الرئيسية / تقارير سياسية / { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ } – سالم الصباغ
1

{ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ } – سالم الصباغ

إن من أعظم مقامات الرسول الأعظم صلوات الله عليه وآله هو مقام ( رحمة الله للعالمين ) وهو مقام يدل على الرحمة المطلقة التي هي ظل للرحمة الإلهية، ولو فتحنا كتاب الله التدويني أي القرآن الكريم لوجدنا أن أولى الآيات المباركات التي بدأت بها سورة الفاتحة المباركة، هي الآية الشريفة:
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِْ
وكذلك كانت بداية الخلق ببسم ( الله … الرحمن … الرحيم ) … أي أن الله عز وجل خلق هذا العالم للرحمة .
وكان مظهر هذه الرحمة المطلقة هو نور النبي الخاتم محمد صلوات الله وسلامه عليه وآله، فالروايات التي ذكرت أولية خلق نور النبي الخاتم صلوات الله عليه وآله تملأ الكتب والمؤلفات، ونكتفي منها بالحديث المشهور :
( أول ماخلق ربك ياجابر خلق نور نبيك ومنه خلق كل خير )
فهذا النور المحمدي الذي تجلت فيه الرحمة الإلهي هو أول الفيوضات الإلهية التي انعكست من النبي الخاتم فأشرقت في عالم الوجود ، ولذلك فمقام الرسول الأعظم صلوات الله عليه وآله هو أنه :
( واسطة الفيض الإلهي الأولي )
فباسم ( الرحمن ) بسط الله هذا الوجود .. فهذه هي الرحمة الرحمانية العامة لكل المخلوقات .. فكان الرسول الأعظم صلوات الله عليه وآله هو مَظهر هذه الرحمة ومُظهرها .. يقول رب العالمين الرحمن الرحيم : { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ } (الأنبياء/107).
واسم الرحمن هو من الأسماء المحيطة بباقى الأسماء الإلهية كالاسم الجامع الله ، يقول عز وجل :
{ قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَٰنَ ۖ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ ۚ } (الإسراء/110)
كذلك هو مقام الاستواء على العرش يقول تعالى :
{ الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى } (طه/5).
وباسم ( الرحيم ) كان ( كمال ) بسط الوجود .. فهذه هي الرحمة الرحيمية الخاصة التي كتبها الله للذين آمنوا وللذين اتقوا .. يقول تعالى عن الرسول الأعظم صلوات الله عليه وآله :
{ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ
بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ } (التوبة/128).
فهذه هي الرحمة الرحيمية الخاصة بالمؤمنين جميعهم آدم فمن دونه من الأنبياء والرسل والأوصياء والمؤمنين .
ولكن ما حقيقة هذه الرحمة الإلهية للعالمين ؟
إن حقيقة الرحمة الإلهية هي النبوة المطلقة ، يقول تعالى ردا على المعترضين على نبوة الرسول الأعظم صلوات الله عليه وآله :
{ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ } (الزخرف/32)
ففي هذه الآية الشريفة ، والتي جاءت رداَ على اعتراض المشركين على (نبوة ) الرسول صلوات الله عليه وآله لدليل على أن النبوة هي ( رحمة ربك ) ذكرت مرتين .. لعل المرة الأولى للرحمة الرحمانية العامة للحديث في الآية الشريفة عن ( قسمة المعيشة ) وهي عامة لكل الخلق .. ولعل المرة الثانية هي إشارة للرحمة الرحيمية الخاصة بالمؤمنين .
وحيث إن الرسول الأعظم صلوات الله عليه هو صاحب مقام الرحمة المطلقة (رحمة الله للعالمين) .. فهو صاحب مقام ( النبوة المطلقة ) … أى لكافة الخلق أى آدم فمن دونه .. فهو الشاهد على الشهداء ، والشهداء هم الأنبياء والرسل والأوصياء .. يقول تعالى :

 
{ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ } (سبأ/28).
ويقول تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ
لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ ۖ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ
لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } ﴿١٥٨﴾
وعن هذه الرحمة يقول تعالى : { وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ } (الأعراف/156).
ـ من هذا المنطلق نقول أن نبوة الرسول الأعظم صلوات الله عليه وآله كانت رحمة للعالمين ، وهذه الرحمة سارية في جميع النشآت لأنها وسعت كل شيء ، ولأنها ظل للرحمة الإلهية ، بل إن الرسول الأعظم صلوات الله عليه وآله قال عن نفسه الشريفة :
( أنا الرحمة المهداة )
مع ملاحظة أن رحمة الله عز وجل استقلالية ..
ورحمة الرسول صلوات الله عليه وآله استظلالية ( أي ظل للرحمة الإلهية ) ..
الرحمة الإلهية في الصلاة على النبي وآله
ـــــــــــــــــــ
يقول تعالى :
{ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً }
وسئل الإمام الكاظم عليه السلام : ما معنى صلاة الله وملائكته وصلاة المؤمن ، فقال :
صلاة الله رحمة
وصلاة الملائكة تزكية له صلوات الله عليه وآله
وصلاة المؤمن دعاء له صلوات الله عليه وآله
مامعنى أن الصلاة من الله رحمة ؟
يقول أحد العارفين :
( إن صلاة الله عليه وآله هي إظهار رحمته في جميع النشآت ، وإعطائه كافة المقامات العالية ، وشرح مراتبه وإظهارها في العالمين .
ولعلنا نلاحظ ذلك في قوله تعالى :
{ هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا }
(الأحزاب/43).

