسن و محبوب عقلاً و شرعاً ؛ أمّا حسنه من الناحية العقلية : فلأنّ تقديس العظماء و تمجيد الأبطال بعد موتهم نزعة فطرية و سنّة عقلائيّة سائدة في كافة أنحاء العالم ، و بين جميع الأمم والشعوب العلميّة والحضارات الإنسانية منذ أقدم العصور و إلى يومنا هذا ، بل إنّ عصرنا هذا وجيلنا الحاضر هو أكثر تمسّكاً و أشدّ محافظة على هذا التقليد من السابق .

فترى بعض الدول التي ليس لها زعيم سابق معروف و بطل عالمي شهير تمجّد فيه البطولة والفداء في سبيل الاُمّة يعمدون إلى بناء نصب تذكاري يسمّونه (الجندي المجهول) ، يرمزون به إلى التضحية الفذّة والفداء المثالي في سبيل الوطن ، و يمجّدون فيه البطولة والشهامة .

وها نحن نسمع و نقرأ و نرى إنّه ما من رئيس دولة زار أو يزور دولة اُخرى في الشرق أو في الغرب إلاّ وكان في برامج زيارته موعد خاص لزيارة ضريح عظيم تلك الدولة أو مؤسسها أو محرّرها ، أو زيارة النصب التذكاري فيها للجندي المجهول ، فيضع على ذلك الضريح أو ذلك النصب إكليلاً من الزهور و يؤدي التحيّة المرسومة .

حتى الدول الشيوعية التي نبذت كلّ التقاليد العامّة والمراسيم القديمة فإنّهم لا يزالون محتفظين بهذا التقليد ، ولا يمكن أن يزور زائر رسمي زيارة رسمية للاتحاد السوفياتي ما لم يقصد قبر لينين ، مفجّر الثورة الشيوعية في روسيا ، و يؤدي التحيّة لقبره .

و ممّا يذكر بهذه المناسبة أنّ من مراسيم الأعياد عند أهالي موسكو أن يزوروا ضريح لينين كلّ عيد وفي كلّ مناسبة . وفي الولايات المتّحدة الأمريكية لا يزال ضريح الرئيس جون كندي القتيل يزار من قِبَلِ آلاف الأمريكان في الأعياد والمناسبات ، و ربّما يبكون عليه أحياناً.

والخلاصة هي : إنّ زيارة قبور الأبطال ومراقد العظماء وأضرحة الشهداء سيرة عقلائيّة وسنة إنسانية ، لا تخصّ قوماً أو اُمّة أو طائفة ، فلماذا يُلام الشيعة أو ينتقدون إذا زاروا مرقد الإمام الحسين (ع) بكربلاء و هو سيّد الشهداء الأحرار ، وقدوة القادة الأبطال ، والمثل الأعلى لرجال الإصلاح والفداء في العالم ، الذي أنقذ اُمّته من خطر المحو والزوال ، و دفع بها نحو الأمام والسير على الطريق المستقيم بعد أن كلّفه ذلك جميع ما ملك في هذه الحياة ؟!

ففي زيارة قبر الحسين (ع) من المكاسب الروحيّة والفوائد الفكريّة والأخلاقيّة ما ليس مثلها في زيارة أيّ مرقد و ضريح آخر ؛ ولذا قال الإمام الصادق (ع) : (( مَنْ زار الحسين (ع) عارفاً بحقّه فكأنّما زار الله في عرشه )) . وفي حديث آخر عنه (ع) قال : (( زيارة الحسين (ع) فرض على كلّ مَنْ يؤمن للحسين (ع) بالولاية )) .

ألا ترى الشعوب غير المسلمة تنحت الصور ، وتقيم التماثيل لرجالها المصلحين في الساحات العامّة والمواقع الحساسة من مدنها ؟ لماذا يصنعون ذلك ؟ لا شك أنّك تعرف أنّهم يفعلون ذلك تكريماً لذكراهم ، و شكراً لتضحياتهم ، وتلقيناً لسيرتهم و عملهم إلى الشباب الحاضر والأجيال القادمة ، غير أنّ الإسلام يحرّم النحت وصنع التماثيل مطلقاً ، ولأيّ شخص كان .

فلذا ليس أمامنا نحن المسلمين لأجل تكريم زعمائنا المخلصين و شهداءنا الأحرار ؛ لأجل الإعراب عن شكرنا لهم ، ولأجل تلقين أجيالنا الطالعة سيرتهم ومبادئهم ، إلاّ زيارة قبورهم ، والوقوف أمام مراقدهم خاشعين مستوحين منها ذكريات التضحية والفداء في سبيل المصلحة العامّة .

هذا منطق الشيعة وفلسفتها لهذه الظاهرة ، وهو كما تراه منطق العقل في كلّ زمان ومكان .

وفي الختام : إليك نبذة من كتاب (أبو الشهداء) للعقاد حول هذا الموضوع قال : وشاءت المصادفات أنْ يُساق ركب الحسين (ع) إلى كربلاء بعد أنْ حيل بينه و بين كلّ وجهة اُخرى ، فاقترن تاريخها منذ ذلك اليوم بتاريخ الإسلام كلّه ، و من حقّه أنْ يقترن بتاريخ بني الإنسان حيثما عرفت لهذا الإنسان فضيلة يستحق بها التنويه والتخليد .

فهي ـ أي كربلاء ـ اليوم حرم يزوره المسلمون للعبرة والذكرى ، ويزوره غير المسلمين للنظر والمشاهدة ، ولكنّها ـ أي كربلاء ـ لو أُعطيت حقّها من التنويه والتخليد لحقّ لها أنْ تُصبح مزاراً لكلّ آدمي يعرف لبني نوعه نصيباً من القداسة وحظّاً من الفضيلة ؛ لأنّنا لا نذكر بقعة من بقاع هذه الأرض يقترن اسمها بجملة من الفضائل والمناقب أسمى وألزم لنوع الإنسان من تلك التي اقترنت باسم كربلاء بعد مصرع الحسين (ع) فيها .

فكلّ صفة من تلك الصفات العلويّة التي بها الإنسان إنسان ، و بغيرها لا يحسب إلاّ ضرباً من الحيوان السائم ، فهي مقرونة في الذاكرة بأيّام الحسين (ع) في تلك البقعة الجرداء(1) . انتهى محلّ الشاهد من كلام العقاد .

وقد التزم أهل البيت (عليهم السّلام) وشيعتهم بالحفاظ على زيارة الحسين (ع) في ظروف صعبة وشاقّة ، وقد كلّفتهم تضحيات غالية ؛ ففي عصر المتوكّل العباسي مثلاً فرضت ضريبة مالية قدرها ألف دينار من ذهب على كلّ شخص يرد كربلاء لزيارة قبر الحسين (ع) ، ولمّا رأت السلطات العباسيّة أنّ هذه الضريبة الباهظة لم تمنع الناس من زيارة الحسين (ع) أضافوا إليها ضريبة دموية ، فكانوا يقتلون من كلّ عشرة زائرين واحداً يعيّن من بينهم بطريق القرعة .

وكان أئمّة أهل البيت (عليهم السّلام) يعلمون ذلك كلّه ولم يمنعوا الناس من زيارة الحسين (ع) لما فيها من مكاسب روحية و اجتماعية وسياسية للمؤمنين ، بل يحثّونهم على الاستمرار في زيارة قبر الحسين (ع) رغم كلّ الصعاب والعقبات ، و يقولون لهم إنّ لزائر قبر الحسين (ع) بكلّ خطوة يخطوها حسنة عند الله سبحانه .