الرئيسية / مقالات اسلامية / عقيدتنا / يقع بحثنا عن التربية والتعليم في الإسلام – اية الله مرتضى مطهري
0

يقع بحثنا عن التربية والتعليم في الإسلام – اية الله مرتضى مطهري

يتوخى من التربية والتعليم بناء شخصية الإنسان، فإن العقيدة ذات الأهداف المحددة والمقررات الشاملة والتي لها بحسب المصطلح نظام قضائي واقتصادي وسياسي لا يمكن أن يكون لها نظام تربوي خاص، أي أن العقيدة التي تريد تطبيق مخططات أخلاقية وسياسية واقتصادية خاصة بين الناس، هي بالتالي تريدها للناس، أعم من أن يكون الهدف هو الفرد أو المجتمع، وهذا في حد ذاته أمر يجب تسليط الأضواء عليه في هذا البحث.

فإن كان الهدف هو المجتمع فلابد في نهاية الأمر من الاعتماد على هؤلاء الأفراد في تطبيق هذه الخطط، ولابد من تربيتهم وتعليمهم بشكل يتمكنون معه من تطبيق هذه الخطط في المجتمع، وإن كان الهدف هو الفرد، فحينئذ يكون من البديهي أهمية تعليم الأفراد وتربيتهم، وفي الإسلام تحفظ أصالة الفرد والمجتمع، فلابد من وجود مخطط وبرنامج لبناء الفرد بوصفه مقدمة لبناء المجتمع والأمة.

فبناء شخصية الفرد ضروري من جهة أن الفرد نفسه هدف للتربية، ومن جهة كونه مقدمة لبناء المجتمع الصالح.

ومن هنا علينا أن نتعرف أُصول التربية والتعليم في الإسلام، وهل أن الإسلام يعير اهتماماً لأمر التعليم من أجل التربية والتوعية أم لا؟ وبعبارة أخرى: هل يعتني الإسلام بتنمية عقل وفكر الإنسان أم ليست له هذه العناية؟ وهذه هي نفس مسألة العلم التي كانت مطروحة بين العلماء منذ القدم، فأساس المطلب هل أن الإسلام دعا إلى العلم؟ وما هي خصوصيات العلم الذي دعا إليه الإسلام؟ فقد بحث ذلك علماء من نظير الغزالي والفيض وآخرين.

ومن وجهة النظر التربوية والتعليمية فإن مقررات الإسلام الأخلاقية تهدف لتربية الإنسان الذي يريده الإسلام، فمن هو الإنسان المسلم النموذجي؟ وما هي خصائصه؟ طبعاً هناك مسائل أخرى ترتبط بكيفية تطبيق الأهداف، أي أن الهدف واضح، ولكن ما هو الشكل والطريق الذي ينبغي سلوكه من أجل تربية الإنسان؟ وإلى أي مدى لوحظت القضايا النفسية في الإسلام؟ مثلاً في تعليم الطفل وتربيته ما هي التوجيهات الإسلامية، وإلى أي حدّ روعي الواقع والقضايا النفسية في تلك التوجيهات، وبالنسبة لما مضى، ما هو مقدار انطباق تربيتنا وتعليمنا السابق مع التعاليم الإسلامية؟ وما هو مقدار عدم انطباقها؟ وما هو مدى تطبيق التربية والتعليم في عصرنا؟

تنمية العقل

إن المسألة الأولى التي ينبغي بحثها هي مسألة تنمية العقل والفكر نفسها وهنا مسألتان: الأولى هي مسألة تنمية العقل، والثانية مسألة العلم.

مسألة العلم هي نفس التعليم، والتعليم عبارة عن اعطاء المعلومات، ففي التعليم لا يكون المتعلم إلا آخذاً، ومخه بمثابة المخزن الذي توضع فيه سلسلة كبيرة من المعلومات، ولكن ليس هذا وحده هو الهدف من التعليم، بل يجب أن يكون هدف المعلم أسمى من ذلك وهو أن يسعى لتنمية الطاقة الفكرية للمتعلم، ويعطيه الاستقلال، وينمي فيه القدرة على الابتكار، أي أن عمل المعلم في الواقع يشابه الجذوة، فثمة فرق بين التنور الذي نريد اشعاله من الخارج ليصبح حاراً، والتنور الذي نجمع فيه الحطب والخشب ونأتي بالجذوة ونضعها داخل الحطب، وننفخ فيه حتى يشتعل الحطب تدريجاً، فيشتعل التنور وما فيه من الحطب، من هنا يتضح سبب البحث حول العقل والتعقل ـ في قبال العلم والتعلم ـ وأنه ناظر إلى هذه الحالة من الرشد العقلي والاستقلال الفكري، ليمتلك الإنسان قدرة على الاستنباط.