 
ـ هذا في الصلاة على المؤمنين ، والخروج من الظلمات إلى النور تعنى الإظهار .
ـ وفي صلاة المؤمنين على الرسول الأعظم صلوات الله عليه وآله جاء في الرواية الشريفة :
(( روى المجلسى في كتاب بحار الأنوار ، عن أبى عبد الله عليه السلام :
( وأشهد أنك لم تأمر بالصلاة عليه إلا بعد أن صليت عليه أنت وملائكتك فأنزلت في فرقانك الحكيم :{ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً }
لا لحاجة به إلى صلاة أحد من الخلق عليه بعد صلاتك ولا إلى تزكية بعد تزكيتك بل الخلق كلهم محتاجون إلى ذلك لأنك جعلته بابك الذي لا تقبل إلا من أتاك منه ، وجعلت الصلاة عليه قربة منك ووسيلة إليك وزلفة عندك ، ودللت عليه المؤمنين ، وأمرتهم بالصلاة عليه ليزدادوا بذلك كرامة عليك ) .

 
مثال هدية العبد لصاحب البستان :
وهو مثال ذكره السيد الطباطبائى لمعنى أن صلاة المؤمن للنبى صلوات الله عليه وآله دعاء له :
( لوفرضاَ عبدا أخذ ورده من بستان سيده وأهداها إليه ، هل يسر صاحب البستان هذا ؟!! أقول :طبعا يسره ويعود هذا السرور على العبد ، فالبستان بستانه ، والورد ورده ، والعبد عبده :(بيمنه رزق الورى … وبوجوده نبتت الأرض والسماء)
أمثلة من رحمة الرسول صلوات الله عليه وآله :
ـ هذه نماذج من رحمته صلوات الله عليه وآله :
رحمته بالأطفال
روي: «أنَّ رسول الله كان يقبِّل الحسن والحسين(ع)، فقال الأقرع بن حابس: إنَّ لي عشرة من الولد ما قَبَّلتُ أحداً منهم، فنظر إليه رسول الله، ثم قال: من لا يَرحم لا يُرحم )
رحمته بالخدم
روى أبو ذر رضي الله عنه أنَّ الرسول قال:
«هم إخوانكم، جعلهم الله تحت أيديكم ، فأطعموهم مما تأكلون ، وألبسوهم مما تلبسون ، ولا تكلّفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم)
وعن أنس رضي الله عنه أنَّه قال : «خدمت رسول الله عشر سنين لا والله ما سبَّني سبَّة قط ،
ولا قال لي أفّ قطّ، ولا قال لي لشيء فعلته لم فعلته، ولا لشيء لم أفعله ألا فعلته)
رحمته بالنساء

 
في الحديث الشريف :
«ألا واستوصوا بالنّساء خيراً، فإنَّما هنَّ عوان عندكم، ليس تملكون منهنَّ شيئاً غير ذلك )
وعن أَبي قَتادَةَ الحارِثَ بن رِبْعي قال: قال رسول اللَّه: «إِنِّي لأَقُومُ إلى الصَّلاةِ، وَأُرِيدُ أَنْ أُطَوِّل فِيها، فَأَسْمعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَأَتَجوَّز فِي صلاتِي كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّه )
رحمته بالطيور والبهائم
عن عبد الله، عن أبيه قال: «كنَّا مع رسول في سفر، فانطلق لحاجته، فرأينا حُمرة (طائر يشبه العصفور) معها فرخان، فأخذنا فرخيها، فجاءت الحمرة، فجعلت تُعرش فلما جاء، قال: من فجع هذه بولدها؟ ردُّوا ولدها إليها)
وعن سهيل بن الحنظلية قال: «مرّ رسول ببعير قد لحق ظهره ببطنه، فقال: اتقوا الله في هذه البهائم المعجمة ) فاركبوها صالحة، وكلوها صالحة
رحمته بأعدائه
ومن شواهد رحمته بأعدائه موقفه العظيم، يوم فتح مكة عندما مكّنه الله تعالى من قريش، فأطلق الرسول كلمته الخالدة:«اليوم يوم المرحمة وكان محقّاً فيما قاله فقد أعلن عفوه العام عن قريش التي لم تدّخر وسعاً في إلحاق الأذى به وبالمسلمين، وكان ذلك تفضّلاً منه ورحمةً.

 
وقوله لإعدائه : ( اذهبوا فأنتم الطلقاء )
ونختم هذه الفقرة بقوله تعالى :
{ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ }
فأين التكفيريون من أصحاب المفخخات، وقاتلي النساء والأطفال ، وقاطعي الرؤوس واللاعبين بها كالكرة ، وآكلي أكباد المسلمين ، تحت نداءات التكبير والتهليل ، وتحت عنوان ( أهل سنة الرسول الأعظم ) صلوات الله عليه وآله ، وهو منهم براء ، وسنته منهم براء ، فليس منهم ولاهم منه .
اللهم إنا نتبرأ منهم ومن أفعالهم ، وممن حرضهم ، وممن رضي بفعالهم ، وممن أسس لهم ، وبنى لهم بنيانهم .

 
اللهم صل وسلم على سيدنا محمد
القلب المعمور ..
والسر المستور ..
الحائز لسر الأول والآخر .. والظاهر والباطن ..
البحر الزاخر ، والنو الباهر
ما ذكرناه في ضيق إلا وسعه الله ..
ولا بعيد إلا وقربه مولاه ..
الذي تفرح الأرواح والأجساد بذكره..
ولا تحيا القلوب إلا بحبه ولا تسعد
إلا بقربه
اللهم صل على محمد وآل محمد
وكل عام وأنتم بخير
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
سالم الصباغ

شاهد أيضاً

00

العلم ومكانته في مدرسة أهل البيت عليهم السلام – سالم الصباغ

العلم ومكانته في مدرسة أهل البيت عليهم السلام 1 ـ العلم والعلماء في أحاديث الإمام ...