الرئيسية / مقالات اسلامية / عقيدتنا / الفعل الخلقي” حب النوع الداروينية
0

الفعل الخلقي” حب النوع الداروينية

بسم الله الرحمن الرحيم

كان البحث دائراً حول معيار الفعل الخلقي في قبال الفعل الطبيعي، وكما قلنا إن من المتفق عليه من قبل الجميع، أن الإنسان يقدم على جملة من الأفعال أو يكون باستطاعته أن يفعلها والتي تكون أسمى من مستوى الفعل الطبيعي أو الحيواني الذي يصدر من الحيوان حسب طبيعته وغريزته، هذه الأفعال تسمى بالأفعال الإنسانية أو الخلقية، والمراد أن هذه الأفعال تكون على مستوى الإنسانية ولا تكون على المستوى الحيواني، وبعبارة أخرى إن مستوى هذه الأفعال أرفع من المستوى الحيواني، ونحن اليوم نسمع مقولة شائعة جداً بين الناس في أن هذا العمل إنساني وان هذا العمل غير إنساني، يريدون أن يقولوا: إن هناك سلسلة من الأعمال يؤتى بها فقط على المستوى الإنساني.

فلنر الآن ما هو معيار الفعل الخلقي الذي يكون في مستوى الإنسان فقط، ويخالف الحيوانية أو الأعمال الطبيعية الإنسانية؟

ينبغي علينا أن نذكر بحثين، الأول: ما هو المعيار، والآخر ما الذي يضمن تنفيذ الأفعال الإنسانية؟

الفعل الطبيعي واضح جداً ومعياره أنه يكون مقتضى للغريزة المشتركة بين الإنسان والحيوان، ويكون ناشئاً من غريزة الإنسان الطبيعية، وأما معيار الفعل الخلقي والضامن لتنفيذه فما هو؟

قلنا: إن البعض يرى أن الفعل الخلقي هو الذي يكون ناشئاً من الشعور بحب الآخرين، فإن قلنا بذلك فقد عرفنا الفعل الخلقي وتبين إلى حد ما أيضاً العامل في تنفيذه، وبيان ذلك هو أن الفعل الذي يفعله الإنسان لنفسه (لأن من المسلم به أن الإنسان يحب ذاته ويقدم على ما يعود بالنفع إليه) ليس فعلاً خلقياً، وما إن يخرج الفعل عن دائرة الفرد ويدخل دائرة إيصال النفع إلى الآخرين حتى يكون خلقياً، طبعاً رد هذا التعريف، فإنهم قالوا: في هذه الصورة ينبغي أن نعد جملة من الأمثال الطبيعية قطعاً أفعالاً خلقية، كأفعال الأمهات (أعم من الإنسان والحيوان) فإن الأم لديها احساس بحب الغير ولكن هذا الغير هو وليدها فقط، فإنها بحكم حبها لوليدها تقدم على سلسلة من الأعمال والتضحيات، وهي ـ بطبيعة الحال ـ سلسلة من العواطف السامية والعظيمة، ولكن لا يمكن عدها خلقية، لأنها خاضعة لإجبار وإلزام طبيعي وغريزي، والأم حين تحب وليدها بهذا الشكل لا تشعر بمثل هذا الحب تجاه الأطفال الآخرين، فلا يمكن أن نعد حبها فعلاً خلقياً، إذ لابد للأخلاق من دائرة أوسع.

حب النوع

البعض الآخر في تعريف الفعل الخلقي حب الآخرين بالمعنى الأعم للكلمة، قالوا: إن الفعل الخلقي هو ذلك الفعل الناشئ من (الإحساس بحب النوع) ولكن يقع البحث فيه عن عامل تنفيذه، فهل توجد في الإنسان أساساً احساسات حب النوع أم لا؟ من بين القدماء كان ارسطو يرى أن الإنسان بحكم طبيعته الاجتماعية (مدني بالطبع)، وكان يعتقد بنوعين من الغريزة: الفردية والنوعية، وكان يقول: إن الإنسان بحكم غرائزه النوعية يريد أن يربط نفسه بالمجتمع، وكما أن لديه علاقة خاصة بنفسه، كذلك هو يريد صالح المجتمع أيضاً، ومن بين العلماء المتأخرين (بيكن) فهو يعرف بنظرية قريبة من نظرية أرسطو هذه، فإنه أراد أن يقول بوجود غرائز كهذه في الإنسان، ولكن لم يعرض هذا المطلب بشكل جيد من الناحية العلمية، فطبقاً لهذه النظرية يكون معيار الأخلاق ناشئاً من الإحساس بحب النوع، ويكون المتكفل باجرائها كامناً في الإنسان، ولكن هذا ليس ثابتاً من وجهة النظر العلمية.

