الرئيسية / مقالات اسلامية / عقيدتنا / الأخلاق في المجتمعات الإسلامية – اية الله مرتضى مطهري
0

الأخلاق في المجتمعات الإسلامية – اية الله مرتضى مطهري

هناك ثلاثة أنواع من الأخلاق في المجتمعات الإسلامية.

1 ـ الأخلاق الفلسفية أو السقراطية: التي بسبب التعقيد العلمي الموجود فيها، لم تخرج عن محيط العلماء والفلاسفة إلى عاُمة الناس. ولكن النوعين الآخرين للأخلاق كانا مؤثرين في الناس.

2 ـ الأخلاق العرفانية: أي الأخلاق التي روجها العرفاء والمتصوفون وطبعاً بمقياس واسع مبتنٍ على الكتاب والسنة.

3 ـ أخلاق الحديث، أي الأخلاق التي روجها المحدثون في صفوف الناس عن طريق نقل الأخبار والأحاديث وغيرها.

لهذين النوعين من الأخلاق أوجه اشتراك كثيرة، وان اختلفا في بعض النقاط. إن محور أخلاق العرفاء هو مجاهدة النفس، وهذا طبعاً تعليم صحيح موافق أيضاً للأخلاق المذكورة في الكتاب والسنة، ولكن حصل فيه نوع من الإفراط جر إلى الوقوع في بعض التعاليم غير المنسجمة مع الكتاب والسنة، وخرج بالأخلاق الإسلامية في حالة الحياة إلى حالة الموت.

إن هؤلاء قد أغفلوا ما أوصى به الإسلام مما هو كراُمة للنفس وشرف لها تحت عناوين مجاهدة النفس و(الأنا). ان الإسلام يخالف عبادة النفس بمعنى البطنة والانغماس في الشهوة وحب المال والجاه، ولكن هناك أشياء لا يميل إليها الطبع وقد أوصى الإسلام بتقويتها، من قبيل طلب العزة والشرف وكراُمة النفس.

هناك حديث في نهج البلاغة يقول: “من كرمت عليه نفسه هانت عليه شهواته”[1] أي لو حصل هذا الشعور في الإنسان سوف يترك الإنصياع للشهوات سريعاً ويرجع الإنسان إلى باطنه ويلتفت إلى ذاته، وإن للذات مقاماً رفيعاً وهي أسمى من أن تلوث بهذه الأمور، (كما لو أننا أرشدنا شخصاً إلى لوحة جميلة جداً وسألناه: هل تعرف ما هذه اللوحة؟ إنها جميلة جداً واستثنائية، ولكنها ومع الأسف في موضع يقع عليها التراب والغبار) إنه مادام لم يعرفها فهو لا يقدر ثمنها ولا يعيرها اهتماماً، ولكنه ما ان يتعرف عليها حتى يقوم فوراً بالحفاظ عليها.

حديث آخر عن الإمام الهادي: (من هانت عليه نفسه فلا تأمن شره) [2] إن الذي يفقد احساسه بكرامته هذا الكنز العظيم، والذي لا يشعر بشرفه وكرامته، احذره ولا تأمن شره.

وقد جاء في الحديث المعروف في العقل والجهل في تحف العقول (ص389): “لا دين لمن لا مروءة له”. إن الدعوة إلى المروءة هي نفسها دعوة إلى الذات. (ولا مروءة لمن لا عقل له. إن أعظم الناس قدراً من لا يرى الدنيا لنفسه خطراً).

وطبعاً هذه ليست عبادة للنفس، إن أعظم الناس قدراً هو الذي لو وضعت الدنيا بما فيها في كفة وكرامته وعزة نفسه في كفة أخرى، لقدم عزة نفسه على جميع الدنيا، أي لا يكون مستعداً لتلويث شرفه وكرامته مقابل أن يعطى الدنيا بما فيها.

يقول في نهج البلاغة: “قدر الرجل على قدر همته، وصدقه على قدر مروءته” إنها جملة عجيبة! إن الذي يشعر برجولته لا يكذب، ويرى الكذب دون شأنه “إن هذا الالتفات إلى الذات هو مطلب في حد ذاته”، “وعفته على قدر غيرته”[3] أي أن الذي له غيرة على عرضه لا ينظر إلى أعراض الناس، وإن الذي يهتك أعراض الناس فاقد لغيرته.

