الرئيسية / مقالات اسلامية / الاسلام والحياة / الحب الحقيقى والحب الموهوم – الاستاذ سالم الصباغ
IMG-20130819-WA0042

الحب الحقيقى والحب الموهوم – الاستاذ سالم الصباغ

إن الحب هذا الشعور الجميل الذى هام فيه الشعراء فى كل واد ،( ألم ترى أنهم فى كل واد يهيمون ) …. وتحير فيه العرفاء وغرقوا فى بحاره وبين أمواجه . هذا الحب قد تم تحريفه عن معناه الحقيقى ، وتم تزيينه وإختصاره فى حب الشهوات من النساء وغيرها من متاع الدنيا ،وتدرج التعبير عنه إلى الهبوط إلى دركات غير مسبوقة من فحش القول والفعل مما نراه ونسمعه من أغانى أو افلام هابطة أو حتى مايسمى بالأدب والشعر ،
يقول تعالى عن هذا الحب الموهوم :

 
: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْـمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْـخَيْلِ الْـمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْـحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْـحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْـمَآبِ} [آل عمران: 14].
وكلمة ( زُين ) تدل على أنه ليس حُب حقيقى ، ولكن الحُب الحقيقى هو الذى فطر الله الناس جميعاَ عليه هو : فطرة عشق الكمال المطلق وهو الله عز وجل ، ولكن هذه الفطرة تم حجبها وتوجيهها عن غير مقصدها وعن غير مصداقها الأتم ، ولذلك نجد أن المحبين يتوجهون إلى محبوبهم الدنيوى من ( النساء ) أو ( الرجال ) بأشعار وعبارات لاتجوز إلا للجمال والكمال المطلق وهو الله عز وجل ، مثل قول أحد الشعراء مخاطباَ محبوبته : ( عزة جمالك فين من غير ذليل يهواه )…كذلك عبارات (المعبود ) التى دائما يخاطب بها العشاق بعضهم .
فالعزة فى الحقيقة هى عزة الربوبية ، والذلة هى ذلة العبودية …
يقول الإمام الخمينى فى كتابه الأداب المعنوية للصلاة :

 
(أن أهم الأداب المعنوية فى العبادات هى التوجه إلى الله بذل العبودية وعز الربوبية ) ….
لاحظ أنها نفس العبارة التى قالها الشاعر ، فالشاعر هنا تحدث بلسان فطرته ، ولكنه إنحرف عن المصداق الحقيقى للفطرة وهو عشق الجمال والكمال المطلق الله عز وجل ..وتوهم أن جمال محبوبه الذى هو فى الحقيقة جزء من شعاع جمال الجميل المطلق الذى يجب التوجه إليه حقيقة ، توهم أن جمال محبوبه هو المقصود …..!!!
يقول الإمام الخمينى متحدثاَ عن أن عشق الكمال هو الفطرة التى لاتتبدل عند كل المخلوقات :
( أن من الأمور الفطرية التي جبلت عليها سلسلة بني البشر بأكملها, بحيث أنك لن تحد فرداً واحداً في كل المجموعة البشرية يخالفها, ولن تستطيع العادات والأخلاق والمذاهب والمسالك وغيرها أن تبدلها ولا أن تحدث فيها خللاً, إنها الفطرة التي تعشق الكمال .

 
فأنت إن تجولت في جميع الأدوار التي مرّ بها الإنسان, واستنطقت كل فرد من الأفراد وكل طائفة من الطوائف, وكل ملّة من الملل, تجد هذا العشق والحب قد جبل في طينته, فنجد قلبه متوجهاً نحو الكمال,
بل إن ما يحدّد الإنسان ويدفعه في كل سكناته وتحركاته, وكل العناء والجهود المضنية التي يبذلها كل فرد في مجال عمله وتخصصه, إنما هو نابع من حب الكمال, على الرغم من وجود منتهى الخلاف بين الناس فيما يرونه من الكمال؟ وبأي شيء يتحقق الكمال ويشاهد الحبيب والمعشوق؟
ويقول تعالى عن الفطرة :
(فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ )
فهذه الفطرة هى معرفة الله ، والذى هو الجمال والكمال المطلق ، والذى يجب التوجه إليه :

 
(وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ)
والمخلوقات كلها تتوجه فى حركتها نحو الكمال أو ماتظن أنه الكمال ، وهذا أودعه الله فى فطرتها ، ولولا هذه الفطرة لماعرف أحد الله ولا عبده ، ولكن الشيطان والنفس والهوى حرف هذه الفطرة عن مصداقها الحقيقى ، وتوجه بها إلى الكمال الموهوم من النساء والأولاد والذهب والفضة وغيرها من متاع الحياة الدنيا …
يقول الإمام الخمينى شارحاَ هذا المعنى :