الداروينية

إن الداروينية التي بنيت فلسفتها على أساس التنازع من أجل البقاء تقول: إن كل كائن حي خلق أنانياً، وأنه يسعى من أجل بقائه، ولذلك ينتهي هذا السعي إلى التنازع من أجل البقاء، وهذا الأخير أيضاً ينتهي إلى الانتخاب الطبيعي، وانتخاب الاصلح، وهذا هو أساس التكامل.

طبقاً لهذه الفلسفة، لا يبقى مجال لدى الإنسان للغرائز الطبيعية والنوعية، ولذا هاجم الكثيرون دارون قائلين: إن من سلبيات هذه الفلسفة أنها تزلزل أسس الأخلاق والتعاون، وطبقاً للفلسفة الداروينية لا يعد حسن التعاون حساً أصيلاً، بل إن التعاون إنما ينشأ من التنازع، أي أن ما هو متأصل هو التنازع، وأما التعاون فهو متفرع عنه، مثلاً عندما يريد الإنسان أن يجعل وضعه مستحكما (كل شخص يرى نفسه مختلفاً عن الآخرين لأنه فرد منفصل عن الفرد الآخر) وبناءً على قاعدة التنازع من أجل البقاء فإنه يشكل قوة مع غيره من الأفراد للوقوف بوجه الآخرين، ولكن هذا الاتحاد نابع من التنازع من أجل البقاء، وليس ناشئاً من أنهم يشعرون بحبهم لبعضهم، بل إنه من أجل الوقوف بوجه الآخرين وافتراسهم، أو على الأقل إنه يقوم بتشكيل طابور أمامهم فقط، فإذن ليس التعاون أصيلاً في البشر وإنما هو ناشئ من التنازع من أجل البقاء، وان دارون نفسه سعى كثيراً من أجل أن يضع أساساً للأخلاق، وسعى مؤيدو فلسفته كثيراً لرفع هذا النقص عن فلسفته، إلا أنهم لم يوفقوا في الدفاع عنه.

الوجدان الخلقي

المذهب الآخر هو مذهب التكليف، وهو يقول: لو أقدم الإنسان على فعل ناشئ من أحاسيسه في حب النوع، فإن فعله هذا يعود إلى الفعل الطبيعي، وتعريف الفعل الطبيعي هو أن الإنسان يقدم على فعل الشيء من وحي الغريزة، سواء الغريزة الفردية أو الغريزة الجماعية، إن الفعل الخلقي هو ذلك الفعل الذي يكون منزهاً من الأغراض وناشئاً من الاحساس بالمسؤولية، أي أن الشخص يقدم على الفعل الذي يمليه عليه وجدانه واحساسه بالمسؤولية والتكليف، ولا يكون له أي غاية أو هدف من فعله سوى امتثال التكليف، ولو سألنا: أين هو التكليف؟ فالجواب: هو في وجدان الإنسان، فقد خلق الله الإنسان وأودع فيه وجداناً، وهو غير الاحساس بحب النوع، فالوجدان إحساس مقدس في داخل الإنسان يقوم بتوجيهه، وان الفعل الخلقي هو الذي ينبع من الوجدان، عرف الوجدان في ضوء نظرية (كانت)، فإنه يرى أن لدى الإنسان وجداناً أخلاقياً أصيلاً جداً، إنه يتكلم عن إطاعة الوجدان بالكلام نفسه الذي يقوله أهل الإيمان في مسألة الاخلاص بالنسبة إلى الباري تعالى في أن العبد المخلص هو الذي يطيع أمر الله لا طامعاً في نعمه، ولا خائفاً من عقابه، بل لأنه أهل للعبادة والإطاعة، حتى لو لم تكن هناك جنة أو نار.

