الرئيسية / الخالدون / شخصيات اسلامية / ابصار العين في انصار الحسين عليه وعليهم السلام
0

ابصار العين في انصار الحسين عليه وعليهم السلام

مسلم بن عوسجة الأسدي ( 1 )
هو مسلم بن عوسجة بن سعد بن ثعلبة بن دودان بن أسد بن خزيمة ، أبو حجل
الأسدي السعدي ، كان رجلا شريفا سريا عابدا متنسكا .
قال ابن سعد في طبقاته ( 1 ) : وكان صحابيا ممن رأى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وروى عنه
الشعبي . وكان فارسا شجاعا ، له ذكر في المغازي والفتوح الإسلامية ، وسيأتي قول
شبث فيه .

وقال أهل السير : إنه ممن كاتب الحسين ( عليه السلام ) من الكوفة ووفى له ، وممن أخذ
البيعة له عند مجيئ مسلم بن عقيل إلى الكوفة .
قالوا : ولما دخل عبيد الله بن زياد الكوفة وسمع به مسلم خرج إليه ليحاربه ، فعقد
لمسلم بن عوسجة على ربع مذحج وأسد ، ولأبي ثمامة على ربع تميم وهمدان ،
ولعبيد الله بن عمرو بن عزيز الكندي على ربع كندة وربيعة ، وللعباس بن جعدة
الجدلي على أهل المدينة ، فنهدوا إليه حتى حبسوه في قصره ، ثم إنه فرق الناس
بالتخذيل عنه فخرج مسلم من دار المختار التي كان نزلها إلى دار هاني بن عروة ،
وكان فيها شريك بن الأعور كما قدمنا ذلك ، فأراد عبيد الله أن يعلم بموضع مسلم
فبعث معقلا مولاه وأعطاه ثلاثة آلاف درهم وأمره أن يستدل بها على مسلم ،
فدخل الجامع وأتى إلى مسلم بن عوسجة فرآه يصلي إلى زاوية فانتظره حتى انفتل
من صلاته فسلم عليه ثم قال : يا عبد الله إني امرؤ من أهل الشام مولى لذي الكلاع
وقد من الله علي بحب هذا البيت وحب من أحبهم فهذه ثلاثة آلاف درهم أدرت بها
لقاء رجل منهم بلغني أنه قدم الكوفة يبايع لابن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فلم يدلني أحد
عليه ، فإني لجالس آنفا في المسجد إذ سمعت نفرا يقولون : هذا رجل له علم بأهل
هذا البيت ، فأتيتك لتقبض هذا المال وتدلني على صاحبك فأبايعه وإن شئت أخذت
البيعة له قبل لقائه ، فقال له مسلم بن عوسجة : أحمد الله على لقائك إياي فقد سرني
ذلك لتنال ما تحب ولينصر الله بك أهل بيت نبيه ( صلى الله عليه وآله ) ، ولقد سائتني معرفتك إياي
بهذا الأمر من قبل أن ينمى مخافة هذا الطاغية وسطوته . ثم إنه أخذ بيعته قبل أن
يبرح وحلفه بالأيمان المغلظة ليناصحن وليكتمن فأعطاه ما رضي ، ثم قال له :
اختلف إلي أياما حتى أطلب لك الإذن ، فاختلف إليه ثم أذن له فدخل ، ودل عبيد الله
على موضعه ، وذلك بعد موت شريك ( 1 ) .

قالوا : ثم إن مسلم بن عوسجة بعد أن قبض على مسلم وهاني وقتلا اختفى مدة
ثم فر بأهله إلى الحسين فوافاه بكربلا وفداه بنفسه .
وروى أبو مخنف عن الضحاك بن عبد الله الهمداني المشرقي : أن الحسين خطب
أصحابه فقال في خطبته : ” إن القوم يطلبونني ولو أصابوني لهوا عن طلب غيري ،
وهذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملا ، ثم ليأخذ كل رجل منكم بيد رجل من أهل
بيتي ” فقال له أهله وتقدمهم العباس بالكلام : لم نفعل ذلك ؟ ! لنبقى بعدك ، لا أرانا الله
ذلك أبدا . ثم قام مسلم بن عوسجة فقال : أنحن نخلي عنك ولم نعذر إلى الله في أداء
حقك ؟ ! أم والله لا أبرح حتى أكسر في صدورهم رمحي وأضربهم بسيفي ما ثبت
قائمه بيدي ولا أفارقك ، ولو لم يكن معي سلاح أقاتلهم به ، لقذفتهم بالحجارة دونك
حتى أموت معك ، ثم تكلم أصحابه على نهجه ( 2 ) .

