الرئيسية / مقالات اسلامية / الاسلام والحياة / الطريق الوحيد والاستراتيجية الرئيسة في النظام التربوي الديني – الأستاذ بناهيان
4

الطريق الوحيد والاستراتيجية الرئيسة في النظام التربوي الديني – الأستاذ بناهيان

6/ الأساليب المتعارفة في كتابة القصص والروايات غير إنسانية

ولكن في مقابل هذه الحقيقة الجميلة، تجد أن قالب القصص والروايات والأسلوب المتعارف في كتابتها قائم على أساس مشتهيات بطل القصّة، ثم تكتب أحداث القصّة ومنعطفاتها ليرى المشاهد أو القارئ متى يصل بطل القصّة إلى أمنيته ومراده، فهل سينال ما رامه أم سيرجع خائبا. فإن مثل هذه القصّة تعيسة وغير إنسانية من أصلها، فكيف تريد أن تجعلها قصة إسلامية؟! هل يمكن لهذه القصّة التي قامت أركانها على أهواء بطلها ومثابرته من أجل ما يهواه أن تصبح قصّة إسلامية إنسانيّة بمجرد تطعيمها ببعض المظاهر أو الأفعال الإسلاميّة؟! وهل تصبح هذه القصّة إسلامية إذا صحبناها بصوت أذان أو قبّة مسجد؟!

إذا تجافينا عن الرغبات الواضحة وركنّا إلى العلائق الخفية فقد تحقق بهذا «الجهاد الأكبر»

إنما يتحقق الاختيار عندما تكون بين خيارين، أحدهما أثمن وأكثر قيمة ولكنه أخفى من نظيره، والآخر أقل قيمة ولكنه أجلى وأوضح من نظيره. فإنك إن مررت مرور الكرام عن الرغبة الواضحة وصولا إلى الرغبة الخفيّة فقد حققت الجهاد الأكبر وجهاد النفس الذي هو خيط سبحة جميع الفضائل والمكارم. يقول أمير المؤمنين(ع): «نِظَامُ‏ الدِّینِ‏ مُخَالَفَةُ الْهَوَى»(غررالحکم/حدیث32) وقال في مجال آخر: «رَأْسُ الدِّینِ مُخَالَفَةُ الْهَوَى‏» (غررالحکم/حدیث35)
وقد قال النبي الأعظم(ص) حول أبواب جهنم: «…وَ عَلَى الْبَابِ الْخَامِسِ مَکْتُوب: لَا تَتَّبِعِ‏ الْهَوَى‏ فَالْهَوَى‏ مُجَانِبُ الْإِیمَان»(الروضة في فضائل أمیر المؤمنین(ع)/ص177)

إن جهاد النفس أمر عسير

طبعا إن جهاد النفس أمر عسير. فقد جاء في الحديث القدسي: «یَمُوتُ النَّاسُ مَرَّةً وَ یَمُوتُ‏ أَحَدُهُمْ‏ فِی‏ کُلِ‏ یَوْمٍ‏ سَبْعِینَ مَرَّةً مِنْ مُجَاهَدَةِ أَنْفُسِهِمْ وَ مُخَالَفَةِ هَوَاهُم» (میزان الحکمة/الحديث 2916)‏.
كم مرة متّ اليوم؟! فإن قلت: كانت الأوضاع ماشية، فلم تمش الأوضاع على مرامك، بل كنت أنت تمشي على ما تهواه نفسك. أو لعلك كنت منسابا مع الدنيا وتيّاراتها. ولعلك تقول: لم أعثر اليوم على مواطن جهاد النفس، مع أني لم أرتكب ذنبا ولم أترك واجبا… وهذا يعني أنك لم تستطع أن تجد مواطن جهاد النفس من شدّة استئناسك بنفسك وأهوائك. فلابدّ أن تفتش عنها وتنقب بين دفائن وجودك لتجدها، إذ لم تُظهر نفسُك الأمارة نفسَها دائما، فلابدّ من التنقيب عنها وكشفها. فهل زعمت أن أرباب جهاد النفس الذين يموتون في اليوم الواحد سبعين مرّة، هم أناس ملوثون إلى هذا الحدّ حيث يشتهون الفجور والذنوب سبعين مرة في اليوم؟! كلا! بل إنهم يبحثون عن خفايا أهوائهم ويحاربونها؛ تلك الأهواء التي استأنسنا بها نحن واعتدنا عليها وألفناها. بيد أنه يذهب مفتشا عنها غير منفكّ عن محاربتها.