نحن لا ننفي هذا الوجدان، إلا أننا نقول: إن الوجدان بهذه الحدود لم تؤيده النظرة العلمية 100%، طبعاً عرف هذا في الإسلام على أنه وجدان خلقي في الإنسان، ولكن لا بعنوان أنه أصل مسلّم لا يمكن الخدشة فيه، ولا تلك القوة والقدرة التي يراها (كانت) موجودة في الروح والباطن لدى كل شخص بهذه الصراحة والوضوح.

إن هذه النظرية نظرية جيدة، ولذلك نرى في القرآن أنه ذكر (النفس اللوامة) ومطالب أخرى من قبيل (فألهمها فجورها وتقواها) [1] إشارة إلى وجود أصالة في الإنسان بالنسبة إلى العمل الرديء والجيد، فعندما يقدم الإنسان على العمل الرديء تلومه نفسه فيتضح أن هناك شيئاً يدفع إلى فعل الخير وترك الشر، ويلوم الإنسان بسبب فعله الشر، وفي المقابل عندما يقدم الإنسان على فعل الخير فإنها ترضى عنه ويشعر بمدحها له.

النزاع بين (الأنا) ونكران الذات

وتأييداً لهذا المطلب يقول علماء النفس في هذا العصر: قد يصمم الإنسان أحياناً على فعل ما يخالف رغبته وطبيعته النفسية لكونه يرى أنه حسن، كأن يصمم على أن يمسك عن الأكل، أو أن لا يفرط في النوم، أو أن يستيقظ مبكراً، عندما يصمم الإنسان يقع بين دافعين، دافع يقول له: كل قليلاً أو استيقظ مبكراً، ودافع آخر متمثل بطبيعته ويريد منه أن يعمل على خلاف ما عزم عليه.

أحياناً يتبع الإنسان الإرادة التي صمم عليها وأحياناً يحدث العكس، وعندما تنتصر إرادته الخلقية يشعر بالرضا ويشعر بالانتصار أيضاً، تماماً كالمصارع المنتصر، وبالعكس عندما تتغلب طبيعته يسأم من نفسه ويشعر بالانكسار، في حين أنه أصبح مغلوباً لنفسه لا لشخص آخر، كالإنسان الذي يصارع ابنه ويقول: لا فرق لدي في أن تكون الغلبة لمن، بديهي سواء انتصرت الطبيعة عليّ أم انتصرت عليها، ففي كلتا الحالتين يكون المنتصر هو (أنا)، ولكن لماذا عندما تنتصر الإرادة الخلقية يشعر بأنه انتصر، وكأنه تغلب على شخص أجنبي عنه، وعندما تنتصر طبيعته يشعر بأن نفسه قد اندحرت؟ يتضح من ذلك أن نفس الإنسان أقرب إليه من تلك (الأنا) التي هي أجنبية عنه، هنا في الحقيقة انتصار للنفس على ما هو أجنبي عنها.

والآن ما هو هذا الرضا عند الانتصار وهذه الملاُمة عند الاندحار؟ يتضح ان هناك شيئاً كامناً في أعماق الوجدان الإنساني، بحيث عندما يتغلب الإنسان على طبيعته يشعر بالفرح، وعندما ينكسر يلوم الإنسان، فإذن هناك القوة اللواُمة في نفس الإنسان.