نوعان من العلم

هناك كلمة لأمير المؤمنين (ع) في نهج البلاغة ـ وكنت منذ مدة ملتفتاً إليها وجهت لها عدة شواهد ـ يقول فيها: “العلم علمان ـ وفي نقل آخر العقل عقلان ـ علم مطبوع وعلم مسموع، أو (العقل المطبوع والعقل المسموع) ولا ينفع المسموع إذا لم يكن المطبوع”[1].

العلم المطبوع هو العلم الذي ينبع من طبيعة الإنسان وجبلته، العلم الذي لم يتعلمه الإنسان من آخر، ومن الواضح أنه قوة الابتكار للشخص ثم يقول: لا ينفع المسموع إذا لم يكن المطبوع، وواقع الأمر كذلك، فقد أدركتم هذه الحقيقة عن طريق التجارب: كثير من الأفراد ليس لديهم علم مطبوع ومنشأ أكثره هو سوء التربية والتعليم، لا عدم امتلاكهم القابلية على الفهم، بل إن التعليم كان بنحو لا يحرك القدرة المطبوعة ولا ينميها.

نظام التعليم القديم وتنمية العقل

إن أغلب نظامنا التعليمي القديم كان كذلك، إنكم ترون أن الأفراد ـ أما بسبب وجود نقص في قابليتهم أو بسبب قصور التعليم والتربية ـ كان وضعهم تماماً كآلة التسجيل بالنسبة إلى ما تعلموه، درس كتاباً وانشغل به كثيراً ودقق فيه وحفظه درساً بعد درس، وكتبه، وبعد ذلك صار مدرساً، وهو يريد أن يدرّس نفس ما تعلمه، فطالع كل ما في الكتاب وحواشيه وشروحه، وما أخذه عن الأستاذ، فيجيب بشكل جيد عن كل ما تسألونه عنه، ولكن ما إن تضعوا أرجلكم قليلاً خارج تلك الجهة حتى يغدو أعرج، إن معلوماته فقط هي هذه المسموعات، فلو كان هناك موضوع آخر في مكان آخر لم يمكنه أن يستنتجه من خلال معلوماته الحاضرة، بل رأيت أشخاصاً يحكمون في مورد بخلاف ما تعلموه في مورد آخر، ولذا ترون عالماً جامد العقل رغم أنه تعلم الكثير، فما إن تسألوه عن مسألة خارج معلوماته حتى ترون أنفسكم أمام شخص عاميّ تماماً.

الرمّال والأمير

مثل معروف ـ إلا أنّه أسطورة ـ قالوا: إن رمّالاً علّم ابنه علم الرمل والأخبار بالمغيبات، وكان يقبض من البلاط أموالاً كثيرة، فقام بتعليم ابنه هذا العلم ليحتل منصبه بعده، ثم عرفه للأمير، فأراد الأمير اختباره، فوضع بيضة في يده وقال: هل بإمكانك أن تخبرني بما في يدي؟ فلم يدر، فقال الأمير: إن وسطها أصفر وأطرافها بيضاء، ففكر قليلاً ثم قال: إنها طاحونة في وسطها جزرة، فاستاء الأمير وأحضر أباه وقال: ما هذا العلم الذي علمته إياه؟ فقال علمته العلم بشكل جيد، ولكن هذا لا عقل له، فقد قال الكلام الأول عن علمه، ولكن هذا الثاني عن جهله، لم يطرق ذهنه أن الطاحونة لا يمكن أن تستوعبها كف الإنسان، وهذا ما يجب أن يحكم به العقل.

