الرئيسية / مقالات اسلامية / الاسلام والحياة / الطريق الوحيد والاستراتيجية الرئيسة في النظام التربوي الديني – الأستاذ بناهيان
15

الطريق الوحيد والاستراتيجية الرئيسة في النظام التربوي الديني – الأستاذ بناهيان

16/ أحد آثار هذه الرؤية، اتضاح تكليف الإنسان

ما فائدة هذه الرؤية؟ أرجو أن تسمعوا هذه العبارة بتمعّن. من أهم فوائد هذه الرؤية الشمولية والصائبة هي أنها تشخص تكليف الإنسان بشكل دقيق. إنه لإدعاء كبير جدا، وهو أنه ليس لنا في كل الحياة سوى تكليف واحد. فلابدّ أن نراقب شيئا واحدا فقط. وسوف نعي هذه الحقيقة إن شاء الله. فليس المطلوب هو أن نقوم بمئة عمل ولأن أن نزيل مئة عيب ونحصل على مئة حسنة، فكلها أمر واحد.
فلابدّ أن نعرف ذاك الأمر الواحد الذي تشتمل عليه كل الأعمال الصالحة، إذ إن جميع الحسنات والصالحات بدءً من الحد الأدنى من القضايا الأخلاقية إلى أقصى مراتب عشق الله وعشق أوليائه، هي صور لهذا الأمر الواحد الذي لا آخر له. فإن عرفت هذا النظام وصحّت رؤيتُك واتجاهُك، عندئذ ترسم خطا مستقيما من موقعك الذي أنت فيه إلى نقطة الهدف، وسوف تعلم ماذا عليك وما الذي يجب أن تقوم به.
أما إن لم يقدر الإنسان على رسم هذا الخط المستقيم، يبقى في حيرة بين مختلف الفضائل والرذائل فلا يدري أيصلح حسده أم يراقب بخله أم يقضي على حب المقام أم يزيل حب الراحة؟! أفهل هي عيب واحد أم عيبان؟ بل هي آلاف، فما يصنع هذا الإنسان المسكين الضائع بين عيوبه ورذائله؟!
إن هذه الحيرة ليست بحالة جيدة، فليس من الصحيح أن يكون الإنسان في حيرة من أمره لا يعرف حاجته الأولى من بين مختلف الصفات الجيدة، من قبيل الصدق والصبر والتواضع والكرم وغيرها. إن هذه الحالة هي حالة الحيرة المذمومة. قد يقول البعض أن الجميع مبتلون بهذه الحيرة. أقول: فهل تصبح حالة جيدة إن ابتلى بها الجميع؟! فأين موقع معرفة النفس إذن، وكيف نتمكن من محاسبة النفس؟ فإن لم تكن رؤيتي صائبة تجاه الطريق الذي أريد أن أسلكه وإن لم أعرف تكليفي الرئيس ولا أميّز بين التكليف الأصلي والفرعي، لن أستطيع أن أحاسب نفسي أبدا.

من آثار هذه الرؤية، تبلور الحكمة في قلب الإنسان

إن دور النبي(صلي الله عليه وآله) هو أن يعلّم الناس الكتاب والحكمة؛ (هُوَ الَّذي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَة)[الجمعة:2] فما معنى الحكمة؟ إن الكتاب هو علم يدخل في قلب الإنسان من الخارج، أما الحكمة فهي علم تفور من داخل القلب. فالحكمة هي إنتاج العلم لا تعلّمه. فكأن الله أراد من النبي الأعظم(صلي الله عليه وآله) أن يربّي أفراد أمّته لكي يصيروا حكماء.
من خصائص الإنسان الحكيم هي أنك عندما تقرأ عليه الروايات، يتقبلها بكل رحابة صدر ويؤيدها بقلبه. فهو يدرك صحتها ويعرف موقعها من الدين. فتجده يتحدث بمضمون الروايات قبل أن يسمعها أو يعثر عليها في كتب الحديث. فتأتي الآيات والروايات مؤيدة لما كان يشعر به في قلبه.
متى يصل الإنسان إلى هذه الحكمة؟ عندما يشاهد الفيل كلّه بنظرة واحدة. أما إن لم ير الإنسان هذا الفيل وكانت معرفته به عبر بعض اللمسات المتفرقة وحسب، لا يستطيع أن يصدّق أو يستوعب كثيرا من كلمات المتحدّث عندما يتحدث عن الفيل. فإذا تحدّث عن ذنبه أو تحدّث عن خرطومه يتلقّى هذه المعلومات كمعلومات جديدة غريبة على قلبه وقد لا يستطيع الاستيناس بها.
أما الحكيم فهو الذي قد رآى الفيل كلّه. فعن أي عضو من أعضاء الفيل تتحدث معه، يتفاعل معك ويكمل كلامك وحتى قد يزيدك ببعض المعلومات. فالحكيم هو ذاك الإنسان الذي تلصق الروايات بفؤاده لشدّة انسجامها مع ما طُبِع عليه قلبُه، ثم يعرف موقع الروايات من الدين وما هو دورها في حركة الإنسان الدينية. هذا هو أحد أبعاد الحكمة.
من خصائص الحكيم هي أنّه يكون على بصيرة من نفسه. فهو يعرف داءه وعيوبه. ذات يوم قال لي رجل من أولي البصائر والألباب: إن بيني وبين الإمام الخميني(ره) بونا شاسعا. فاستغربت من قوله وقلت في نفسي: أمن الفنّ أن يعرف الإنسان أن بينه وبين الإمام الخميني(ره) بعد المشرقين؟! ولكني ما كنت أستطيع أن أبدي استغرابي له إذ كنت أحترمه كثيرا. ثم زال استغرابي في جملته التالية حيث قال: ولكني أعلم السبب والداء الذي جعلني أتأخّر عن مقام الإمام(رض). فعرفت أنه يتحدث بحكمة ووعي. وإلا فأنا أيضا أدعي أن هناك بون شاسع بيني وبين الإمام(رض)، ولكني لا أعرف الأمراض التي أخّرتني عن ذاك المقام، ولكنه قال إني أعرف العلة والداء الذي سبّب هذا البون الشاسع.
هذه هي الحكمة. فإنها تجعلك تفهم وتعلم أكثر ممّا سمعت. وهذا هو أثر الرؤية والمشاهدة، حيث إنك تشاهد مشهدا عبر لحظة واحدة، ولكنك تقدر على كتابة ما شاهدت في مئة صفحة. وكلما رأيت المشهد من زاوية جديدة، تستطيع أن تكتب حقائق جديدة عن المشهد. فينبغي أن نرى الدين بطريقة نتمكن من شرح مختلف أبعاده للناس وأن نعطيهم صورة صحيحة عن الدين. لابد أن ندرك ماهية علاقتنا بالدين جيّدا ولا نخدع أنفسنا.

يتبع إن شاء الله…

شاهد أيضاً

5

الطريق الوحيد والاستراتيجية الرئيسة في النظام التربوي الديني – الأستاذ بناهيان

21/ إن مخالفتك الهوى ليس من وظائفك فقط، بل هي من شؤون دنياك وشؤون ربّك أيضا. ...