وأكثر صراحة من كل هذا كلمة في وصيته (ع) الإمام الحسن (ع) (أكرم نفسك عن كل دنية، وإن ساقتك إليها الرغائب، فإنك لن تعتاض بما تبذل من نفسك عوضاً): “ولا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حراً”[4] .

من المحتمل أن يقول شخص: لو أراد الإنسان أن يجاهد نفسه، فلو لم يكن عبد غيره فقد ارتكب عبادة نفسه أكثر من كونه أصبح حراً، كلا إن تلك النفس التي كان عليه أن يجاهدها هي غير تلك النفس التي عليه أن يحافظ عليها. إن هذه الجمل يقولها علي (ع) وتمام هدفه مجاهدة الهوى وحب الذات، يتضح أن ذلك الهوى وتلك (الأنا) التي تحاربها النفس هي غير ذلك الشيء الذي يريد الإسلام إحياءه.

يقول الإمام الصادق (ع) في حديث في تحف العقول: “ولا تكن فظاً غليظاً يكره الناس قربك، ولا تكن واهناً يحقرك من عرفك” أي أن الإسلام لا يرتضي للمسلم تحت عنوان مجاهدة النفس أن يجعل من نفسه شخصاً وضيعاً وحقيراً، لا يعتني به من مر به، بل ينبغي الحفاظ على العزة والشرف: (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين) (سورة المنافقون، الآية: 8). هذا هو منطق القرآن.

نقطة ضعف الأخلاق الصوفية

توجد في الأخلاق الصوفية والعرفانية نقطة ضعف، مع أن العرفاء قاموا بإسداء خدمة كبيرة إلى الإسلام إذ إنهم قاموا بترويج الأخلاق شعراً ونثراً وتمثيلاً إلا أن الإنسان يشتبه أحياناً، انظروا إلى جملة أمير المؤمنين (ع) هذه: ولا تكن عبد غيرك وقد خلقك الله حراً، أو جملة الإمام الصادق ولا تكن واهناً يحقرك من عرفك. وانظروا في المقابل هذا الكلام الذي يذكره ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: يقول إبراهيم الأدهم[5] : أنا لم افرح كما فرحت في ثلاثة مواضع[6] : الأول: عندما كنت راكباً في سفينة، وكان فيها رجل يقوم بمداعبة الناس واضحاكهم، وقد أحاط به من في السفينة وكان في جملة ما نقله من القصص أنه كان جندياً وقد حارب هو ورفاقه في الموضع الفلاني وكانوا يقومون بأسر الأشخاص، وبعد ذلك من أجل أن يوضح كيف كان يسحب الأسرى نظر إلى الأطراف لم ير من هو أنسب مني لجره إلى ساحة قصته، فتقدم نحوي وجرني من شعر رأسي وهو يقول: هكذا كنا نقوم بسحبهم. ففرحت إذ أني رأيت أنه لا يوجد من هو أحقر مني في نظره. (إن ابن أبي الحديد ينقل هذه القضية مستحسناً لها. وهي بالضبط خلاف كلام أمير المؤمنين (ع) والإمام الصادق (ع) وفي موضع آخر كنت مريضاً فنمت في المسجد، وعندها كانوا يقومون بطرد السائلين من المساجد، فجاءني المؤذن الذي كان خادماً أيضاً وقال لي: انهض واخرج، فلم أتمكن من النهوض، فأخذ برجلي وقام بسحبي ورمى بي خارج المسجد. ففرحت كثيراً لأني كنت في هذه المرتبة من الضعة بنظره (إن هذا الرجل ينقل هذه الخاطرة عن نفسه على أنها مجاهدة للنفس والهوى وهو يتحمل فيها الإهانة والحقارة) ومرة ثالثة كنت أمتلك ثوباً فنظرت إليه فلم أميز بين شعره والقملة.

إن هذا طبعاً لا ينسجم مع الأخلاق الإسلامية، إن الإسلام يأمرنا بضرب ذلك الرجل الذي يجعل من الآخرين سخرية ويرى أن النظافة من الإيمان. ولكن جميع هذه الأمور قد غض الطرف عنها بعنوان مجاهدة النفس وهذا غير صحيح.

