الرئيسية / تقارير سياسية / حلف “الناتو” يقرر التدخل في سورية..- أحمد الشرقاوي
1

حلف “الناتو” يقرر التدخل في سورية..- أحمد الشرقاوي

في تصعيد جديد تفوح منه رائحة المؤامرة، هدد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بأن بلاده ستفتح الحدود مع أوروبا أمام اللاجئين السوريين في حال لم تتم الموافقة على منطقة حظر جوي في الشمال السوري تكون ملاذا آمنا للمدنيين الهاربيين من القصف الروسي والسوري الذي يستهدفهم دون تمييز..
نقول المؤامرة، لأن إعلان أردوغان صدر في نفس اليوم الذي قال فيه الأمين العام لحلف “الناتــو” ستولتنبرغ، في ختام اجتماع وزراء دول الحلف الخميس 11 فبراير/شباط الحالي، إن أعضاء الحلف وافقوا على إرسال طائرات إنذار مبكر “أواكس” إلى سوريا لتقديم المساعدة في محاربة تنظيم “داعش” كما طلبت الولايات المتحدة في وقت سابق من قادة الحلف، وأكد أن الحلف قرر أيضا حماية الحدود التركية السورية وحماية حدود أوروبا مع تركيا في بحر ‘إيجة’ لوقف تدفق اللاجئين نحو أوروبا.
وهذا يعني، أن قرار تدخل “الناتو” في سورية ضد روسيا والجيش العربي السوري سبق وأن صدر من الولايات المتحدة قبل حتى أن يطلق السلطان أردوغان تهديده المفاجئ، والذي اتخذه الحلف كمبرر لشرعنة التدخل من بوابة خطر اللاجئين والإرهابيين على أمن أوروبا، بعد أن لم يعد لوجود الحلف الأطلسي من مبرر منذ تفكك الإتحاد السوفياتي وحلف وارسو، وبعد أن فشلت تركيا بتحريض من الولايات المتحدة في استفزاز الرئيس بوتين للرد عسكريا في العمق التركي إثر إسقاط طائرة (سو – 24)..
ما يعني، أننا اليوم أمام لعبة جديدة لتوزيع الأوراق بين الحلفاء والأدوات للضغط على موسكو بهدف وقف حملتها العسكرية ضد الإرهاب في سورية دون شروط مسبقة، وفي نفس الوقت محاصرتها من شرق أوروبا بسبب الأزمة الأوكرانية.
وتجذر الإشارة إلى أن روسيا كانت قد قدمت للولايات المتحدة مطلع الأسبوع الجاري مشروعا يقضي بوقف إطلاق النار في سورية انسجاما مع قرار مجلس الأمن 2245، وفق آليات ثلاثة: إغلاق الحدود التركية – السورية بالكامل ووقف تدفق الإرهابيين والسلاح إلى الجماعات المقاتلة.. تقديم قائمة بالمجموعات الإرهابية التي لا يشملها وقف إطلاق النار وقائمة بالمعارضة المعتدلة المعنية بمحادثات السلام في جنيف 3.. سريان وقف إطلاق النار ابتداءا من فاتح مارس/آذار المقبل، بعد اجتماع جنيف 3 والتوافق حول جدول الأعمال والشؤون الإنسانية.
وحمّلت وزارة الدفاع الروسية الجماعات الإرهابية مسؤولية تدفق اللاجئين إلى تركيا، وكشفت عن معلومات استخباراتية مفادها، أن أردوغان عقد اجتماعات سرية مع “داعش” لحثها على تهجير المدنيين من الشمال السوري نحو تركيا، وأن معظم المُهجّرين هم من عوائل التكفيريين، وبالتالي، لا علاقة للحملة العسكرية الروسية والسورية بموضوع اللاجئين، بدليل أن المناطق التي يسيطر عليها الجيش العربي السوري تعرف أمنا واستقرارا وعودة للمُهجّرين إليها..
