الرئيسية / مقالات اسلامية / عقيدتنا / دور أهل البيت عليهم السلام في بناء الجماعة الصالحة
0

دور أهل البيت عليهم السلام في بناء الجماعة الصالحة

ويمكن أن يتضح ذلك بملاحظة النقاط والظواهر التالية:

1 ـ الدفاع عن المجتمع الاسلامي:

قيام النخبة الصالحة بالمحافظة على قوة المجتمع الاسلامي وتماسكه من خلال الدفاع عنه أمام أعدائه الخارجيين والداخليين; فقد كان لشيعة أهل البيت(عليهم السلام)ومواليهم دور كبير في صد عمليات الغزو الاجنبي التي واجهها العالم الاسلامي في المرحلة المتأخرة من زمن العباسيين في الحروب الصليبية من خلال (الحمدانيين) في بلاد الشام وسوريا أو (الادارسة) في شمال إفريقيا، أو مقاومة الغزو المغولي في الشرق الاسلامي وامتصاص زخمه العدواني ثم تحويله بعد ذلك إلى جانب الاسلام، وكذلك القضاء على حركات التمرّد للكفار والوثنيين في مناطق طبرستان والترك والديلم في مناطق بحر قزوين وكذلك في بلاد ما وراء النهر وغيرها.

وكان الاهم من ذلك هو الدفاع الذي قام به رجالات الشيعة بتوجيه من أئمة أهل البيت(عليهم السلام) في مواجهة حركات الالحاد والزندقة، أو موجات التفسّخ الاخلاقي التي عمّت حواضر العالم الاسلامي في المدينة المنورة ومكة المكرمة والكوفة والبصرة والشام وبغداد وغيرها، حيث يظهر ذلك واضحاً من خلال المطارحات والمناقشات والمدارس التي أسّسها أتباع أهل البيت(عليهم السلام)، والاخلاق التي كانوا يتّصفون بها، ومقاومتهم لمظاهر الانحلال والفساد والظلم([1][8]).

2 ـ ايجاد القدوة الصالحة:

تقديم القدوة الصالحة من خلال (الجماعة الصالحة) في المجتمع الاسلامي في عصر كادت أن تطغى فيه المنافع الذاتية على منافع الامة والجماعة والمصالح الخاصة على مصالح الاسلام واهله، وتشترى فيه ضمائر الناس وألسنتهم ويتاجر بالدين والحديث عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لتبرير مختلف التصرّفات والسلوكيات المنحرفة التي يقوم بها الحكام والطغاة والولاة والقادة العسكريون أو الوزراء المنحرفون خصوصاً في زمن الحكم الاموي.

وقد أهتم أهل البيت(عليهم السلام) بهذا الامر اهتماماً بالغاً حتى دعا الامام الصادق(عليه السلام) شيعته إلى أن يكونوا القدوة الصالحة والاسوة في السلوك بين المسلمين، للمحافظة على المجتمع الاسلامي من ناحية، وهداية الناس إلى طريق الحق من ناحية أخرى.

فقد روى الكليني بسند صحيح عن صفوان بن يحيى عن أبي أسامة زيد الشّحام قال: «قال لي أبو عبد الله(عليه السلام): اقرأ على من ترى أنّه يطيعني منهم ويأخذ بقولي السلام، وأوصيكم بتقوى الله عزّوجلّ، والورع في دينكم، والاجتهاد لله، وصدق الحديث، وأداء الامانة، وطول السجود، وحسن الجوار، فبهذا جاء محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)، وأدّوا الامانة إلى من ائتمنكم عليها برّاً أو فاجراً، فإن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)كان يأمر بأداء الخيط والمخيط. صِلوا عشائركم، واشهدوا جنائزهم، وعودوا مرضاهم، وأدّوا حقوقهم; فإنّ الرجل منكم إذا ورع في دينه وصَدق الحديث وأدّى الامانة وحَسن خلقُه مع النّاس قيل هذا جعفريّ، فيسرّني ذلك ويدخل عليّ منه السرور، وقيل هذا أدب جعفر، وإذا كان على غير ذلك دخل عليّ بلاؤه وعاره، وقيل هذا أدب جعفر. والله لحدثني أبي(عليه السلام) أنّ الرجل كان يكون في القبيلة من شيعة علي(عليه السلام) فيكون زينها، آداهم للامانة، وأقضاهم للحقوق، وأصدقهم للحديث، إليه وصاياهم وودائعهم، تُسأل العشيرة عنه فتقول: من مثلُ فلان؟! إنّه آدانا للامانة، وأصدقنا للحديث»([2][9]).

