000

حقيقة الإيمان

ذكرنا سابقاً أنَّ المعنى اللغوي والقرآني للإيمان هو التصديق لكن وقع البحث في أنّ الإيمان من مقولة التصديق القلبي فقط ولا دخالة للإقرار اللساني فيه أو أنّ حقيقته التصديق القلبي مع الإقرار اللساني، أو يُضاف إليهما عمل الجوارح أيضاً .

والأقوال في حقيقة الإيمان عند علماء الإمامية على الشكل التالي:
1- التصديق القلبي:
وهو قول أكثر علماء الإمامية, والإيمان بهذا المعنى قوامه وحقيقته هو التصديق القلبي دون أن يكون للعمل أو الإقرار اللساني دخالة فيه.

2- التصديق القلبي مع الإقرار باللسان:
صرّح به الشيخ الصدوق في الهداية والمحقّق نصير الدِّين الشيخ الطوسي والمحقّق الكركي، ونسبه الشهيد الثاني إلى جماعة من المتأخّرين.

يقول المحقّق الشيخ الطوسي: الإيمان التصديق بالقلب واللسان. واختاره العلّامة الحلّي في شرحه لكلام المحقّق الشيخ الطوسي . وهذا ما يراه جمهرة الفقهاء والمتكلّمين

من السنة والشيعة: وهو أنّهم جعلوا الإيمان نفس التصديق مع الإقرار باللسان، وجعلوا العمل كمال الإيمان .

3- التصديق القلبي والإقرار باللسان والعمل بالجوارح:
وهو اعتبار العمل في الإيمان إضافةً إلى الأوّلين بحيث يكون المرتكب للكبيرة خارجاً عن الإيمان، ولا تشمله الأحكام الخاصة بالمؤمنين، فنسبه الشهيد الثاني إلى المحدّثين، بل في مرآة العقول انعقاد اصطلاح المحدّثين عليه، ونسبه المحدّث البحراني إلى جملة من متقدّمي أصحابنا كالصدوق والمفيد.

كيف فسّرت الروايات معنى الإيمان؟
وبالتأمّل في الروايات يتّضح أنّها ليست بصدد تفسير الإيمان الذي هو موضوع للأحكام الظاهرية وهو الذي يُعبّر عنه بـ “الإسلام” في غالب الروايات، بل هي ناظرة إلى إحدى الجهات التالية:
1- أنّ ترتُّب آثار الإيمان في الظاهر يتوقّف على الإقرار اللساني أو ما في حكمه، كما أنّ ترتُّب آثار الإيمان في الواقع يتوقّف على العمل بمقتضاه.

2- عُدّ العمل بالأركان من أجزاء الإيمان، باعتبار أنّ الإيمان بمنزلة الشجرة والأعمال ثمرتها، فالإيمان بلا عمل كالشجر بلا ثمر، وبهذا الاعتبار يصحّ أن يُقال: الإيمان يتقوّم بالعمل.

3- المعصية وإن كانت غير منافية للإيمان الظاهري، لكنّها مناقضة للإيمان الباطني الذي هو الإذعان القلبي بأحكام اللّه تعالى، ومن هنا روي عنه صلَّى اللّه عليه وآله وسلَّم أنّه قال: “لَا يَزْنِي الزَّانِي وَ هُوَ مُؤْمِنٌ وَ لَا يَسْرِقُ‏ السَّارِقُ‏ وَ هُوَ مُؤْمِن” .

4- قد ظهرت في النصف الثاني من القرن الأوّل الهجري عقيدة باطلة باسم “الإرجاء” وكانت تهدف إلى أنّ المعصية لا تضرّ بالإيمان، ويكفي لنجاة الإنسان أن يكون مؤمناً باللّه ورسوله فحسب، وإن لم يعمل بالفرائض أو ارتكب المعاصي، وصارت خير وسيلة للظلمة الطغاة الأمويين لتبرير أعمالهم الإجرامية، وخصوصاً ما كانوا يفعلونه بالرجال الأحرار من العلويين وغيرهم. وعلى هذا، فقسم من الروايات المؤكّدة على أنّ العمل من أجزاء الإيمان ناظرة إلى بطلان عقيدة المرجئة .

