الرئيسية / بحوث اسلامية / حواس تتعطّل وأخرى تراقب

حواس تتعطّل وأخرى تراقب

عندما تحل سكرة الموت، تفتر لها الأطرافُ، فلا يقدر على الحراك، لا بيد ولا برجل، وتتغيرُ لها ألوانُ، ويصبح الجسد بتمامه مسجى، إلا البصر والسمع والعقل، فيبقى يراقب ببصره كل ما يجري حوله، ويسمع بأذنيه كل كلمة تقال أمامه، فهو مدرك تماماً لم يذهب عقله، وعلى حد تعبير الأمير عليه السلام: “وإنه لَبينَ أهله ينظر ببصرِه ويسمعُ بأذنِه، على صِحةٍ من عقلِه، وبقاءٍ من لُبه”، فهذه الحواس لم تتعطل ولم تُصب بأذى.

ولكنه لا يستطيع حراكاً، فهو لا يتمكن من النطق والكلام، ليعترض على أمرٍ، أو يحدث بما يفكر به، فهو الآن يؤمن بعجزه عن القيام بأي تغيير.

في هذه اللحظات يمر أمامه شريط حياته بتمامها، كيف مضى هذا العمر؟ وفيمَ أفناه؟ وما الذي كان يسعى إليه؟ ويتذكر ما بذله في سبيل جمع المال، من حلال أو حرام، لم يكن يظن أن تأتي هذه الساعة التي ينقطع عنه كل هذا المال، لا يتمكن من التصرف به، فقد أصبح ملكاً لآخرين وهم ورثته ينعمون به دون تعب ولا حساب، الذين يتمتعون بهذا المال، وهو يتحمل حساب وعذاب ما اقترفت يداه وهو يجمع هذا المال.

________________________________________
20- ميزان الحكمة – محمد الريشهري – ج 4 ص 2959.

3 ـ حسرة الفوت:

وفي هذه الأثناء يشعر المرء بالندم الشديد، والحسرة البالغة، كيف تعب وجهد لغيره، وها هو يحاسب ويعاقب على عمله هذا أشد حساب، وكيف غيره حصل على هذا الجنى وكل هذا المال دون تعبٍ ومشقة، ولا يحاسب عليه أبداً، “فيكونُ المهنأُ لغيرِه، والعبءُ على ظهرِهِ”، وعندها يتمنى ـ ولا يستطيع أن يحقق أمنية ـ فيندم ـ ولات حين مندم ـ “يتمنى أن الذي كان يغبطُه بها” ويقول في نفسه ليت هذه الأموال التي لي حاز مثلها، وبعض “يحسِدُه عليها” فيتمنى زوالها مني وتكون له، “قد حازَها دونَه” يا ليتها كلها لهم لمن يغبطني أو يحسدني، ولم أصرف عمري في جمعها، حتى لا أتحمل عبأها، ولا أشعر بهذه الحسرة والندم.

4ـ قبض الروح

قد أَوحشوا من جانبِه، وتباعدوا من قربِه. لا يُسعدُ باكياً، ولا يُجيبُ داعياً. ثم حملوه إلى مخط في الأرضِ، وأسلموه فيه إلى عملِهِ، وانقطعوا عن زورتِه4.

وشيئاً فشيئاً تصاب هذه الحواس ـ العين، الأذن والعقل ـ التي كانت تعمل قبل لحظات بالعطب، فلا يعود يرى ما يحيط به، ولا يسمع ما يقال ممن اجتمع حوله، “يرددُ طرفَهُ بالنظرِ في وجوهِهِم”، هل هو يودعهم في آخر لحظات الفراق! أو يوصيهم بأن لا يندموا كما ندم! لكن أقصى ما يمكن أن يفعله هو أن يرى حركات ألسنتهم، دون أن يسمع شيئاً من كلامهم، ثم يزداد الموت التصاقاً به، وتخرج الروح الوديعة في من جسده، فيصبح هذا الجسم جيفة بين أهله، ينفر حتى الأحبة منها، وهو بين لا يستطيع أن يجيب من ناداه، بيا أبي أو يا أمي أو يا أخي أو يا زوجي أو يا…، وكل من يبكي حوله لا يستطيع أن يخفف عنه أو يسعده.

وفجأة ينقلب المشهد إلى ضده، من حزنٍ ووداعٍ وحميمٍ، إلى نفورٍ واشمئزاز، هذا

________________________________________
21- زيارته.

الحبيب الذي كان يبعث الحيوية في البيت، وهذا الجسم الذي كان كله نشاطاً وفرحاً وسروراً وحيوية، هذا الذي كنذا نبكي على فراقه، ونضمه ونشمه ونودعه، أصبح عائقاً في البيت، لو بقي لأفسد علينا الحياة، لا بد من التخلص منه، أصبح رعباً نخاف منه، أصبح جسداً وجيفةً، سرعان ما تفسد وتنتن، فيسرعون لغسلها وتكفينها ثم دفنها قبل أن تنبعث الرائحة الكريهة منها بعد الموت، كما يحصل مع كل إنسان.