نظرية العقل المفكر

وهناك نظرية أخرى وهي نظرية أغلب الماديين، وقد دافع عنها (راسل) أيضاً وهي: نظرية العقل الفردي أو المفكر، وقد عبر عنها (ول ديورانت) في كتاب (مباهج الفلسفة) بغريزة الذكاء، يقول راسل وأمثاله بتفاهة الوجدان الخلقي وحب النوع من أمثال هذه الكلمات، فإن الأخلاق تنشأ من أن للإنسان عقلاً مفكراً، فعندما يكون الإنسان مفكراً يرى أن المصلحة كامنة في مراعاته لحب الأنواع المماثلة له، مثلاً يقول راسل: أنا لا أسرق بقرة جاري أبداً، لأنني أعلم أنني إذا ما فعلت ذلك سيقوم جاري الآخر بسرقة بقرتي، أو أن مصلحتي كامنة في أن لا أكذب، إذ إنني لو كذبت لكذب الآخرون عليّ أيضاً، وما انتفع به بواسطة الكذب يعود عليّ بالضرر، بما يعادل أضعافه عن طريق الكذب الذي أسمعه والخلاصة: أنا لا أمارس أيّ عمل سيئ لأنني أعلم أني إن ارتكبت فعل القبيح فسوف يكون مردوده السلبي عليّ أضعافا مضاعفة، فإذن نتفق على أن نكون صادقين مع بعضنا، إذ إنني لو كذبت عليك وكذبت أنت علي فسنتضرر معاً، عندما نريد تأسيس شركة على أساس منافعنا فقهراً سنعمل على المحافظة على تأمين منافع الجميع، وإن اشتراك المنافع يوجب الأخلاق، فإذن تكون الأخلاق ناشئة من الذكاء.

كان السيد (مزيني) يقول: استخدامنا في بداية الأمر في احدى الإدارات، وصادف ان كان شهر رمضان، وعندما ذهبت في الصباح إلى الإدارة قال لي احد رفاقي في العمل: أنا لدي اخلاق سيئة، فإنني عندما أصوم أكون عصبياً جداً ولا أعي حالتي، ومن الممكن أن أتفوه بكلام يغضبك، والخلاصة: بما أنني صائم وحالتي كما أنبأتك فالتمسك العذر مقدماً، فرايته يشترط شرطاً غير عقلائي، فقلت: من المصادفات الغريبة أن أخلاقي تشبه أخلاقك تماماً بل أشدن، فإنني عندما أغضب قد لا اتمالك أعصابي، فأقوم بلا اختيار مني وأضرب رأس من يقف أمامي، ففكر قليلاً ثم قال: إذن علينا أن نحذر ولا نقدم على هذه الأفعال.

إن (راسل) يقول هذا الكلام نفسه وهو أن الإنسان يرى نفسه إن أساء إلى الآخرين، فإن الآخرين سيسيئون إليه أيضاً، فيرى من الأصلح أن لا يسيء إلى الغير، وطبقاً لهذه النظرية تفقد الأخلاق قداستها، تلك القداسة التي تدفع الإنسان نحو عمل معين انطلاقاً من إحساسه بحب النوع لا من عبادة (الأنا)، أن يقول: كلان بل عبادة (الأنا)، إن هذا أول نقص في هذه النظرية، ولكن من الممكن أن يقال: يجب قول الحقيقة فلا ينبغي للإنسان أن يكون مثالياً يتكلم على الخيال.

نقد هذه النظرية

الإشكال الأساسي على هذه النظرية هو أنها تزلزل قاعدة الأخلاق من الأساس، لأن الأخلاق تكون حاكمة في الموضع الذي تتساوى فيه القدرات، بحيث أنا أخشى الطرف المقابل بقدر ما هو يخشاني، وأكون في مأمن من ناحيته بنفس المقدار الذي يكون فيه هو في مأمن من ناحيتي.

من المسلم به أن هذه الأخلاق أي الأخلاق الفكرية المدروسة يمكن أن تكون حاكمة على أساس المنافع الفردية، أما عندما يكون القوي في جهة والضعيف في الجهة الأخرى، ويكون القوي على يقين تام بعدم تمكن الضعيف من أن يعمل شيئاً، فلا تستطيع أية قوة وأي دافع لأن يكون القوي خلوقاً، ان السيد (نيكسون) عندما يواجه (برجينيف) المساوي له في القدرة يكون شخصاً خلوقاً، ويقول: لماذا ألقي بقنابلي على رأسه، مع أنه يتمكن من القاء ما عنده من قنابل على رأسي؟ ولكنه عندما يواجه (ويتكنج) المسكين الذي هو أضعف منه وهو على يقين تام من أنه لا يتمكن من أن يجاريه في القدرة، فحتماً لا توجد أية قوة لتجبر السيد نيكسون على أن لا يقدم على العمل الفلاني، إنه لا يفعل ذلك الشيء عندما يبرز له (ويتكنج) قدرته، فإذن ما لم تكن هناك قدرة لا يكون هناك وجدان أخلاقي.

