الرئيسية / مقالات اسلامية / القرآن الكريم / مواعظ قرآنية -التوسعة في البدائل
0

مواعظ قرآنية -التوسعة في البدائل

وإنّ الشريعة قد جعلت تسهيلات كبيرة جدّاً وكثيرة من خلال جعل البدائل عند الاضطرار بل حتّى اختياراً، لكي لا يتذرّع المكلّف بشيء لترك صلاة الليل، أي لتضمن إتيان المكلّف بها والمداومة عليها دون أن يكون عنده أيّ عذر لتركها.

 

فصلاة الليل مشروعة أداءً وقضاء وتقديماً عن وقت الأداء. وهناك تدرُّج في الفضيلة في أوقات الأداء، فأفضل أوقاتها السحر وكلّما اقتربت من الفجر كان أفضل، ويُمكن إقامتها أداءً ابتداءً من منتصف الليل، ويُمكن تفريقها بأن يؤخّر ركعتي الشفع وركعة الوتر إلى السحر قبيل الفجر.

 

ومن فاتته في وقت الأداء فإنّه يُستحبّ له قضاؤها، بل ورد في الرواية عن أبي عبد الله عليه السلام قال: “كان عليّ بن الحسين عليه السلام يقول: إنّي لأحبّ أن أدوم على العمل وإن قلّ، قال: قلنا: تقضي صلاة الليل بالنهار في السفر؟ قال: نعم”40.

 

وعن صفوان الجمّال قال: كان أبو عبد الله عليه السلام يُصلّي صلاة الليل بالنهار على راحلته أينما توجّهت به41.

 

 

40- وسائل الشيعة، الحرّ العاملي، ج 4، ص 92.

41- م.ن، ص 92.

 

وعن الإمام الصادق عليه السلام: “قضاء صلاة الليل بعد الغداة وبعد العصر من سرّ آل محمّد المخزون”42.

 

فالقضاء مشروع في الليل والنهار وفي الليل أفضل.

 

والقضاء أفضل من التقديم عن منتصف الليل.

 

ويجوز الاقتصار على الشفع والوتر.

 

ويجوز تقديمها عن وقتها، أي أن يأتي بها قبل منتصف الليل، وذلك لعدّة طوائف:

 

الذي يخاف الاحتلام، والذي يخاف أن لا يستيقظ، والمسافر الّذي يخاف فوتها.

 

- وتجوز من جلوس

 

ولمن لا يقدر على القيام فله أن يُصلّي نافلة الليل من جلوس، بل له الصلاة من جلوس اختياراً، إلا أنّه يُستحبّ عندئذ أن يجعل كلّ ركعتين ركعة واحدة.

 

- يُشرع أداؤها راكباً

 

ويجوز أداؤها حتّى وإن كان ماشياً أو راكباً على دابّته، وإن لم يكن مستقبل القبلة، فيما إذا كان على طهارة:

 

- روى محمد بن مسلم قال: قال لي أبو جعفر عليه السلام: “صلِّ صلاة الليل والوتر والركعتين في المحمل”43.

 

  • وعن صفوان الجمّال قال: “كان أبو عبد الله عليه السلام يُصلّي صلاة الليل بالنهار على راحلته أينما توجهت به”44.

 

 

42- وسائل الشيعة، الحر العاملي، ج3، 185.

43- م.ن، ج 4، ص 90.

44- م.ن، ص 92.

 

أخي العزيز هل بقي لك من عذر بعد معرفة عظمة ثواب وآثار هذه الطاعة والموهبة الربانية، وبعد التعرُّف إلى هذه التسهيلات والخيارات المتعدِّدة الّتي أتاحتها الشريعة المقدّسة للمكلّفين كي لا تفوت عليهم آثار هذه الشعيرة الإلهية الراقية؟

 

أعد النظر وفكِّر واشحذ سيف الهمّة والإرادة واعزم على البدء فوراً بصلاة الليل واستعن بالله تعالى فإنّه هادٍ لمن استهداه ومعين لمن استعانه، وما توفيقنا إلّا منه تعالى عليه توكّلنا وإليه المصير.