قال الشيخ المفيد : ولما أضرم الحسين ( عليه السلام ) القصب في الخندق الذي عمله خلف
البيوت مر الشمر فنادى : يا حسين أتعجلت بالنار قبل يوم القيامة ؟ فقال له الحسين :
” يا بن راعية المعزى ، أنت أولى بها طيا ” ، فرام مسلم بن عوسجة أن يرميه فمنعه
الحسين ( عليه السلام ) عن ذلك ، فقال له مسلم : إن الفاسق من أعداء الله وعظماء الجبارين ،
وقد أمكن الله منه ، فقال الحسين ( عليه السلام ) : ” لا ترمه فإني أكره أن أبدأهم في القتال ” ( 1 ) .
وقال أبو مخنف : لما التحم القتال حملت ميمنة ابن سعد على ميسرة الحسين ،
وفي ميمنة بن سعد عمرو بن الحجاج الزبيدي ، وفي ميسرة الحسين زهير بن القين ،
وكانت حملتهم من نحو الفرات فاضطربوا ساعة ، وكان مسلم بن عوسجة في
الميسرة ، فقاتل قتالا شديدا لم يسمع بمثله ، فكان يحمل على القوم وسيفه مصلت
بيمينه فيقول :

 

إن تسألوا عني فإني ذو لبد * وإن بيتي في ذرى بني أسد
فمن بغاني حائد عن الرشد * وكافر بدين جبار صمد
ولم يزل يضرب فيهم بسيفه حتى عطف عليه مسلم بن عبد الله الضبابي
وعبد الرحمن بن أبي خشكارة البجلي ، فاشتركا في قتله ، ووقعت لشدة الجلاد غبرة
عظيمة ، فلما انجلت إذا هم بمسلم بن عوسجة صريعا ، فمشى إليه الحسين ( عليه السلام ) فإذا
به رمق ، فقال له الحسين ( عليه السلام ) : ” رحمك الله يا مسلم * ( فمنهم من قضى نحبه ومنهم
من ينتظر وما بدلوا تبديلا ) * ( 2 ) ، ثم دنا منه فقال له حبيب ما ذكرناه في ترجمته .
قال : فما كان بأسرع من أن فاظ بين أيديهم ، فصاحت جارية له : واسيداه يا بن
عوسجتاه فتباشر أسحاب عمر بذلك ، فقال لهم شبث بن ربعي : ثكلتكم أمهاتكم
إنما تقتلون أنفسكم بأيديكم ، وتذلون أنفسكم لغيركم ، أتفرحون أن يقتل مثل مسلم
ابن عوسجة ؟ أما والذي أسلمت له ، لرب موقف له قد رأيته في المسلمين كريم ، لقد
رأيته يوم سلق آذربايجان قتل ستة من المشركين قبل أن تتام خيول المسلمين ،
أفيقتل منكم مثله وتفرحون ( 1 ) ؟ !
وفي مسلم بن عوسجة يقول الكميت بن زيد الأسدي :
وإن أبا حجل قتيل مجحل

وأقول أنا :
إن امرءا يمشي لمصرعه * سبط النبي لفاقد الترب
أوصى حبيبا أن يجود له * بالنفس من مقة ومن حب
أعزز علينا يا بن عوسجة * من أن تفارق ساحة الحرب
عانقت بيضهم وسمرهم * ورجعت بعد معانق الترب
أبكي عليك وما يفيد بكا * عيني وقد أكل الأسى قلبي
( ضبط الغريب )
مما وقع في هذه الترجمة :
( فاظ ) : بالظاء المعجمة مات ، فإذا قلت فاضت نفسه فبالضاد وأجازوا الظاء .
( سلق آذربايجان ) : السلق بالتحريك الأرض الصفصف ، وآذربايجان قطر
معروف قاعدته أولا أردبيل ، فتحه حذيفة بن اليمان ( 2 ) سنة عشرين من الهجرة ،
وكان معه مسلم بن عوسجة .

( مجحل ) : بالجيم قبل الحاء المهملة المشددة ، أي صريع .
( الترب ) : لدة الإنسان ونظيره .
قيس بن مسهر الصيداوي
هو قيس بن مسهر بن خالد بن جندب بن منقذ بن عمرو بن قعين بن الحرث بن
ثعلبة بن دودان بن أسد بن خزيمة الأسدي الصيداوي . وصيدا بطن من أسد . كان
قيس رجلا شريفا في بني الصيدا شجاعا مخلصا في محبة أهل البيت ( عليهم السلام ) .
قال أبو مخنف : اجتمعت الشيعة بعد موت معاوية في منزل سليمان بن صرد
الخزاعي فكتبوا للحسين بن علي ( عليه السلام ) كتبا يدعونه فيها للبيعة وسرحوها إليه مع
عبد الله بن سبع وعبد الله بن وال ، ثم لبثوا يومين فكتبوا إليه مع قيس بن مسهر
الصيداوي وعبد الرحمن بن عبد الله الأرحبي ، ثم لبثوا يومين فكتبوا إليه مع سعيد بن
عبد الله وهاني بن هاني ، وصورة الكتب : ” للحسين بن علي ( عليه السلام ) من شيعة المؤمنين : أما
بعد ، فحيهلا ، فإن الناس ينتظرونك ، لا رأي لهم في غيرك ، فالعجل العجل ، والسلام ” .
فدعا الحسين ( عليه السلام ) مسلم بن عقيل وأرسله إلى الكوفة ، وأرسل معه قيس بن
مسهر ، وعبد الرحمن الأرحبي ، فلما وصلوا إلى المضيق من بطن خبت كما قدمنا
جار دليلاهم فضلوا وعطشوا ، ثم سقطوا على الطريق فبعث مسلم قيسا بكتاب إلى
الحسين ( عليه السلام ) يخبره بما كان ، فلما وصل قيس إلى الحسين بالكتاب أعاد الجواب
لمسلم مع قيس وسار معه إلى الكوفة .