كذلك ينقل ابن أبي الحديد ـ مادحاً ـ أن شخصاً دعا أحد المشاهير في التصوف فذهب إليه، فاعتذر منه. وكذا في المرة الثانية والثالثة، ومع ذلك لم يهتم للأمر كثيراً ولم ينزعج من هذه الإهانة (الصوفي لا يغضب ولا يضجر) وبعد ذلك أخذ هذا الرجل يثني عليه ويقول له: أنت شخص فذ وكبير، فقد أقدمت على إهانتك ثلاث مرات ولم تتأثر، فقال له الصوفي: (كلا، إن هذه ليست فضيلة، فإنك تمدحني على خلق موجود حتى لدى الكلب، فإنك لو أعطيت الكلب رغيبفاً لأقبل عليه، وان منعته يرتد على ادباره) إن هذا الدرويش لم يتأثر من هذه الإهانة، في حين أن ذلك الشخص قد لوث كرامته. ومضافاً إلى كل هذا شبه نفسه في جواب مدحه بالكلب.

وينقل أيضاً كلاماً عن الجنيد توجد فيه فقرة غير جيدة، وفقرتان جيدتان. يقول: لا يكون العارف عارفاً حتى يكون كالأرض يطؤه البر والفاجر. كسحاب يظل كل شيء (وهذه الفقرة صحيحة طبعاً) وكالمطر يسقي ما ينبت وما لا ينبت. وهذه صحيحة أيضاً. ولكن علينا أن نزن الجملة الأولى: يوجد في الوسائل باب عنوان كراهة الظلم وأن للإنسان الخيار في ماله وعمله ويمكنه حتى تطليق زوجته، ولكن ليس له خيار في كرامته ولا يمكنه أن يقول: لي خيار التنازل عن كرامتي.

إن من الاُصول الخلقية الإسلامية: الحفاظ على شرف النفس وكرامتها وان شاء الله سنتوسع في عرض هذه النقطة في البحث القادم.

كراُمة النفس في القرآن والحديث

انتهى البحث السابق إلى مسألة كراُمة النفس أو عزة النفس، وما ورد بشأنها في التعاليم الإسلامية، إن هذا الموضوع لم يعتنَ به كثيراً أو أهمل كلياً في حين إننا نستنبط منه قواعد الأخلاق الإسلامية، وهو أحد طرق تعريف الإنسان بنفسه وتذكيره بكرامته الذاتية، فيجب أولاً أن نرى هل توجد في التعاليم الإسلامية عبارات تشير إلى عظمة وأهمية النفس أو تعرف الإنسان بنفسه أم لا؟ وان وجدت، فهل هناك تعارض بينها وبين التعاليم الإسلامية التي تنكر النفس أحياناً؟

عزَّة النفس

يعبر في كثير من التعاليم الإسلامية عن حالة الغرور أو الإحساس بالرفعة والشرف بـ”عزة النفس”، وفي مقدمة هذه التعابير قوله تعالى: (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين)، ان على المؤمن أن يعلم بأن العزة تنحصر به، وأنه هو الذي يجب أن يكون عزيزاً، وهذا طريق للتعريف بالنفس والتوجه إليها.

وفي الحديث النبوي: “اطلبوا الحوائج بعزّة الأنفس”[7] أي لا تذلوا ولا تحقروا أنفسكم أمام الآخرين لطلب حاجتكم، احفظوا عزتكم ولا تقضوا حوائجكم بثمن ذلتكم وذهاب عزتكم.

في نهج البلاغة يقول الإمام (ع) لأصحابه: “فالموت في حياتكم مقهورين والحياة في موتكم قاهرين”[8] يتبين هنا أن للعزة والسيادة والقهر قدراً وقيمة عظمى بحيث لا يمكن أن يتخلى عنها في الحياة، فإن تحققت العزة فلا يهم أن يتحرك جسم الإنسان على هذه الأرض أم لا، وان لم تكن فالحركة والحياة على وجه الأرض موت.

كان شعار سيد الشهداء المعروف في يوم عاشوراء هو: “الموت أولى من ركوب العار”[9] ، أي انني أريد العزة فقط، وعبارته الأخرى: “هيهات منا الذلة”[10] ، هي شعار آخر مضافاً إلى شعارات أخرى رفعت في يوم عاشوراء، وقد تلألأت هذه الشعارات في تاريخ عاشوراء، “إني لا أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برماً”[11] ، ومن الكلمات التي ذكرت له (ع): “موت في عزّ خير من حياة في ذل”[12] .