5- بر الوالدين والتخفيف من سكرة الموت

هذه قصة سكرة الموت، ونزع الروح، ونهاية الجسد، بنهاية العمر، لذلك ألا يجدر بهذا الإنسان الذي يسعى ليبقى في راحة، والذي يخاف من هذه اللحظات التي لا مفر منها، أن يعمل لكي يهون منها، ولا تمر عليه صعبة ثقيلة كما وصفها أمير المؤمنين؟

وكما حذرت الروايات من شدة هذه اللحظات على الإنسان، فقد وردت الروايات ببيان سُبُل الخلاص أو التخفيف منها، لكي لا يعيشها الإنسان صعبة وثقيلة، ومن هذه السبل بر الوالدين.

فقد ورد عن الإمام علي عليه السلام: “البار يطير مع الكرام البررة، وإن ملكَ الموت يتبسم في وجه البار، ويكلح في وجه العاق”5.

كما ورد في الرواية الإمام الصادق عليه السلام: “من أحب أن يخفف الله عز وجل عنه سكرات الموت، فليكن لقرابته وصولاً وبوالديه باراً، فإذا كان كذلك هون الله عز وجل عليه سكرات الموت، ولم يصبه في حياته فقرٌ أبداً”6.

ـ قصّة وعبرة

عن أبي عبد الله عليه السلام: “أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حضر شاباً عند وفاته، فقال له صلى الله عليه وآله وسلم: قل: لا إله إلا الله.

________________________________________
22- مستدرك الوسائل – الميرزا النوري – ج 15 ص 176.
23- ميزان الحكمة – محمد الريشهري – ج 4 ص 2972.

قال: فاعتقل لسانه مراراً، فقال لامرأةٍ عند رأسه: هل لهذا أم؟

قالت: نعم أنا أمه.

قال: أفساخطة أنت عليه؟

قالت: نعم، ما كلمتُه منذ ست حجج.

قال لها: أرضِ عنه.

قالت: رضي الله عنه برضاك يا رسول الله.

فقال: له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: قل لا إله إلا الله.

قال: فقالها. فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ما ترى؟

فقال: أرى رجلاً أسودَ قبيحَ المنظر، وسخ الثياب، منتن الريح، قد وليني الساعة، فأخذ بكظمي.

فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: قل “يا من يقبل اليسير ويعفو عن الكثير، اقبل مني اليسير واعفُ عني الكثير، إنك أنت الغفور الرحيم” فقالها الشاب.

فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: انظر ما ترى؟

قال: أرى رجلاً أبيض اللون، حسن الوجه، طيب الريح حسن الثياب، قد وليني، وأرى الأسودَ قد تولى عني.

قال صلى الله عليه وآله وسلم: أعد، فأعاد.

قال: ما ترى؟

قال: لست أرى الأسود، وأرى الأبيض قد وليني، ثم طفي على تلك الحال”7.

ـ برهما بعد الموت

قد يظن بعضٌ ممن مات أحد والديه أو كلاهما، بأنه لا يستطيع برهما، ولا الاستفادة من هذا السبيل، وهذا يعني أن السبيل لتخفيف سكرة الموت قد انسد أمامه، ولا يستطيع
________________________________________
24- بحار الأنوار – العلامة المجلسي – ج 71 ص 75.

بعد موتهما التخفيف عن نفسه من سكرة الموت. والحق أن رحمة الله بعباده أوسع من أن يحيطها إدراك مخلوق، فقد فتح الله عز وجل بابَ الرحمة لعباده، حتى بعد موت الوالدين، فبر الوالدين لا يختص بحياتهما، بل من لم يوفق لبرهما في حياتهما، أو كان عاقاً لهما في حياتهما، فإن باب تدارك ذلك مفتوح أمامه، وذلك بأن يبرهما بعد وفاتهما.

ففي الرواية عن أبي جعفر عليه السلام قال: “إن العبد ليكون باراً بوالديه في حياتهما، ثم يموتان، فلا يقضي عنهما دينهما، ولا يستغفر لهما، فيكتبه الله عز وجل عاقاً، وإنه ليكون عاقاً لهما في حياتهما، غير بار بهما، فإذا ماتا قضى دينهما واستغفر لهما، فيكتبه عز وجل باراً”8.

وعنه عليه السلام: “ما يمنع الرجل منكم أن يبر والديه حيين أو ميتين، يصلي عنهما، ويتصدق عنهما، ويحج عنهما، ويصوم عنهما، فيكون الذي صنع لهما، وله مثل ذلك، فيزيده الله عز وجل ببره وصلته خيراً كثيراً”9.

ختام:

فلنتأمل كثيراً في سكرات الموت، والغصة التي ستنتاب كل إنسانٍ، ولنسعى أن لا نعيش الغصة والحسرة، ونهتم بآخرتنا والعمل لها، فلا نجمع لغيرنا، ولنسعى جاهدين أن تخفف عنا سكرة الموت، وتكون أهون علينا من النومة الهادئة بعد عناء طويل، ويكون اسئناسنا بالموت كاستيناس الطائر الشريد للعش المهجور، ونعمل على بر الوالدين حيين كانا أم ميتين، بالصدقة أو الصلاة أو الصيام أو الحج عنهما، والله يضاعف الأجر للوالدين وللعامل أيضاً، “وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ”10.

________________________________________
25- ميزان الحكمة – محمد الريشهري – ج 4 ص 3675.
26- م. ن. ج 4 ص 3675.
27- البقرة،261.