قال : ولما رأى مسلم اجتماع الناس على البيعة في الكوفة للحسين كتب إلى
الحسين ( عليه السلام ) بذلك وسرح الكتاب مع قيس وأصحبه عابس الشاكري ، وشوذبا
مولاهم فأتوه إلى مكة ولازموه ، ثم جاؤوا معه ( 1 ) .
قال أبو مخنف : ثم إن الحسين لما وصل إلى الحاجر من بطن الرمة كتب كتابا
إلى مسلم وإلى الشيعة بالكوفة وبعثه مع قيس ، فقبض عليه الحصين بن تميم ، وكان
ذلك بعد قتل مسلم ، وكان عبيد الله نظم الخيل ما بين خفان إلى القادسية وإلى
القطقطانة وإلى لعلع وجعل عليها الحصين ، وكانت صورة الكتاب : ” من الحسين بن
علي إلى الخوانه من المؤمنين والمسلمين : سلام عليكم . فإني أحمد إليكم الله الذي
لا إله إلا هو ، أما بعد ، فإن كتاب مسلم جاءني يخبرني فيه بحسن رأيكم ، واجتماع
ملئكم على نصرنا والطلب بحقنا ، فسألت الله أن يحسن لنا الصنع ، وأن يثيبكم على
ذلك أحسن الأجر ، وقد شخصت إليكم من مكة يوم الثلاثاء لثمان مضين من ذي
الحجة يوم التروية ، فإذا قدم رسولي عليكم فانكمشوا في أمركم وجدوا ، فإني قادم
عليكم في أيامي هذه إن شاء الله ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ” . قال : فلما
قبض الحصين على قيس بعث به إلى عبيد الله ، فسأله عبيد الله عن الكتاب ، فقال :
خرقته ، قال : ولم ؟ قال : لئلا تعلم ما فيه . قال : إلى من ؟ قال : إلى قوم لا أعرف
أسماءهم . قال إن لم تخبرني فاصعد المنبر وسب الكذاب ابن الكذاب . يعني به
الحسين ( عليه السلام ) . فصعد المنبر فقال : أيها الناس ، إن الحسين بن علي خير خلق الله ، وابن

فاطمة بنت رسول الله ، وأنا رسوله إليكم ، وقد فارقته بالحاجر ، فأجيبوه ، ثم لعن
عبيد الله بن زياد وأباه ، وصلى على أمير المؤمنين ، فأمر به ابن زياد فأصعد القصر
ورمي به من أعلاه ، فتقطع ومات ( 1 ) .
وقال الطبري : لما بلغ الحسين ( عليه السلام ) إلى عذيب الهجانات في ممانعة الحر جاءه
أربعة نفر ومعهم دليلهم الطرماح بن عدي الطائي وهم يجنبون فرس نافع المرادي ،
فسألهم الحسين ( عليه السلام ) عن الناس وعن رسوله ، فأجابوه عن الناس ، وقالوا له : رسولك
من هو ؟ قال : قيس . فقال مجمع العائذي : أخذه الحصين فبعث به إلى ابن زياد فأمره
أن يلعنك وأباك ، فصلى عليك وعلى أبيك ، ولعن ابن زياد وأباه ، ودعانا إلى نصرتك
وأخبرنا بقدومك ، فأمر به ابن زياد فألقي من طمار القصر ، فمات رضي الله عنه .
فترقرقت عينا الحسين ( عليه السلام ) ، وقال : ” * ( فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر ) * اللهم
اجعل لنا ولهم الجنة منزلا ، واجمع بيننا وبينهم في مستقر رحمتك ، ورغائب مذخور
ثوابك ” ( 1 ) .

وفي قيس يقول الكميت الأسدي :
وشيخ بني الصيداء قد فاظ قبلهم
( ضبط الغريب )
مما وقع في هذه الترجمة :
( خفان ) : بالخاء المعجمة والفاء المشددة والألف والنون موضع فوق الكوفة قرب
القادسية .
( القطقطانة ) : بضم القاف وسكون الطاء موضع فوق القادسية في طريق من يريد
الشام من الكوفة ثم يرتحل منها إلى عين التمر .
( لعلع ) : بفتح اللام وسكون العين جبل فوق الكوفة بينه وبين السلمان ( 2 ) عشرون
ميلا .

شاهد أيضاً

1

اسمع ماذا قال الدكتور الشيخ أحمد الوائلي رحمه الله عن فلسطين