 

ولا تُحي الليل باللهو واللغو على التلفاز والإنترنت، فيضيع عمرك وتضيع آخرتك.

 

خامساً: تأكيد العلماء الربّانيين على صلاة الليل، قولاً وعملاً

 

العلماء الربّانيون أكّدوا على المداومة على صلاة الليل وعلى عدم تركها، حتّى أنّهم صرّحوا بأنّ السالك لا يصل إلى المقامات الروحانية العرفانية إلا إذا كان مؤدّياً لصلاة الليل، يقول المرحوم الملكيّ التبريزيّ:

 

وحكى لي شيخي في العلوم الحقّة: “أنّه ما وصل أحد من طلّاب الآخرة إلى شيء من المقامات الدينيّة إلا إذا كان من المتهجّدين”.

 

- يقول العلّامة الطباطبائيّ قدس سره: “عندما تشرّفت بالنجف الأشرف للدراسة ونظراً لقرابة الرحم، كنت أحياناً أتشرّف بزيارة المرحوم القاضي وذات يوم كنت واقفاً في مدرسة في النجف فمرّ المرحوم القاضي من هناك وعندما وصل إليّ وضع يده على كتفي وقال: يا بنيّ إذا كنت تُريد الدنيا فصلِّ صلاة الليل وإذا كنت تُريد الآخرة فصلِّ صلاة الليل.

 

قد أثّر فيّ هذا الكلام إلى حدّ أنّي بعد ذلك وطيلة خمس سنوات رجعت بعدها إلى إيران لم أترك مجلس السيّد القاضي”.

 

- زينب عليها السلام ليلة الحادي عشر لم تترك صلاة الليل.

 

سبحان الله ما أعظم هؤلاء الّذين صحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلّقة بالمحلّ الأعلى، إنّهم أولياء الله حقّاً والحوراء زينب عليها السلام من رموزهم.

 

في ليلة الحادي عشر وما أدراك ما ليلة الحادي عشر؟

 

نساء وأطفال، أرامل ويتامى، ذعر.. رعب.. قلق.. فقدان للحامي.. فقدان للرأفة والرحمة من القلوب الجافية الغليظة الّتي لم يبق فيها ذرّة من إنسانية، جوع، عطش، نظر إلى المجهول…

 

أجساد مطرّحة على وجه البيداء لا تزال تنزف مزمَّلة بدمائها..

 

في هذه الأجواء.. الّتي بمجرّد تصوّرها يدخل الرعب، والألم، والأسى في القلب، كانت زينب عليها السلام وما أدراك ما زينب وما كان دور زينب؟

 

هي قائدة قافلة الأسرى والحارسة لها..

 

هي الراعية والحاضنة للأطفال واليتامى.. والجامعة لهم بعد أن هاموا على وجوههم في البيداء…

 

هي المتعثّرة بأذيالها متردّدة من جهة إلى جهة..

 

السياط تتلوّى على متنيها.. الأشواك تُدميها.. قلبها يلتهب ناراً..

 

في هذا الخضمّ وهذه الأجواء الّتي كلّ ما فيها يدعو إلى الرهبة والألم والقلق والتي كان الجهد فيها والضنك والتعب يستوعب الكيان ويهدّ الأركان توجّهت زينب إلى ربّها ولم تترك صلاة الليل، إلا أنّها كانت منهكة في جهد لا يوصف، فلم تطق بأبي وأمي أن تؤدّي صلاة ليلها من قيام، لم يكن لديها طاقة على القيام، ولكن لم يصدّها ذلك عن إقامة الصلاة، فصلّت صلاة الليل من جلوس.

 

سلام الله عليك يا زينب…

 

اللهم اجعلنا من محبّيها وارزقنا التأسّي بها واحشرنا معها يا ربّ العالمين.