وهناك تعبير آخر قريب من المعنى الذي ذكرناه يروى أيضاً عنه (ع): “الصدق عز والكذب عجز”[13] ، لذلك يجب أن يكون الإنسان صادقاً، لأن الصدق عز للإنسان “وهنا اعتبرت العزة مبنى الصدق” فالذي يكذب هو الضعيف والعاجز، أما القوي فإنه لا يكذب.

الكلمة الثانية من الحكم في نهج البلاغة: “ازرى بنفسه من استشعر الطمع”، أي احتقر نفسه من جعل الطمع شعاراً له، الطمع يذل الإنسان، ومبنى هذا الخلق السيئ هو حقارة النفس “ورضي بالذل من كشف عن ضره”، يكره شرعاً أن يظهر الإنسان ابتلاءاته للآخرين، لأن هذا الأمر يحقر الإنسان ويذله.

جاء رجل إلى الإمام الصادق (ع) وشكاه دهره وانني كذا وكذا، حيران وعليّ دين، فاعطاه الإمام مقداراً من المال، قال الرجل: لم يكن قصدي أن آخذ شيئاً، لقد أردت أن أشرح لكم حالي لتدعوا لي عند الله، فقال الإمام (ع): إنني لم أقل كان قصدك هذا ولكن خذ هذا وانفقه على نفسك، “ولا تخبر الناس بكل ما أنت فيه فتهون عليهم”[14] .

جملة: “ورضي بالذل من كشف عن ضره”، وجملة: “وهانت عليه نفسه من أمّر عليها لسانه”، لها معنى عظيم.

وهناك كلمة أخرى في نهج البلاغة هي: “المنية ولا الدنية، والتقلل ولا التوسل”[15] ، لماذا يمد الإنسان يده للآخرين؟ أقنع بالقليل ولا أستجدي الآخرين.

ينقل سعدي في كتابه “بوستان” أنه مرّ الإمام علي (ع) بقصاب، فقال القصاب: عندي لحم جيد، قال الإمام (ع): ليس لي مال لأشتري الآن، فقال القصاب: سوف أنتظر، قال الإمام (ع): أقول لبطني أن تصبر وتنتظر.

وهناك حديث آخر للإمام الصادق (ع) في “تحف العقول” بشأن المعاشرة أيضاً يقول (ع): “ولا تكن فظاً غليظاً يكره الناس قربك، ولا تكن واهناً يحقرك من عرفك”، وهذا عكس ما ذكرناه في البحث السابق عن أبن أبي الحديد الذي ينقل عن أحد مشاهير المتصوفة، أنه فرح في ثلاثة مواضع، منها: أننا كنا في السفينة وكانوا يبحثون عن أحمق يسخرون منه ووجدني أنا، لأنني شعرت بأنه لا يوجد أحد أقل منزلة مني في أعينهم، ففرحت كثيراً، هذا خلاف لما يريده الإسلام، ان الاحساس بالتواضع في داخل النفس، شيء غير إظهار الإنسان نفسه حقيراً أو ان يحقر نفسه أمام الآخرين، ينقل في “الوسائل”[16] ، أن أمير المؤمنين (ع) كان يقول دائماً:

“ليجتمع في قلبك الإفتقار إلى الناس والاستغناء عنهم” لكن هذا الإجتماع ليس في شيء واحد، بل هو بالإضافة إلى شيئين، والإمام يوضح ذلك بقوله: فيكون افتقارك إليهم في لين كلامك وحسن بشرك، ويكون استغناؤك عنهم في نزاهة عرضك وبقاء عزك، هنا يجب الاستغناء عن الناس إذا كانت مسألة عرضك وشرفك في البين ولو رأيت انك لو كنت ليناً فقدت عزتك وشرفك وجب عليك أن لا تتعامل مع الآخرين بلين.

هناك بعض العبارات تحت عنوان “العلو” كتعبير القرآن: (ولا تهنوا ولا تحزنوا وانتم الأعلون ان كنتم مؤمنين) [17] ، يطرح هنا مسألة العلو ويدعو إليها.

والتعبير الآخر هو “القوة” وهو إحدى طرق العودة إلى النفس ولكن بطريقة [شعور القدرة في النفس]، قدمنا حديثاً للإمام الحسين (ع) وهو: “الصدق عز والكذب عجز”، القوي لا يكذب أبداً، أنه يقول: إن على الإنسان أن ينمي في نفسه الشعور بالقوة والعظمة وان الكذب والغيبة وأمثالها من الضعف والعجز، كما يقول الحديث حول الغيبة: “الغيبة جهد العاجز”[18] ، فالإنسان القوي لا يسمح لنفسه أن يتحدث على الآخرين في غيابهم.

