الرئيسية / الخالدون / شخصيات اسلامية / ابصار العين في انصار الحسين عليه وعليهم السلام – في حلقات اسبوعية
0

ابصار العين في انصار الحسين عليه وعليهم السلام – في حلقات اسبوعية

وكان عمر بن سعد أراد الموادعة فسأل الحسين ( عليه السلام ) عما أتى به فأخبره ، وخيره
بين الرجوع إلى مكة واللحوق ببعض الشعوب النائية والجبال القاصية ، فكتب بذلك
إلى ابن زياد فأجابه بالتهديد والإيعاد وباعتزال العمل وتوليته لشمر بن ذي الجوشن
إن لم ينازل الحسين ( عليه السلام ) أو يستنزله على حكمه ، فوصل الكتاب إلى عمر بن سعد
في اليوم السادس من المحرم ، وقد تكامل عنده من الرجال عشرون ألفا ، فقطع
المراسلات بينه وبين الحسين وضيق عليه ومنع عليه ورود الماء وطلب منه إحدى
الحالتين النزول أو المنازلة ، فجعل يتسلل إلى الحسين من أصحاب عمر بن سعد في
ظلام الليل الواحد والاثنان حتى بلغوا في اليوم العاشر زهاء ثلاثين ممن هداهم الله
إلى السعادة ووفقهم للشهادة .

ثم إن الحسين ( عليه السلام ) عطش في اليوم الثامن فأرسل أخاه العباس في عشرين
فارسا ومثلهم راجلا فأزالوا الحرس عن المراصد وشربوا وملؤا قربهم ورجعوا ، ثم
أتى أمر من عبيد الله إلى عمر بن سعد يستحثه على المنازلة ، فركبوا خيولهم
وأحاطوا بالحسين ( عليه السلام ) وأهل بيته وأصحابه فأرسل الحسين ( عليه السلام ) أخاه العباس معه

جملة من أصحابه وقال : سلهم التأجيل إلى غد إن استطعت ، وكان ذلك اليوم تاسع
محرم فأجلوه بعد مؤامرة بينهم وملاومة ، فلما دجا الليل بات أولئك الأنجاب بين
قائم وقاعد وراكع وساجد ، وإن الحرس لتسمع منهم في التلاوة دويا كدوي النحل ،
ثم جاءهم سيد هم الحسين ( عليه السلام ) فخطبهم وقال : ” أثني على الله أحسن الثناء ، وأحمده
على السراء والضراء ، اللهم إني أحمدك على أن أكرمتنا بالنبوة وعلمتنا القرآن
وفقهتنا في الدين ، وجعلت لنا أسماعا وأبصارا وأفئدة ، فاجعلنا من الشاكرين ” .

أما بعد : ” فإني لا أعلم أصحابا أوفى ولا خيرا من أصحابي ولا أهل بيت أبر ولا
أوصل من أهل بيتي فجزاكم الله عني خيرا ، ألا وإني لأظن أن لنا يوما من هؤلاء ،
ألا وإني قد أذنت لكم فانطلقوا جميعا في حل ليس عليكم مني ذمام ، وهذا الليل قد
غشيكم فاتخذوه جملا ودعوني وهؤلاء القوم فإنهم ليس يريدون غيري ” ( 1 ) .
فأبى عليه أهل بيته وأصحابه وأجابوه بما شكرهم عليه ، فخرج عنهم وتركهم
على ما هم عليه من العبادة ينظر في شؤونه ويوصي بمهماته .
فلما أصبح الحسين ( عليه السلام ) عبأ أصحابه وكان معه اثنان وثلاثون فارسا وأربعون
راجلا ، فجعل الميمنة لزهير والميسرة لحبيب ، وأعطى أخاه العباس الراية وجعل
البيوت خلف ظهورهم وعمل خندقا وراءها فأحرق فيه قصبا وحطبا لئلا يؤتى من
خلف البيوت .