إن الفقرة الاخيرة من الحديث تشهد شهادة واضحة على هذا الدور الذي حققه أتباع أهل البيت(عليهم السلام) فيما يرويه الصادق عن أبيه الامام أبي جعفر الباقر(عليهما السلام)([3][10]).

3 ـ الوحدة الاسلامية:

دور شيعة أهل البيت(عليهم السلام) في قضية الانسجام والوحدة مع بقية أطراف المجتمع الاسلامي والمسلمين من بقية المذاهب الاسلامية، حيث كانوا يمارسون التقية مع هذه الاطراف تحقيقاً للانسجام، وترسيخاً لروح التعايش بين المسلمين، وتأكيداً للتماسك بين الجماعات الاسلامية.

والتقيّة ـ وإن كانت في أحد أبعادها، قد حققت لشيعة أهل البيت عنصراً من عناصر الحماية لوجودهم والوقاية من عمليات القمع التي كان يمارسها أعداؤهم المتسلطون ضدهم ـ لم تطرح في مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) من خلال هذا البعد فقط، بل طُرحت في بعد آخر، وهو تحقيق الوحدة والانسجام في المجتمع الاسلامي; ولذا نجدهم يحرّضون شيعتهم على إيجاد روح التضامن والتكافل والوفاء بالعهود والمواثيق مع بقية أطراف المجتمع، ويحثّونهم على حسن المعاشرة والجوار والحضور في الجنائز والمساجد وعيادة المرضى مع تأكيد عدم إمكان الاستغناء عن الناس والحاجة إليهم.

وقد التزم أتباع أهل البيت(عليهم السلام) هذه التوصيات، ومارسوها من موقع القوة والقدرة، كما التزموا بها في مواضع الضعف والمطاردة. ولذلك لم يعرف عن شيعة أهل البيت(عليهم السلام) أنهم مارسوا عمليات القمع والاستئصال ضد أتباع المذاهب الاسلامية الاخرى، حتى في الحالات التي كانوا يمسكون فيها بأزمّة الامور، وإنما كانوا دائماً يتمسّكون بنهج الدفاع عن النفس عندما يتعرضون للعدوان في أشد الحالات، وقد يتمسّكون بالصبر والسكوت وتحمّل ألوان الاذى والهضم لحقوقهم الطبيعية تأثّراً بهذا النهج.

كما انهم لم ينهجوا منهج العنف والارهاب واساليب الاغتيال واختطاف الرهائن واحتجازها أو القتل عطشاً وجوعاً.

وسيأتي مزيد من التوضيح لمنهج التقية في نظام أمن الجماعة، ولكن لننظر إلى النص التالي الذي يحدّد فيه الامام الصادق(عليه السلام) أحد خلفيّات منهج التقية، فقد روى الكليني في الاصول بسند صحيح عن مرازم عن أبي عبد الله الصادق(عليه السلام) أنه قال: «عليكم بالصلاة في المساجد وحسن الجوار للناس وإقامة الشهادة وحضور الجنائز. إنه لابد لكم من الناس. إن أحداً لا يستغني عن الناس حياته، والناس لابد لبعضهم من بعض»([4][11]).

4 ـ المبدئية والمثل العليا:

ظاهرة الالتزام بالروح المبدئية والمثل العليا وجانب الحق والعناوين الاولية للاحكام الشرعية في الاوساط الشيعيّة وأتباع أهل البيت، حيث أصبح هذا الالتزام ظاهرة يتسم بها شيعة أهل البيت، وانتهى بهم إلى أن يعيشوا دائماً في صف المعارضة للحكم، الامر الذي جعلهم يفقدون الكثير من المكاسب الماديّة وعرّضهم للطغيان. ولكن هذه الروح وهذا النهج كان سبباً مهماً في احتفاظ المجتمع الاسلامي بقيمه ومثله، من خلال حركة الانسان الصالح الذي يتمسك بالحق ويزهد في الدنيا ويطمح إلى تحقيق المثل والاهداف السامية.

وقد كانت هناك فرص كثيرة أمام أتباع أهل البيت(عليهم السلام) أن ينحدروا مع التيار العام الفاسد ليحققوا المكاسب الضيّقة، كما حصل في بداية عهد العباسيين الذين كانوا يشتركون معهم في معارضة الحكم الاموي، وكانت تربطهم بشيعة أهل البيت افضل العلاقات، خصوصاً وأن أئمة أهل البيت لم يتخذوا موقف المقاومة المسلحة للحكم العباسي في البداية.