الفرق بين الإيمان والإسلام
إنّ المُراجِع لكلام الإمام علي في نهج البلاغة وفي غيره من الكتب الروائية والذي يُستفاد أيضاً من الروايات الواردة عن الأئمّة الأطهار يكتشف وجود نوع من الاختلاف المفهومي والمصداقي بين الإيمان والإسلام.

فالإيمان هو: التصديق القلبي الذي ينعقد في قرارة النفس، وهو أعلى رتبة من الإسلام، في حين أنّ الإسلام هو: التشهّد بالشهادتين لساناً والعمل بالشرع ظاهراً.

وبالتّالي ستختلف الشروط والصفات لكلّ واحد منهما، فصفات المسلم مختلفة إلى حدٍّ ما عن صفات المؤمن.

وإنّ العلاقة بينهما قد تلحظ باعتبار الصدق أي الانطباق على المصداق، فالإسلام أعمّ مطلقاً من الإيمان وهو أخصّ مطلقاً من الإسلام، فكلّ مؤمن هو مسلم وليس كلّ مسلم هو مؤمن وقد تلحظ بلحاظات أخرى18.

ويدلّ عليه صريحاً قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾، كما استدلّ بها أبو عبد الله عليه السلام لجميل بن درّاج على افتراق الإسلام عن الإيمان، وفي رواية أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام ذيل الآية: “فمن زعم أنّهم آمنوا فقد كذب، ومن زعم أنّهم لم يسلموا فقد كذب” .

رواية فُضَيْلِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ الله قَالَ: “الإيمان يُشَارِكُ الإسلام والإسلام لَا يُشَارِكُ الإيمان” .

وعن فُضَيْلِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ الله يَقُولُ: “إِنَّ الإيمان يُشَارِكُ الإسلام ولَا يُشَارِكُه الإسلام، إِنَّ الإيمان مَا وَقَرَ فِي الْقُلُوبِ، والإسلام مَا عَلَيْه الْمَنَاكِحُ والْمَوَارِيثُ وحَقْنُ الدِّمَاءِ والإيمان يَشْرَكُ الإسلام والإسلام لَا يَشْرَكُ الإيمان” .

ولعلّ المراد من: “المشاركة وعدمها في الرواية وفق عدّة اعتبارات: إمّا باعتبار المفهوم فإنّ مفهوم الإسلام داخل في مفهوم الإيمان دون العكس، أو باعتبار الصدق فإنّ كلّ مؤمن مسلم دون العكس، أو باعتبار الدخول فإنّ الداخل في مفهوم الإيمان داخل في الإسلام دون العكس أو باعتبار الأحكام فإنّ أحكام الإسلام مثل حقن الدماء وأداءِ الأمانة واستحلال الفرج ثابتة للإيمان دون العكس، فإنّ الحكم المترتّب على الإيمان مثل الثواب والنذر للمؤمن وإعتاقه لا تكون للإسلام” ، وكلّ هذه المعاني تُدلّل على الفرق بينهما..

النتيجة: من خلال ما ذُكر سابقاً، إنّ الفوارق بين الإسلام والإيمان تكون على الشكل التّالي:
1- الإسلام أسبق من حيث التحقُّق من الإيمان، فلا يتحقّق الإيمان قبل تحقُّق الإسلام، نعم قد يتحقّق الإسلام ولا يتحقّق الإيمان.

2- الإسلام يتحقّق بمجرّد الإقرار باللسان، وإن لم يقترن بالعمل. لكن الإيمان (الكامل) هو إقرار باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح.

3- بعض الأعمال تتوقّف صحّتها من حيث إسقاط التكليف لا الثواب الأخروي على الإسلام، وبعضها الآخر على الإيمان.

4- للإيمان معنيان: عام وخاص، فالعام هو الاعتقاد بالإسلام بمعناه المتقدّم آنفاً، والخاص هو الاعتقاد بما تعتقده الإمامية، وهو مجموع ما جاء به النبي بما فيه الإمامة.
والحمد لله رب العالمين