وهناك قصة معروفة وقد سمعت بها لحد الآن من عدة أشخاص: قالوا: قد جاء أجنبي إلى كرج فصادف قروياً، وكان هذا القروي يجيب بأجوبة سليمة ومتينة، عن كل سؤال يطرحه عليه، بعد ذلك قال: من أين علمت كل هذا؟ فقال: (بما أننا لم ندرس فأخذنا نفكر)، هذا الكلام مليء بالمعاني: أن من يتعلم ينقل علمه، ولكني أفكر والفكر أفضل من التعليم بكثير.

إن هذه المسألة وهي ضرورة إيجاد نضج فكري وعقلائي في الأشخاص والمجتمع، وتقوية قدراتهم على التجزئة والتحليل، وهذا أمر أساسي، ففي التعليم والتربية والمدرسة يجب أن تكون وظيفة المعلم أسمى من تعليم الطفل، بأن يعمل على تقوية قدرته على البحث والتحليل، لا أن يلقي المعلومات في فمه فقط، إذ إن الاكتفاء بإلقاء المعلومات وتراكمها في ذهن الطفل سيؤدي إلى ركود ذهنه.

من بين العلماء أفراد كثيرون تتلمذوا على عدة من الأساتذة، وأنا لا أعتقد بقابلياتهم، للسبب نفسه الذي يرونه من مفاخرهم، فمثلاً يقال: إن فلاناً حضر مدة ثلاثين سنة درس المرحوم النائيني أو حضر درس الآغا ضياء مدة خمس وعشرين سنة بشكل متوال، إن العالم الذي قضى ثلاثين سنة أو خمس وعشرين سنة من عمره في حضور درس هذا الأستاذ أو ذاك لم يُبقِ لنفسه مجالاً يفكر فيه، فهو يأخذ دائماً وقد بذل جميع قواه في الأخذ، ولم يبق له وقت ليصل بجهده إلى شيء.

تشابه المخ والمعدة

مخّ الإنسان يشابه تماماً حالة المعدة، على المعدة أن تستلم الطعام من الخارج بمقدار كاف، وبالإفرازات التي تفرزها عليه، تقوم بإعداده، ولابد للمعدة من حرية كافية ومكان خال لتتمكن من هضم الطعام بسهولة، ولكن المعدة التي تملأ بالطعام وتحشى بالغذاء مادام فيها مكان، لا تبقى لها إمكانية تحريك الطعام وهضمه بشكل جيد وعندها يحصل اضطراب في عمل الجهاز الهضمي، ولا تتم عملية الامتصاص في الأمعاء بشكل صحيح أيضاً.

ومخ الإنسان قطعاً كذلك، في التعليم والتربية يجب أن تعطى للطالب فرصة للتفكير وأن يشجع على الابتكار.

ليس الملاك حضور درس الأستاذ كثيراً

نشاهد من بين أساتذتنا ذوي الابتكار، رغم أنهم لم يحضروا دروساً بكثرة، فالشيخ الأنصاري وهو أحد أكبر مبتكري المائة والخمسين سنة الأخيرة قد درس أقل من جميع العلماء الحاليين، أي أن دورة دراسته كانت قصيرة جداً، كان طالباً وذهب إلى النجف وحضر دروساً قليلة ثم بحث عن أساتذة متنوعين، ذهب إلى مشهد ومكث مدة فلم يعجب كثيراً بالأساتذة، فجاء إلى طهران ولم يبق كثيراً، ثم ذهب إلى أصفهان فبقي مدة أطول كان الآغا السيد محمد باقر حجة الإسلام في هذه المدينة معلماً في “الرجال” فتعلم هذا الفن عنده، ثم انتقل إلى كاشان ومكث فيها ثلاث سنين، وكان فيها النراقيون فمكث فيها أكثر من غيرها، يعني أن دورته الدراسية لم تصل إلى عشر سنين، في حين أن الآخرين قد درسوا عشرين سنة وخمس وعشرين وثلاثين سنة، وكانوا غالباً ما يشكلون على البروجردي وأنه درس قليلاً.

ولكننا نرى أن نقطة القوة فيه راجعة إلى هذه الجهة وهي: أنه لم يدرس كثيراً، فمع أنه قد درس عشر سنين أو اثنتي عشرة سنة عند أساتذة من الدرجة الأولى حتى أن النجفيين لم يقبلوه بسبب قلة دراسته، فقد كان ينبغي عليه مثلاً أن يدرس ثلاثين سنة، ولأجل أنه حضر دروساً قليلة كان ابتكاره أكثر من أغلب معاصريه، لقد كانت له فرصة التفكير في المسائل.