خطة الله سبحانه في تسهيل عملية جهاد النفس

ماذا يمكن أن يقوم به الله سبحانه لتسهيل عملية جهاد النفس علينا؟ لا بأس أن تتأملوا في هذا الموضوع وسوف أطرح في الجلسات القادمة بعض الأساليب التي يستخدمها الله تعالى لتعبيد طريق جهاد النفس لسالكيه.
ولكن أروع الطرق وأكثرها تأثيرا وكفاءة وألصقها بالفؤاد هو أن يُظهر لنا واحدة من تلك الرغبات الفطريّة الخفيّة ويفعّلها ثم يقول لنا: تنحّ عن رغباتك الدانية والرخيصة بحبّ هذا الحبيب الغالي الذي كان حبّه كامنا في زمرة سائر رغباتك الفطرية الخفيّة. فلا سبيل في هذا العالم إلا حبّ أولياء الله. ومع أن حبّ أولياء الله حبّ مشهود وظاهر، وتجد في نفسك هذا الحبّ بكلّ وضوح، حيث تشعر بحرارتها في حرم الإمام الرضا(ع) وعندما تزور الحسين(ع) لا تريد أن تخرج ويضيق صدرك شوقا عندما ترجع من كربلاء الحسين(ع).
سيدي يا أبا عبد الله! انظر إلى هوانا هذا حين نهواك، فإنه الحبّ والهوى الوحيد الذي في غاية الحسن والروعة بالرغم من ظهورة. إن الله سبحانه قد أظهر لنا بعض النزعات الفطرية ليأخذ بأيدينا ويهدينا بحافزها وطاقتها، ولكن من أروعها هو حبّ أهل البيت(ع). فما أن تتردد على حرم الحسين(ع) برجلك أو بقلبك تتعلق به وتعجز عن وصف مدى حبك للحسين(ع). ثم تحضر مجالس الوعظ والذكر منتظرا نعي الخطيب على الحسين(ع). ولعلك تبتهج بحلول شهر رمضان لكونه يعطيك الفرصة الكافية لاستماع مصائب الحسين(ع) لمدة ثلاثين ليلة متتالية. ولعل هذه الفرصة الرائعة هي إحدى علامات رحمة هذا الشهر المبارك للناس، إذ أن الحسين(ع) هو رحمة الله الواسعة.
إن هذه الليلة هي أول ليلة جمعة من شهر رمضان فيا ليتنا كنا نقضيها في كربلاء؛ في ذاك الحرم العظيم وبجوار تلك الأجساد المرملة بالدماء وتلك الأجساد المقطعة التي لا تزال مدماة بدم عبيط. عندما يتوجه جمع من الموالين إلى حرم سيد الشهداء، كأنه يعبق المكان بعطر حرم الحسين(ع)، ويزدهر المكان بنور الحسين(ع).
ماذا تفعل يا موالي إن ضاق صدرك لهفة إلى سيد الشهداء(ع)؟ فلعلك تذهب إلى مجلس من مجالس الحسين(ع) لتستمع مصائبه وتبكي عليه، أما العقيلة زينب فكلما كانت تشتاق إلى أخيها الحسين(ع) كانت تنحّي قليلا من ستار المحمل، لترى قمرها المنير في لياليها الظلماء. عندما يكون البدر في ليلة تمامه لا تُرى النجوم حوله، أما إذا كان هلالا فبإمكانك أن ترى النجوم حول الهلال، ولهذا كانت ترى زينب نجوما حول هلالها، من رأس أخيها العباس وابن أخيها علي الأكبر والقاسم وغيرهم من نجوم بني هاشم.
ما هذه المصائب التي كانت تجرعها زينب؟ كأن هذه القصة كلها هي قصة زينب وهي الرميّة لجميع سهام بلايا كربلاء. كأن العالم بأسره مشاهد ومتفرج ليُظهر الله أمته زينب ويباهي بعشقها وصبرها في هذا الدرب… إن واقعة كربلاء هي قصة زينب في الواقع ونحن مشاهدون.

ألا لعنة الله على القوم الظالمين

شاهد أيضاً

5

الطريق الوحيد والاستراتيجية الرئيسة في النظام التربوي الديني – الأستاذ بناهيان

21/ إن مخالفتك الهوى ليس من وظائفك فقط، بل هي من شؤون دنياك وشؤون ربّك أيضا. ...