هذا هو منطق (راسل) خلافاً لجميع ما يطلقه من شعارات عن حب السلام والإنسانية، إن فلسفته مضادة للأخلاق، ولا يوجد في فلسفته أي دليل يمنع من استغلال الضعيف، لأن أساسها قائم على الذكاء أي العقل الفردي، ولا يحصل التجاوز عندما تتساوى القوى، ولكن عندما لا تتساوى القوى فإن العقل الفردي لا يحكم أصلاً بمثل هذا الحكم.

الجمال العقلي

وهناك نظرية أخرى وهي نفس النظرية العقلانية ولكن بنحو آخر غير العقل الفردي وهي تقول: لا ينحصر الجمال بالحس، فهناك واقع أيضاً للجمال المعنوي، وكما أن الجمال الحسي ينشأ من التناسب (أي أن التناسب عامل أساسي في إيجاد الجمال الحسي) كذلك في الأمور المعنوية والروحية أيضاً، فإن الجمال العقلي ناشئ من التناسب.

يقول الأخلاقيون: إن جذور جميع الأخلاق هي (العدالة) [2] ويفسرون العدالة بالاتزان، ويجعلون الأخلاق الفاضلة حداً وسطاً، أي الأخلاق المتزنة فكما لو كانت احدى عيني الإنسان كبيرة والأخرى صغيرة، فإن وجهه سيكون مشوهاً، ولو كانتا متساويتين في الحجم لكان أجمل، وبشكل عام في جمال الإنسان وجسمه توجد نسبة في كل عضو ومعادلة خاصة، وهي وان لم تكن قابلة للتعريف، إلا أن القدر المسلم هو أن هذه النسبة موجودة، فلو أدخل هذا التناسب في الخصائص الروحية والمعنوية للإنسان يحصل نوع خاص من الجمال، مثلاً هل من الأفضل للإنسان أن يكون فظاً أم حسن المعاشرة؟ هناك حالة وسطى من الخشونة والليونة، وهي أنه بإمكان الإنسان أن لا يكون فظاً غليظاً ينفض الناس من حوله، وأن لا يكون ليّناً ساذجاً يسخر منه الناس، وعلى حد تعبير سعدي:

“تنسجم الخشونة مع الليونة كالحجام، فإنه يجرح الجسم ثم يداويه بالمرهم”.

عندما تحصل هذه الحالة لشخص ما تحصل له محبة في قلوب الآخرين، نحن نحب الأفراد الصالحين والمتخلفين والعادلين والمسيطرين على بطونهم وغضبهم وشهواتهم، ويستخدمون كل واحدة من هذه القوى في محلها المناسب، ونهيم بهم، باعتقاد هذه الفئة أن التعلق بالأفراد الصالحين هو أحد أنواع عبادة الجمال، وفي نظرهم أن جذور الأخلاق الحسنة أو الفعل الخلقي هو الجمال، وان أساس الجمال هو التناسب، ولذا عندما يريدون تحديد الأخلاق الفاضلة يقولون: إذا لم تكن القوى والغرائز في حد الافراط أو التفريط تنشأ لدينا الأخلاق العالية.

فإذن على قول هؤلاء يكون المعيار هو الجمال، وقاعدة الجمال التناسب، وهذا يتبنى على أصل فلسفي وروحي وهو أن الجمال لا يكون منحصراً بالجمال الحسي، بل يعم الجمال المعنوي أيضاً، ودليله هو أن أفراد البشر عندما يشاهدون شخصاً متحلياً (بالأخلاق المتناسبة) تظهر منهم تلك الحالة من التفاعل التي تظهر أمام الجمال، أي يعشقونه نوعاً خاصاً من العشق، لماذا يعشق الناس أولياء الله؟ لا يمكن أن يحصل الحب دون جمال.