وجاء في حديث آخر: “ليكن طلبك للمعيشة فوق كسب المضيع، ترفع نفسك عن منزلة الواهن الضعيف”[19] ، أي ان على الإنسان أن يبحث عن رزقه بنفسه. تقوم مسألة البحث عن الرزق والمعيشة من الناحية الأخلاقية على أساس القوة واعتبر اهمال العمل، والكسل من الضعف والعجز.

عظمة النفس

وهذا التعبير يعني أن روح الإنسان شيء نفيس وثمين، وأن الأخلاق الحسنة والفاضلة أمور تناسب هذا الشيء النفيس، والأخلاق الرذيلة تنافيه، وعدم التناسب هذا يحط من قيمتها، هذا التعبير يعطي للإنسان ثروة نفيسة جداً ألا وهي نفسه ويقول له: يجب أن لا تضيع هذه النفس ولا تلوثها لأنها ثمينة ونفيسة.

ان أمير المؤمنين (ع) يخاطب الإمام الحسن (ع) في رسالة له في نهج البلاغة: “أكرم نفسك عن كل دنية، فانك لن تعتاض بما تبذل من نفسك عوضاً”، فيجب عدم تضييع هذا الشيء الثمين، الذي يفوق كل ثمن وقيمة، إن الأشياء التي يتعلق بها استقلال الدولة وشرفها تعد فوق كل القيم بالنسبة للأمة، ليس هناك شعب ـ وان كاد يموت من الفقر ـ مستعد لكي يساوم على قيمه أو تراثه، كبعض الآثار العلمية والأدبية وحتى الذوقية الفنية.

ولأمير المؤمنين كلام آخر يقول فيه: “لا دين لمن لا مروءة له”[20] ، (وفي الحقيقة ان الدين هو المروءة)، “ولا مروءة لمن لا عقل له، وان أعظم الناس قدراً من لا يرى الدنيا لنفسه خطراً”[21] ، ما هي هذه النفس لتكون الدنيا بأكملها رخيصة في نظره وقدره، بحيث لو أعطي الدنيا كلها قبال نفسه فسيرى أن نفسه أفضل من الدنيا وما فيها.

هناك قول للإمام الصادق (ع) في شعر رباعي وجدته في المجلد الثاني عشر من البحار، الشعر هو للإمام (ع) حفظت البيت الأول منه:

أثار من بالنفس النفيسة ربها وليس لها في الخلق كلهم ثمن[22]

الغيرة

التعبير الآخر هو “الغيرة” إن بعض الأمور الأخلاقية تكون بمقتضى الغيرة أو عدم اقتضائها، يقول أمير المؤمنين (ع): “قدر الرجل على قدر همته، وشجاعته على قدر أنفته، وعفته على قدر غيرته”[23] ، فبقدر شعور الإنسان بالغيرة على شرفه وعرضه فإن يحترم شرف الآخرين وعرضهم وكرامتهم، أي أن غيرته لا تسمح له بالتعدي على عرض الآخرين، لذا يقول (ع) في تعبير آخر: “ما زنى غيور قط”[24] ، أي أن كل من يزني ويهدم عفة الآخرين لا غيرة له أبداً.

والتعبير الآخر في هذا المجال هو كلمة “الحرية” يقول أمير المؤمنين (ع): “لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حراً”.

وهناك تعابير حول “كراُمة النفس” مثل: “من كرمت عليه نفسه هانت عليه شهواته”[25] ، ويقول الإمام الهادي (ع): “من هانت عليه نفسه فلا تأمن شره”[26] .

هل يوجد تناقض؟

كل هذه التعابير حول شعور الإنسان بقيمة نفسه، ومن جهة أخرى نجد في الإسلام تعاليم أخرى أشهر من هذه، وقد تعد منافية لها، فمثلاً عندما نقول: عزّة النفس، إذاً ما نصنع بالتواضع؟ هل التواضع شيء غير التذلل؟ فلو أردنا أن نحفظ عزة النفس إذاً علينا أن لا نتواضع! فهل عزة النفس ضد التواضع أم لا؟ وكذلك علو النفس، فالقرآن الكريم من جانب يقول: (وانتم الأعلون إن كنتم مؤمنين)، وفي مكان آخر يذم علو النفس فيقول: (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين)(سورة القصص، الآية: 83).