وكذلك الاغراءات التي تعرضوا لها في مختلف أدوارهم بعد ذلك، وكذلك في بعض أدوار المغول أو الغزو الاجنبي الاوربي للبلاد الاسلامية مثل: العراق ولبنان وبعض دول الخليج، وشبه القارة الهندية وأفغانستان وغيرها، فضلاً عن ايران. حيث تهيأت لهم فرص التعاون مع التطور السياسي الجديد للخلاص من الظلم والحصول على مواقع سياسية واجتماعية جديدة كما صنع غيرهم.

ولكنهم اختاروا المقاومة والالتزام بالمبدئية، وتحملوا الحرمان والاضطهاد من أجل ذلك، مع أنهم اصبحوا أكثرية مطلقة أو نسبية في التقسيمات الجديدة للعالم الاسلامي.

إلاّ أنهم أبوا لانفسهم هذا المصير والسلوك بسبب تلك الروح المبدئية العالية التي كانوا يتصفون بها([5][12]).

وكان لمواقفهم هذه الاثر الكبير في صمود المجتمع الاسلامي أمام هذه التيارات الغازية، والمحافظة عليه وبقاء روح الرفض والتعالي على الاوضاع الدنيوية.

5 ـ الانسانية والعالمية:

إطفاء نار الروح العنصرية أو الطائفية أو الاقليمية بين المسلمين من خلال روح الاخوة الاسلامية التي كان يعيشها أتباع أهل البيت خصوصاً في أوساط الشعب العربي، حيث كان لها جذور من العهد الجاهلي، وتحركت بسبب الفتح الاسلامي الواسع واختلاط المسلمين بالموالي وبرزت فيه هذه الروح في العصر الاموي وكانت سبباً للصراع بين المسلمين وتقسيمهم إلى العرب والموالي، ثم امتدت إلى العصر العباسي والعثماني.

وقد كان شيعة أهل البيت(عليهم السلام) بسلوكهم الايماني يجسّدون روح الاخوّة بين المسلمين، ولا يستشعرون بالامتيازات القومية أو العنصرية، تأثراً بسلوك أئمتهم.

ومن هنا نجد هذا الاتهام الذي واجهه شيعة أهل البيت(عليهم السلام) ولا زالوا يواجهونه حتى الان من رميهم بأنّهم من الاعاجم، لانهم كانوا يتعايشون مع الجميع بروح الاخوّة الكاملة. كما كانوا يجدون التعاطف من أوساط الموالي والاعاجم بسبب هذه الروح المنفتحة.

6 ـ التضحية والشهادة:

إذكاء روح التضحية والفداء والاحتفاظ بها في أوساط الامة الاسلامية، وكذلك روح الرفض للظلم والطغيان، ولذلك كان دور هذه الجماعة الصالحة واضحاً عبر التاريخ الاسلامي في مختلف عصوره في تأجيج الانتفاضات والثورات التحريرية والتصحيحية للاوضاع الفاسدة في المجتمع الاسلامي. حيث كانوا يقومون بها قياماً مباشراً أو من خلال تأثير هذه الروح في الاوساط الاسلامية العامة([6][13]).

وبقيت هذه الظاهرة تحكم مسيرة أتباع أهل البيت وعلاقتهم بأوساط الامة الاسلامية حتى عصرنا الحاضر الذي تميز واضحاً في هذا التأثير المتبادل.

وكان من أهم المميزات التي اختص بها أتباع أهل البيت هي التزامهم بالحرمة المطلقة للتعاون مع الظالمين وحكام الجور إلاّ في حالات استثنائية([7][14]).

([1][8]) يمكن مراجعة الكتاب الثالث لمعرفة هذه التفاصيل.

([2][9]) الوسائل 8 : 398 ح2.

([3][10]) سوف يأتي مزيد من التوضيح لهذا الدور في الجانب الاخلاقي وكذلك في نظام العلاقات الاجتماعية.

([4][11]) وسائل الشيعة 8 : 399، ب: 1 من ابواب العشرة، ح5.

([5][12]) سوف يأتي المزيد من التوضيح لهذا الدور المهم في الكتاب السابع (الجماعة الصالحة على خطى أهل البيت).

([6][13]) لقد كانت هذه الممارسة طبق الضوابط العامة ورؤية أهل البيت(عليهم السلام) للمقاومة الصحيحة، التي نتعرف عليها في الكتاب الثالث.

([7][14]) سوف نتبين ذلك في بحث نظام أمن الجماعة.

شاهد أيضاً

078-467x330

الشعائر الحسينية /الشيخ زمان الحسناوي ليلة 05محرم