نقل (ول ديورانت) في كتاب (مباهج الفلسفة) كلمة عن أفلاطون، يقول: إن الذكاء ليس عملاً ذكياً (ونحن لا نسمي كل فعل يصدر عن الذكاء ذكياً) وإنما هو جمال وتناسق بين العوامل الخلقية لدى الفرد، وبعبارة أخرى: إن الذكاء معناه حسن التركيب ولطافة الترتيب في السلوك الإنساني، إن الخير المطلق ليس في حدة الذكاء أو القدرة، بل هو عبارة عن اتساق الأجزاء وتناسبها مع الكل، سواء في الفرد أو المجتمع وهي جملة جيدة جداً، هذا أيضاً بيان لمعيار الفعل الخلقي، ويرجع عامل إجرائها أيضاً إلى حس حب الجمال في الإنسان مع الإلتفات إلى هذه النقطة، وهي أن حس الجمال في الإنسان ليس منحصراً ومحدوداً في الجمال الحسي والجمال الجسماني.

الدين وحده هو المتكفل بتطبيق الأخلاق

نصل هنا إلى هذه النقطة وهي: هل يمكن للأخلاق أن توجد بلا دين أم لا؟ وان أمكن أن يكون لها وجود فسيكون الدين مؤيداً لها ودعاُمة وسنداً، ورأى البعض (حتى الغربيون) أن الأخلاق لا يمكن لها أن تستقر دون الدين، يقول الكاتب الروسي (دستويفسكي): “لو لم يكن الله موجوداً لأبيح كل شيء” مراده أنه سوف لا يكون هناك أي شيء يمنع الإنسان من أن يرتكب العمل المنافي للخلق، وان دستوفسكي لا يرتضي نظرية (كانت) والآخرين من هذه الناحية، ومراده من جملة “لو لم يكن الله موجوداً”.

أوضحت التجربة أنه في الموضع الذي يفرق فيه بين الدين والأخلاق تكون الأخلاق متأخرة جداً، ولم ينجح أي من المذاهب الخلقية اللادينية في برنامجه، وان القدر المسلم به هو أن الدين في الأقل ضروري لأن يكون دعاُمة للأخلاق الإنسانية، من هنا يرتفع الهتاف بتعابير مختلفة، إن البشر مهما تقدم في الصناعات وصنع الحضارة، فإنه قد تأخر في الأخلاق، لماذا؟ لأنه لم يكن وجود للمذاهب الخلقية، فإن المذاهب الخلقية القديمة لم تكن سوى اعتقادات وبمقدار ما يضعف الدين والإيمان، تضعف الأخلاق، من هنا يجب أن نعير قيمة عالية للإيمان إن قلنا في الأقل: إنه لدعاُمة الأخلاق ـ ولم نقل: إنه الضامن والمتكفل الوحيد لتطبيقها.

المسألة الأخرى هي مسألة نسبية الأخلاق، فهل الأخلاق مطلقة أم نسبية؟ أي هل يمكن أن يكون الشيء الواحد خلقياً لدى بعض وغير خلقي لدى البعض الآخر؟ أو يكون في زمان خلقياً وفي زمن آخر منافياً للخلق؟ إذا قلنا بهذا، فإنه يكون تقريباً أمراً مرادفاً لإنكار الخلق، أي تغدو الأخلاق أمراً متغيراً وغير ثابت.

يرى البعض أن الأخلاق نسبية خاصة وأن التغيرات الاقتصادية تقوم بتغيير الأخلاق دائماً، فإن الأخلاق في عصر العبيد غير الأخلاق في مرحلة الفلاحة وان الأخلاق في عهد الفلاحة غير الأخلاق في عصر الآلة، وإن الكثير من الأمور، كالأمور المرتبطة مثلاً بالمرأة والرجل والعفة وغيرها أخلاق مرحلة الفلاحة، وان العهد الصناعي يستوجب أخلاقاً أخرى، ويستندون أيضاً إلى هذه الكلمة المنسوبة لأمير المؤمنين (ع): “لا تؤدبوا أولادكم بأخلاقكم لأنهم خلقوا لزمان غير زمانكم”، فإن قبلنا مضمون هذا الحديث على ما يوحيه ظاهرهُ فسوف لا يستقر حجر على حجر.

المسألة الأخرى المرتبطة بنسبية الأخلاق هي التربية، إذ لو كانت الأخلاق نسبية فسوف لا يمكننا أن نضع قواعد ثابتة ومناسبة للتربية.
——————————————————————————–

[1] سورة الشمس، الآية: 8.

[2] يوجد بحث في (جامع السعادات) في هذا الخصوص.

.