وعلى كل حال لا أتصور وجود ترديد في هذه القضية وهي أنه في مسألة التربية والتعليم يجب أن يكون الهدف هو إعطاء النضج الفكري للمتعلم، وعلى المرشد والمربي أياً كان معلماً أو أستاذاً أو خطيباً أو واعظاً أن يسعى لإعطاء الشخص نضجاً فكرياً أي قدرة على البحث والتحليل، لا أن يكون تمام همه أن: تعلموا استقبلوا، احفظوا ففي هذه الحال لن يكون المتعلم شيئاً ما نعتقده عن التعقل هو أن التعقل هو قوة التفكير لدى الشخص، وقدرته على أن يستنبط ويجتهد ويقوم بإرجاع الفروع إلى اُصولها.

مفهوم الإجتهاد

تكلم المرحوم الآغا حجة بكلام جيد بشأن الاجتهاد قال: إن الاجتهاد الواقعي هو أنه لو عرضت مسألة جديدة على شخص لم تكن له سابقة ذهنية عنها، ولم تطرح في أي كتاب لاستطاع أن يطبق الأصول فوراً بشكل صحيح ويستنتج منها، وإلا فإنه إذا تعلم الوسائل كلها من كتاب جواهر الكلام، ثم أخذ يردد: أنا أعلم أن صاحب الجواهر يرى كذا في هذه المسألة، وأنا أوافقه على رأيه، فإن هذا ليس اجتهاداً، إن الاجتهاد ابتكار، وأن يرجع الإنسان بنفسه الفرع إلى الأصل، ولذا فالمجتهد الواقعي في كل علم هو كذلك، ولكن هناك مجتهدون يعدون من جملة المقلدين، أجل إنهم مقلدون من طبقة عليا، نلاحظ أنه في كل بضعة قرون يظهر شخص يغير الأصول ويأتي بأصول جديدة مكانها، ثم يتابعه جمع المجتهدين على رأيه. إن المجتهد الواقعي هو ذلك الشخص وأما الباقون فهم مقلدون في صورة مجتهدين أرقى من العوام قليلاً، إن المجتهد الواقعي هو هذا سواء كان في الأدب أم الفلسفة أم المنطق والفقه والأصول والفيزياء والرياضيات، قد يأتي عالم في ميدان الفيزياء ويطرح آراء جديدة في الفيزياء، ثم يتبعه جميع علماء الفيزياء على رأيه، إن هذا الذي يأتي بقواعد جديدة مقبولة، ويجعل جميع الأفكار تابعة لفكره، يجب أن يقال عنه أنه مجتهد حقيقي.

ولكنّ التفكير من غير التعليم والتعلم غير ممكن، فإن المادة الأساسية في التفكير هي التعليم والتعلم ـ طبعاً نحن نتكلم على التفكير العقلاني ولا شأن لنا فعلاً بمسألة الوحي ـ وإن ما هو موجود في باب التفكر أكثر مما هو موجود في باب التعلم، فمثلاً: أفضل العبادة “التفكر”[2] نقلت بهذه الصورة: أفضل العبادة إدمان التفكر في الله وفي قدرته. و”لا عبادة كالتفكر”[3] أو “كانت أكثر عبادة أبي ذر التفكر”[4] وطبعاً يوجد الكثير في هذا المجال، وهي غير مسألة التعلم: ففي التفكير علاوة على ما يحصل عليه الإنسان من نتائج فإنه يقوم بتنمية عقله، ولدينا في القرآن الكريم مطالب كثيرة في التفكر والتعقل، إذ دعا القرآن إلى التفكر والتعقل في موارد عديدة.