كل ما سمعناه لحد الآن كان حول الضعف، يقول سعدي: انا تلك النملة التي تسحق بالأقدام، لا نحلة يصرخ من لدغها… فكيف اُأدي شكر هذه النعمة وهي أنني لا أملك طاقة إيذاء الآخرين.

وأما بشأن النفس النفيسة، فيقال: أليست النفس هي ذلك الشيء الشرير والخبيث التي تشبه بالكلب وكل الأشياء الشريرة؟ إذاً كيف تُعرف هنا بالشيء النفيس والثمين؟ وهكذا العبارات الأخرى من قبيل الحرية، الكراُمة وغيرها، ألم يوص الإسلام بجهاد النفس؟ فكيف يجب هنا احترام النفس التي تجب مجاهدتها والنظر إليها كالعدو كما قال الرسول الأكرم (ص): “أعدى عدويك نفسك التي بين جنبيك”[27]، ونجد أن “العجب” مذموم. أليس العجب هو غير عظمة النفس في عين صاحبها؟ وهكذا التكبر، كيف تتناسب هذه التعابير مع ما قيل من قبل؟ هل هناك تناقض أم لا؟

لا يوجد تناقض، لأن للإنسان نفسين، فنفس لو نظر إليها الإنسان لكان ذلك عجباً، وان نظر إليها باكبار كان تكبراً، ولو أرادها هي وحدها كان ذلك غروراً مذموماً، فهذه هي التي تجب مجاهدتها والنظر إليها بوصفها عدواً تجب محاربة أهوائه، أما النفس الأخرى فهي التي يجب تعزيزها وتكريمها واحترامها وحفظ حريتها وقدرتها وقوتها وعدم تلويثها بالضعف، ولكن كيف نوضح هاتين النفسين؟ إن للإنسان “نفسين” وذاتين، فهل معنى ذلك أن له “أنانيتين”؟ لاشك أن لكل شخص “أنا” واحدة لا اثنين، ووصف الإنسان بتعدد الشخصية غير مقبول، هناك مرض يعرف في علم النفس “بازدواج الشخصية” ولكن ذلك المرض في الحقيقة ليس شخصين قد يقال للشخص غير المتعادل وغير المتوازن أنه مصاب بمرض تعدد الشخصية لكنه في الحقيقة لا يملك شخصيات متعددة، ليس للإنسان نفسان في الحقيقة، بل إن للإنسان نفسين، بمعنى أنه يمتلك نفساً حقيقية وواقعية وأخرى مجازية وتسمى لا نفس، ومحاربة النفس في الحقيقة هي محاربة النفس مع اللانفس، إننا نملك نفساً بعنوان نفس شخصية وفردية، فعندما أقول “أنا” سوف أضع نفسي في مقابل “أنانية” الآخرين، أو في الحقيقة أنفي الأنانيات الأخرى: أنا، لا أنتم، فارادة شيء لهذه النفس تعني لهذا الشخص في مقابل بقية الأفراد وأحياناً ضدهم، كلما أصبحت النفس شخصية وفردية ومنفصلة عن بقية الأنفس فهذه الحالة مرتبطة بالأنفس أي مرتبطة بجوانبه البدنية، ولكن للإنسان في باطنه وذاته نفسه حقيقة تعتبر أصل ذاته وهذه الأخرى التي يتصورها “نفساً” هي في الحقيقة “لا نفس”، وهذه هي التي يعبر عنها القرآن الكريم: (فإذا سويته ونفخت في من روحي)(سورة الحجر، الآية: 29). وهذه حقيقة ليست من جنس المادة والطبيعة، بل من جنس الملكوت والقدرة، من جنس عالم آخر، فالتوجه لهذه النفس يعني معرفة حقيقة إنسانيته، عندما يتوجه لها الإنسان يراها الحقيقة المحضة، لأن جوهرها هو جوهر الحقيقة وأنها مخالفة للباطل وكل ما هو عدم، إنها تلائم الصدق، لأن الصدق حقيقة، ولأن الكذب عدم ولا حقيقة وبلا معنى وفائدة فهو غير ملائم لها، وهي من سنخ القدرة والملكوت، ولذا فهي لا توافق العجز والضعف، وهي من سنخ العلم فلا توافق الجهل، هي من سنخ النور، فلا توافق الظلام، هي من سنخ الحرية، لأن “أنا” الإنسان الحقيقية حرة وبما أنها من جوهر الحرية والإرادة فهي مخالفة للذلة والعبودية للآخرين أو للشهوات هي من سنخ التجرد وما وراء المادة فهي مخالفة للتلوثات والأوساخ المادية والطبيعية التي تجعل الإنسان أسيراً لها.