واتهمت موسكو الخميس الولايات المتحدة باستهداف مستشفيين في حلب لتحميل روسيا مسؤولية ذلك، هذا في الوقت الذي لم تقم موسكو بأية طلعات جوية فوق مدينة حلب الأربعاء، ورصدت أقمارها الصناعية طائرات أمريكية تقصف المواقع المذكورة، وهو ما أنكرته واسنطن دون أن تقدم الدليل الذي يدحض اتهامات روسيا الموثقة.
وبالرغم من أن الإدارة الأمريكية المنافقة، سبق وأن وصفت مشروع وقف إطلاق النار الروسي بالإيجابي في وقت سابق وقالت أنها تدرسه، إلا أنها عادت الخميس ورفضته جملة وتفصيلا، مشترطة وقف إطلاق النار فورا مقابل عقد مؤتمر جنيف 3، رافضة أيضا وضع قائمة بالجماعات الإرهابية والجماعات المعتدلة وفق منطوق القرار 2254، وهي القوائم التي كان يفترض أن تدرس في مؤتمر الدول الداعمة لسورية في ميونيخ الخميس.
وبموازاة هذا التصعيد الخطير، أعلنت معارضة الرياض رفضها القاطع حضور مؤتمر جنيف 3 في الـ 25 من الجاري إلا إذا تمت الموافقة على شروط ثلاثة: وقف الحملات العسكرية الروسية والسورية ضد المدنيين في سورية.. إقامة حكومة انتقالية بصلاحيات كاملة.. رحيل الأسد عن السلطة، لأن برحيله سيسهل القضاء على “داعش” في سورية وفق ما تدعي “السعودية”.. وهو ما يؤكد أن قراراها بالتدخل العسكري البري في سورية له علاقة بإسقاط النظام لا بمحاربة “داعش”.
وكان الناطق الرسمي باسم قيادتها العسكرية المدعو “العسيري” قد أعلن الخميس أيضا، أن قرار إرسال قوات برية إلى سورية قرار نهائي لا رجعة فيه.. هذا وقدم ولي ولي العهد ووزير الدفاع “السعودي” محمد بن سلمان الذي حضر اجتماع حلف الناتو الخميس، تصور بلاده للتدخل العسكري في سورية، والذي يتضمن التزاما بتقديم القوات اللازمة وتمويل العملية العسكرية برمتها، وهو ما رحبت به الإدارة الأمريكية وأعضاء حلف الناتو، واعتبر الرئيس أوباما أن قرار “السعودية” قرار حكيم مرحبا بالخطورة التي وصفها بـ “الشجاعة”.. وإثر ذلك، قال وزير الدفاع الأمريكي آشتون كارتر، أن بلاده تدرس إمكانية ضم حلف “الناتو” أيضا ضمن التحالف الدولي الأمريكي لمحاربة “داعش” في سورية.
وإثر هذه التصريحات التصعيدية الخطيرة التي لا تبدو أنها مجرد ضغط سياسي على روسيا لتُغيّر من موقفها، بل حملة عسكرية كاملة ومنظمة لحسم الحرب في سورية لصالح الولايات المتحدة وحلفائها وأدواتها.. أعلن الوزير الأول ميدفيديف من موسكو، أن التدخل العسكري الأجنبي في سورية سيصعد الحرب في هذا البلد ويُحوّلها إلى حرب عالمية جديدة، وهو التصريح الأقوى والأوضح الذي صدر عن موسكو حتى الآن.
وعليه، فما نعلمه يقينا، هو أن موسكو لن تتأثر بالضغوط لتُغيّر موقفها من سورية، والرئيس بوتين لم يدخل الحرب على الإرهاب ليهزم، ولم يضع صواريخ (إس 300) في نسختها البحرية، وصواريخ (إس 400) في نسختها البرية، وأسطول البارجات والمدمرات والغواصات والطائرات الحربية والقاذفات الجوفضائية، ومؤخرا جوهرة الصناعة الروسية المرعبة (سو – 35) لمحاربة الإرهاب، بل لمواجهة حلف الناتو إذا اقتضى الأمر، لإدراكه أن هدف الإدارة الأمريكية هو إضعاف روسيا وإفشالها في سورية وضرب مصالحها القومية وإبعادها كشريك في حل الأزمات الدولية، وفق منطق إقصائي جديد يقول، أن الأمن القومي يشمل فقط أمن الدول المنخرطة في الحلف الأطلسي، وكل من يوجد خارج الحلف يعيش في خطر وجودي..