دعوة الإسلام إلى التعليم والتعلم

وأما المسألة الأخرى فهي مسألة العلم والتعلم وهي عملية أخذ الأفراد من بعضهم البعض ولا أتصور ثمة حاجة إلى أن نبحث في دعوة الإسلام إلى التعليم والتعلم، لأنها أمر واضح وإنما ينبغي أن نبحث حدود العلم الإسلامي والتعاليم الإسلامية، وما هو العلم الذي يدعو له الإسلام، وإلاّ فإن أول آيات الوحي تقول: (اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، إقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم) (سورة العلق، الآيات: 1 ـ 5). وهي أكبر شاهد على اعتناء الإسلام الفائق بالتعليم والتعلم، “الذي علم بالقلم” فالقلم مظهر الكتابة، (هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) (سورة الزمر، الآية: 9). (وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحاً) (سورة القصص، الآية: 80). وقال الرسول الأكرم (ص): “بالتعليم أرسلت”[5] في تلك القصة المعروفة من أنه دخل المسجد ورأى حلقتين من الناس إحداهما مشغولة بالعبادة والأخرى مشغولة بالتعليم والتعلم، فقال: كلاهما على خير، ولكن بالتعليم أرسلت، ثم أقبل نحو الحلقة المشتغلة بالتعليم والتعلم وجلس فيها.

آية أخرى: (هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة) (سورة الجمعة، الآية: 2) كلمة يزكيهم تناسب التربية أكثر من التعليم، وفي قوله (ويعلمهم الكتاب والحكمة) أياً كان المراد من الكتاب، سواءً مطلق الكتاب أو خصوص القرآن، فبالتالي نجد الكتاب والحكمة توأمين، إذ الحكمة هي الحصول على الحقيقة، والبحث في أنه أي شيء يعد حكمة وأي شيء لا يعد حكمة “بحث صغروي” فكل حصول على حقيقة يسمى حكمة: (يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً)(سورة البقرة، الآية: 269)

فإذن لا بحث في هذه الناحية من كون الإسلام قد دعا إلى التعليم والتعلم بشكل عام، بل إن هدف الإسلام وطموحه أن تصبح الأمة الإسلامية عالمة و”طلب العلم فريضة على كل مسلم” من مسلمات الأحاديث النبوية، ولا خصوصية للمسلم هنا، وليس هو في قبال المسلمة[6].

أيّ علم

المهم في مسألة التعليم والتعليم، أن نرى ما هي حدود هذا الموضوع؟ قلت في إحدى محاضراتي المطبوعة باسم “فريضة العلم”: إن بعض العلوم واجبة عيناً، مثل: معرفة الله وملائكته ورسله واليوم الآخر، ذلك المقدار الذي يكون مقدمة للإيمان أو هو من شرائطه، لأن الإيمان في الإسلام هو الاعتقاد عن علم لا عن تقليد، فهذا العلم واجب عيني وقد ذكر جميع العلماء، فإذن القدر المسلم من “طلب العلم فريضة” يشمل تلك العلوم التي تكون من شرائط الإيمان، وبعد أن نتجاوز ذلك ينبغي أن نرى ما هو هذا العلم؟

لقد أثير بحث بين علماء المسلمين “عديم الفائدة” حول أن هذا العلم الذي يجب تعلمه ما هو؟ قال الفقهاء: إن المراد منه هو علم الفقه، لأنه مقدمة للعمل، وقال علماء الأخلاق: إن علم الأخلاق أوجب منه وأكثر لزوماً، وقال علماء الكلام: إنه علم الكلام، وقال علماء التفسير: إنه علم التفسير وكلام الله، ولكن هذا لا يحتاج إلى بحث، إذ أن العلم أما أن يكون هدفاً أو مقدمة لهدف، فكلما كان العلم هدفاً يكون واجباً مثل أصول العقيدة، ولو لم يكن هدفاً، فإن توقف عليه هدف من الأهداف الإسلامية كان واجباً من باب وجوب المقدمة، وإن الفقهاء أنفسهم يقولون: إن تعلم المسائل واجب مقدمي، إلا أنه تهيؤي، وحسب المصطلح واجب نفسي تهيؤي، أي أن الشيء الذي يجب علينا هو العمل، فمثلاً يجب علينا أن نصلي، ولكن الذي يريد أن يصلي صلاة صحيحة لا يمكنه ذلك ما لم يتعلم مسائل الصلاة، فإذن لأجل أن يكون الإنسان متمكناً من أداء الصلاة بنحو صحيح، يجب عليه أن يتعلم مسائلها، ولا يختص ذلك بالصلاة وبالصيام، بل كل وظيفة من الوظائف الإسلامية تتوقف على علم، يكون ذلك العلم واجباً، إلا أنه واجب نفسي لا تهيؤي، أي يهيئونا لواجب آخر، فهو من الواجبات المقدمية، وعلم الأخلاق طبعاً “واجب نفسي تهيؤي”، فالإسلام يريد منا أن نزكي أنفسنا وذلك لا يمكن دون تعلم، فإذن تعلم المسائل الروحية والأخلاقية مقدمة لتزكية النفس، وكذلك عندما نريد أن نتعلم أوامر القرآن وإرشاداته يكون بديهياً وجوب تعلم القرآن وتفسيره، وحينئذ تتسع دائرة العلم، إذ لدينا إضافة إلى الواجبات العينية واجبات كفائية فالواجبات تتعدد على أساس تقييم العمل، نظير وجود الطبيب فإنه لابد منه، لذا يكون علم الطب واجباً كفائياً، أي بقدر كفاية الأطباء للمجتمع، ولا يمكن للطبيب أن يكون طبيباً دون تعلم فإذن يجب تعلم الطب، إن وجود الطبيب لازم، ولكن من البديهي أن عليه أن يهيئ مقدمة أيضاً، فعلم الطب واجب كفائي ولكن ما هو حده؟ لا يوجد له حد معين لأن ذلك يختلف باختلاف الأزمنة، ففي يوم من الأيام كان يجب على الإنسان أن يقرأ كتاب (القانون لأبي علي بن سينا ليصبح طبيباً، واليوم يجب عليهم أن يقرأوا شيئاً آخر).