 
(فكلّ يجد معشوقه في شيء, ظاناً ذلك هو الكمال وكعبة الآمال, فيتخيله في أمر معين فيتوجه إليه, ويتفانى في سبيله تفاني العاشق, إن أهل الدنيا وزخاريفها يحسبون الكمال في الثروة, ويجدون معشوقهم فيها, فيبذلون من كل وجودهم الجهد والخدمة الخالصة في سبيل تحصيلها فكل شخص, مهما يكن نوع عمله, ومهما يكن موضع حبه وتعشقه, فإنه لاعتقاد بأن ذلك هو الكمال يتوجه نحوه, وهكذا حال أهل العلوم والصنايع, كل يرى الكمال في شيء ويعتقد انه معشوقه, بينما يرى أهل الآخرة والذكر والفكر غير ذلك…
وعليه, فجميعهم يسعون نحو الكمال, فإذا ما تصوّروه في شيء موجود أو موهوم تعلّقوا به وعشقوه, ولكن لا بدّ أن نعرف انه على الرغم من هذا الذي قيل, فإن حب هؤلاء وعشقهم ليس في الحقيقة لهذا الذي ظنوه بأنه معشوقهم, وإن ما توهّموه وتخيلوه ويبحثون عنه ليس هو كعبة آمالهم. إذ لو أن كل واحد منهم رجع إلى فطرته لوجد أن قلبه في الوقت الذي يظهر العشق لشيء ما فإنه يتحوّل عن هذا المعشوق إلى غيره إذا وجد الثاني أكمل من الأول, ثم إذا عثر على أكمل من الثاني ترك الثاني وانتقل بحبه إلى الأكمل منه, بل أن نيران عشقه لتزداد اشتعالاً حتى لا يعود قلبه يلقي برحاله في أية درجة من الدرجات ولا يرضى بأي من الحدود. )

 
ويضرب الإمام الخمينى مثلا بحب النساء فيقول :
(مثلاً, إذا كنت تحب جمال القدود ، ونضارة الوجوه, وعثرت على ذلك عند من تراها كذلك, توجّه قلبك نحوها, فإذا لاح جمال أجمل, لا شك في أنك سوف تتوجه إلى الجميل الأجمل, أو انك على الأقل تطلب الاثنين معاً, ومع ذلك لا تخمد نار الاشتياق عندك, ولسان حال فطرتك يقول: كيف السبيل إليهما معاً؟ ولكن الواقع هو انك تطلب كل جميل تراه أجمل, بل قد تزداد اشتياقاً بالتخيل, فقد تتخيل أن هناك جميلاً أجمل من كل ما تراه بعينك, في مكان ما, فيحلق قلبك طائراً إلى بلد الحبيب, ولسان حالك يقول : أنا بين الجمع وقلبي في مكان آخر, وقد تعشق ما تتمنى …. إلخ )
ثم يقول الأمام الخمينى موجهاَ الناس نحو المعشوق الحقيقى الذى يجب أن نتوجه بالحب والعشق إليه :

 
(إذاً فنور الفطرة قد هدانا إلى أن نعرف أن قلوب جميع البشر, من أهالي أقصى المعمورة وسكان البوادي والغابات إلى شعوب الدول المتحضرة في العالم, ابتدءاً بالطبيعيين والماديين وانتهاء بأهل الملل والنحل, تتوجه قلوبهم بالفطرة إلى الكمال الذي لا نقص فيه, فيعشقون الكمال الذي لا عيب فيه ولا كمال بعده, والعلم الذي لا جهل فيه, والقدرة التي لا تعجز عن شيء والحياة التي لا موت فيها, أي أن الكمال المطلق هو معشوق الجميع. إن جميع الكائنات والعائلة البشرية, يقولون بلسان فصيح واحد وبقلب واحد: إننا نعشق الكمال المطلق, إننا نحب الجمال والجلال المطلق, إننا نطلب القدرة المطلقة, والعلم المطلق, فهل هناك في جميع سلسلة الكائنات, أو في عالم التصور والخيال, وفي كل التجويزات العقلية والاعتبارية, كائن مطلق الكمال ومطلق الجمال, سوى الله تقدست أسماؤه, مبدأ العالم جلّت عظمته؟ وهل الجميل على الإطلاق الذي لا نقص فيه إلاّ ذلك المحبوب المطلق؟
عن أبى جعفر (عليه السلام):

 
وهل الدين إلا الحب،
قال الله تعالى: (( حَبَّبَ إِلَيكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُم )) (الحجرات:7)
وقال: (( إِن كُنتُم تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحبِبكُمُ اللّهُ )) (آل عمران:31

شاهد أيضاً

10

الاكتفاء بما روي في أصحاب الكساء -عز الدين بحر العلوم

16) (صفة رَسُول اللَّه(صلى الله عليه وآله وسلم )) 21- أخْبَرَنا أَبُو القاسم بن السَّمَرْقَنْدي، ...