لذلك فان التوجه إلى “الأنا” بعنوان فرد يعيش الآن في مقابل بقية الافراد ـ هي التي تحدث الحروب لأجلها ـ أو بقول العارفين “أنا” بعنوان شخص وفرد وجسم، ومن مقتضيات هذا الجسم: الأكل، النوم، الشهوات الجنسية، وكل ما يرتبط بحياة هذا الجسم، نعم التوجه إلى “الأنا” بهذا المعنى مذموم.

والأنا التي يجب أن يسيطر عليها وينظر إليها بعين العدو كي لا تسلب اختيار الإنسان، وبعين الخادم الذي لا يغفل عنه سيده، هي “الأنا” التي تقف في مقابل بقية الأفراد، أما تلك “الأنا” التي ذكرت بمعنى عزة النفس، قوة النفس، كراُمة النفس، شرف النفس، وحرية النفس، فليس فيها أنا ونحن، هي ذلك الجوهر القدسي الإلهي الذي يوجد عند كل إنسان، كل فرد لو يراجع ذاته وباطن نفسه يرى سلسلة من الصفات التي تتناسب معه وأخرى دون شأنه، وهي صفات الشر والحقارة، فكما لو رميت لوحة في الأوساخ تشعر بأن هذا المكان دون شأنها، فالأنا عندما ترى نفسها ملوثة ـ تشعر بأن هذه التلوث غير لائق بها ـ فتلك “الأنا” هي المعنى الواقع في مقابل المعاني، وهذه “الأنا” هي فرد واحد وتقع في مقابل بقية الأفراد.

إذاً لا يوجد تضاد بين هذهين التعبيرين فمن جانب أمرنا بجهاد النفس وتزكية النفس: “واجعل نفسك عدواً تجاهده”[28] “إن المؤمن لا يصبح ولا يمسي إلا ونفسه ظنون عنده”[29] ومن جانب آخر يقال: اعرف نفسك واحترمها، واكرمها واعزها، واحفظ عزّتها وشرفها وكرامتها وحريتها، هذه جوهر الإنسانية وهي حقيقة، ويوجد هذا النور الإلهي في كل إنسان (فإذا سويته ونفخت فيه من روحي) فهي من عالم أفضل من هذا العالم، إذاً لا يوجد ارتباط بين الإثنين.
——————————————————————————–

[1] الحكمة رقم: 44.

[2] تحف العقول.

[3] الحكمة رقم: 44.

[4] نهج البلاغة، الرسالة رقم: 31 الجزء 45.

[5] كان إبراهيم الأدهم أميراً، ثم تاب وصار صوفياً.

[6] طبعاً أنه يقولها من ناحية خلقية.

[7] نهج الفصاحة، حديث 325، ص64.

[8] نهج البلاغة، الخطبة: 51.

[9] بحار الأنوار، ج78، ص128.

[10] مقتل الخوارزمي، ج2، ص6.

[11] اللهوف، ص69.

[12] بحار الأنوار، ج44، ص192 الطبعة الجديدة.

[13] تاريخ اليعقوبي، ج2، ص246.

[14] بحار الأنوار، ج47، ص34.

[15] الحكمة، 369.

[16] ج2، ص203.

[17] سورة آل عمران، الآية: 139.

[18] نهج البلاغة الحكمة، 453.

[19] الوسائل، ج12، ص30.

[20] تحف العقول، ص410.

[21] تحف العقول، ص410.

[22] بحار الأنوار، ج45، ص25.

[23] نهج البلاغة، الحكمة: 44.

[24] نهج البلاغة، الحكمة: 297.

[25] نهج البلاغة، ص441.

[26] تحف العقول، ص512.

[27] المحجة البيضاء، ج5، ص6.

[28] الوسائل، ج11، ص123.

[29] نهج البلاغة، الخطبة: 16.

شاهد أيضاً

0

عوامل التربية (2) الإحسان – اية الله مرتضى مطهري

عوامل التربية (2) الإحسان ـ تقوية شعور البحث عن الحقيقة ـ المراقبة والمحاسبة من المسائل ...