المثال الآخر: “التجارة” هل ثبت في نظام الاقتصاد الإسلامي حتمية وجود عدة وسائط توصل السلع من المنتج إلى المستهلك، وأن يكون عدد من الناس ذوي أعمال حرة باعتبارهم واسطة بين المنتج والمستهلك؟ فإن ثبت ذلك فتعلم علم التجارة واجب.

مثال آخر: يقول القرآن (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم) (سورة الأنفال، الآية: 60). هل إن إعداد القوة بنحو يرهب عدو الله واجب أم لا؟ نعم هو واجب، ولكن هذا العمل لا يأتي بنفسه، فلا تحصل القوة بحمل المسحاة، بل هناك طريق لتحصيل القوة ألا وهو العلم، أما إلى أي مستوى؟ انه المستوى الذي يحصل به إرهاب عدو الله وعدوكم المختلف باختلاف الأزمنة.

ومن هذا يتضح معنى قوله (ص): “طلب العلم فريضة على كل مسلم” فبعض العلوم واجب عيناً على كل شخص، وبعضها واجب كفائي، لأنه مقدمة لواجب كفائي، ومقدمة الواجب واجبة، ولا مجال للشبهة أو الشك من هذه الجهة، وان كان البعض يقول: إن هذا العلم الواجب يختص فقط بعلوم الدين، يعني العلم الذي تكون موضوعاته مسائل دينية، إن تعلم الدين علم، وتعلم الشيء الذي يريد الإنسان عن طريقه أن يعمل بواجبه الشرعي علم آخر، وليس العلم منحصراً في أن يتعلم الناس الدين فقط دون الاُمور التي يتوقف عليها الدين، وينقسم الدين إلى واجب نفسي “لمعرفة الله” وواجب مقدمي “كتعلم أحكام الصلاة”، إن الإسلام لم يقل: تعلموا الدين، بل قال طبقوا الدين، وعندما نريد أن نطبق الدين لا يتأتى لنا ذلك دون تعلمه، فإذن علينا أن نتعلم الدين لنعمل به، وكذلك الوظائف الأخرى التي ترك الدين أمرها إلينا (كالطبيب الذي يحتاجه الناس) فمن البديهي أننا ما لم نتعلم هذه المهنة لا يمكننا تطبيقها، فينبغي أن نتعلم الوظائف لنعمل بها.
——————————————————————————–

[1] الحكمة، ص331.

[2] في الكافي، ج2.

[3] أمالي الطوسي، ج1، ص145.

[4] بحار الأنوار، ج71، ص323.

شاهد أيضاً

0

عوامل التربية (2) الإحسان – اية الله مرتضى مطهري

عوامل التربية (2) الإحسان ـ تقوية شعور البحث عن الحقيقة ـ المراقبة والمحاسبة من المسائل ...