 

 

وأصبح عمر بن سعد فعبأ أصحابه ، وقد بلغوا إلى ذلك اليوم ثلاثين ألفا ، فجعل
الميمنة لعمر وبن الحجاج ، والميسرة لشمر بن ذي الجوشن ، وعلى الخيل عزرة بن
قيس ( 1 ) ، وعلى الرجالة شبث بن ربعي ، وأعطى مولاه دريدا الراية ( 2 ) .
فلما نظرهم الحسين رفع يديه داعيا وقال : ” اللهم أنت ثقتي في كل كرب ، وأنت
رجائي في كل شدة وأنت لي في كل أمر نزل بي ثقة وعدة ، كم من هم يضعف فيه
الفؤاد ، وتقل فيه الحيلة ، ويخذل فيه الصديق ، ويشمت فيه العدو ، أنزلته بك وشكوته
إليك رغبة مني إليك عمن سواك ، ففرجته عني وكشفته ، فأنت ولي كل نعمة ،
وصاحب كل حسنة ، ومنتهى كل رغبة ” ( 3 ) .

ثم دعا براحلته فركبها ونادى بأعلى صوته : ” يا أهل العراق – وجلهم يسمع –
اسمعوا قولي ولا تعجلوا حتى أعظكم بما يحق لكم علي ، وحتى أعتذر إليكم في
مقدمي هذا وأعذر فيكم ، فإن قبلتم عذري وصدقتم قولي وأعطيتموني النصف من
أنفسكم كنتم بذلك أسعد ، وإن لم تقبلوا مني العذر ولم تعطوني النصف من أنفسكم
فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون ،
إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين ” ( 4 ) . فأنصتوا بعض الانصات .

فحمد الله وأثنى عليه وذكره بما هو أهله من المحامد وصلى على نبيه محمد ( صلى الله عليه وآله )
وعلى ملائكته وأنبيائه بأحسن ما يجب ، فلم ير متكلم قط أبلغ منه لا قبله ولا بعده ،
ثم قال : ” أما بعد ، فانسبوني من أنا ، ثم ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها ، فانظروا هل
يصلح لكم قتلي وانتهاك حرمتي ؟ ألست ابن بنت نبيكم ، وابن وصيه وابن عمه وأول
المؤمنين المصدق لرسول الله بما جاء به من عند ربه ؟ ! أوليس حمزة سيد الشهداء
عمي ؟ ! أوليس جعفر الطيار في الجنة بجناحين عمي ؟ ! أوليس بلغكم ما قال رسول
الله لي ولأخي هذان سيدا شباب أهل الجنة ؟ ! فإن صدقتموني بما أقول وهو الحق
فوالله ما تعمدت الكذب منذ علمت أن الله يمقت عليه أهله ، وإن كذبتموني فإن
فيكم من أن سألتموه عن ذلكم أخبركم ، سلوا جابر بن عبد الله الأنصاري ، وأبا سعيد
الخدري ، وسهل بن سهل ( 1 ) الساعدي ، وزيد بن أرقم ، ومالك بن أنس ، يخبروكم
أنهم سمعوا هذه المقالة من رسول الله .

أما في هذا حاجز لكم عن دمي ؟ ! فقطع عليه
شمر كلامه وأجابه حبيب بن مظهر بما يأتي في ترجمته . فعاد الحسين إلى خطبته
وقال : ” فإن كنتم في شك من هذا أفتشكون أني ابن بنت نبيكم ؟ ! فوالله ما بين
المشرق والمغرب ابن بنت نبي غيري فيكم ولا في غيركم ، ويلكم أتطلبوني بقتيل
فيكم قتلته أو مال لكم استهلكته ، أو بقصاص جراحة ” ؟ ! فأخذوا لا يكلمونه ،
فنادى : يا شبث بن ربعي ويا حجار بن أبجر ويا قيس بن الأشعث ويا يزيد بن
الحارث ، ألم تكتبوا إلي أن قد أينعت الثمار واخضر الجناب ، وإنما تقدم على جند
لك مجندة ؟ ! فقال له قيس بن الأشعث : نحن لا ندري ما تقول ، ولكن انزل على
حكم بني عمك فإنهم لا يرونك إلا ما تحب .

فقال له الحسين : ” أنت أخو أخيك ، أتريد أن تطالب بأكثر من دم مسلم ” ؟ ! ثم
قال : ” لا والله لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل ، ولا أفر فرار العبيد ، يا عباد الله ، إني
عذت بربي وربكم أن ترجمون ، أعوذ بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم
الحساب ” .

شاهد أيضاً

15

ابصار العين في انصار الحسين عليه وعليهم السلام

الفائدة العاشرة قتل في الطف تسعة نفر وأمهاتهم في الخيم واقفات تنظرن إليهم وهم : ...