هذه استراتيجية جديدة تعطي للحلف مبرر وجوده واستمراره ضدا في الإتفاقيات التي تمت بين واشنطن وموسكو عقب تفكك الإتحاد السوفياتي والتزام واشنطن بعدم المساس بالمجال الإستراتيجي لروسيا، وتدفع دول الجوار الروسي لطلب الإنضمام لعضوية الحلف، ووفق العقيدة العسكرية الجديدة لأمريكا وحلفها الأطلسي، فإن روسيا هي العدو الأول، وبعدها يأتي تنظيم “داعش”، وهذا ما تدركه جيدا موسكو، وتعرف أن “داعش” هو مجرد حصان طروادة تستعمله واشنطن لتهيمن على العالم وتفكك الدول الممانعة والرافضة لسياساتها الإستعمارية الجديدة.
لذلك، تصر روسيا بمعية إيران وسورية وحزب الله على معادلة الحسم مع الإرهاب على الأرض، لأن سحق الإرهاب وهزيمته يسقط أوراق أمريكا وحلفائها وأدواتها في سورية ويفرض حلا سياسيا بين السوريين بعيدا عن ضغوطات وإملاءات الخارج.
ما سبق يؤشر إلى أن أمريكا قررت تغيير استراتيجيتها في سورية، باعتماد توريط حلف “الناتو” وأدواتها في المنطقة وعلى رأسها “السعودية” وتركيا لحسم الحرب لصالحها بعد النجاحات المذهلة التي حققتها روسا وسورية وإيران وحزب الله في الميدان، وهو ما دفع بإدارة أوباما لمحاولة الحصول على وقف إطلاق النار بالخديعة السياسية، لكن أمام إصرار روسيا وحلفائها على الحسم مع الإرهاب، قررت واشنطن التصعيد العسكري.
وهذا يعني، أن الأمم المتحدة وضعت الآن في الزاوية ولم بعد لها من دور تلعبه في حل النزواعات الإقليمية، ودخل العالم مرحلة التصعيد العسكري التي قد تنفجر وتتحول إلى حرب عالمية ثالثة، وأصبحت الحلول السياسية في الشرق الأوسط مرتبطة بمؤتمر “يالطا” جديد” يرسم فيه المنتصرون خلائط النفوذ الجيوسياسي في المنطقة..
لا نستبعد أن يلجأ محور المقاومة إلى الورقة الفلسطينية لقلب المعادلات بالكامل، لأن تهديد الكيان الصهيوني يعني أن مصالح الولايات المتحدة أصبحت في خطر عظيم..
ولعل هذه الورقة القوية والحاسمة هي التي يراهن عليها اليوم في المنطقة بمعية الورقة الكردية في الداخل التركي، ولقاء طهران الذي جمع قيادات من حزب الله وكل فصائل المقاومة الفلسطينية (حماس، فتح، الجهاد الإسلامي، الجيهة الشعبية، وغيرها) مع كبار المسؤولين السياسيين والعسكريين الإيرانيين، يعني أننا أمام استراتيجية جديدة للمقاومة عنوانها “توحيد البندقية” في وجه العدو الصهيوني المجرم.
وهو ما سيربك كل حسابات واشنطن وحلفها الأطلسي في المنطقة، ويفضح الأعراب المتآمرين على الأمة ويحول الشارع العربي والإسلامي ضدهم، ويعيد لقضية فلسطين زخمها الذي يلهب المشاعر ويزلزل الأرض من تحت أقدام الحكام الخونة.
لأن العالم بعد ما حدث في سورية، لا يمكن أن يتحول إلى “سادة” صهاينة يحكمون، والباقي “عبيد” يخدمون ويقادون إلى الذبح كالخراف الضالة كلما اقتضت مصلحة الأسياد إراقة الدماء لتحقيق مزيد من الأرباح.
نقلاً عن موقع بانوراما الشرق الأوسط