الرئيسية / مقالات اسلامية / عقيدتنا / دور أهل البيت عليهم السلام في بناء الجماعة الصالحة
0

دور أهل البيت عليهم السلام في بناء الجماعة الصالحة

ـ الايمان بالولاية والعمل:

التطابق بين ادّعاء التشيّع والولاء لاهل البيت(عليهم السلام) والمتابعة العملية لهم والتأسّي بهم فان هذا المبدأ من اهم المبادئ التي جاء بها الاسلام: (يا ايها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون * كبر مقتاً عند الله ان تقولوا ما لا تفعلون)([1][36]) وأكدها أهل البيت(عليهم السلام) حيث ربطوا بين الايمان والعمل مبينين أن تكامل الايمان لا يكون إلاّ بالعمل كما سوف نشير إلى ذلك في الابحاث الاتية.

فقد ورد عن الصادق(عليه السلام) أنه قال: «ينبغي لمن ادّعى هذا الامر في السر أن يأتي عليه برهان في العلانية. قلت: وما هذا البرهان الذي يأتي به في العلانية؟ قال: يحلّ حلال الله ويحرّم حرام الله، ويكون له ظاهر يصدّق باطنه»([2][37]).

وعنه(عليه السلام) أيضاً أنه قال: «ليس من شيعتنا من قال بلسانه وخالفنا في أعمالنا وآثارنا، ولكن شيعتنا من وافقنا بلسانه وقلبه، واتّبع آثارنا وعمل أعمالنا، أولئك شيعتنا»([3][38]).

وروى الكشّي بسند صحيح عن داود بن فرقد قال: «سمعت أبا عبد الله(عليه السلام)يقول: إنّ أصحابي أولو النُهى والتقى، فمن لم يكن من أهل النُهى والتُقى فليس من أصحابي»([4][39]).

3 ـ الاخلاص لله في القلب والعمل:

الاخلاص لله تعالى في العمل والسلوك أو العواطف والاحساسات وكذلك سواء في الحركة الفردية الشخصية أو في العلاقات الاجتماعية بالالتزام بمبدأ الحب في الله والبغض في الله، بعيداً عن المؤثرات الاخرى الدنيوية، أو الميول النفسية.

فقد أكّد أئمة أهل البيت(عليهم السلام) هذا الجانب الذي يعبّر عن التديّن والايمان الحقيقي في الالتزامات العقائدية للانسان المسلم، ووضعواهذه الصفة أمام شيعتهم هدفاً وغاية لابد لهم من السعي إليها من خلال مجموعة كبيرة من الاحاديث التي تصرّح بذلك أو تشير إليه بالالتزامات العملية.

فقد روى الكليني في الكافي بسند صحيح عن أبي عبيدة الحذّاء، عن أبي عبد الله الصادق(عليه السلام) قال: «من أحبّ لله وأبغض لله وأعطى لله فهو ممن كمل إيمانه»([5][40]).

وفي رواية أخرى عن أبي جعفر الباقر(عليه السلام) قال: «ودّ المؤمن في الله من أعظم شعب الايمان. ألا ومن أحبّ في الله وأبغض في الله وأعطى في الله ومنع في الله فهو من أصفياء الله»([6][41]).

كما ورد التعبير عن الايمان والدين بهذا الحب، فعن فضيل بن يسار قال: «سألت ابا عبد الله عن الحب والبغض أمن الايمان هو؟ فقال: وهل الايمان إلاّ الحبّ والبغض؟! ثم تأوّل هذه الاية: (وحبّب إليكم الايمان وزيّنه في قلوبكم وكرّه إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون)»([7][42]).

وعن أبي عبيدة زياد الحذّاء عن أبي جعفر أنه قال له: «يا زياد، ويحك وهل الدين إلاّ الحبّ؟ ألا ترى إلى قوله تعالى: (قل إن كنتم تحبّون الله فاتّبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم)»([8][43]).

4 ـ تجسيد القدوة الحسنة:

تجسيد القدوة والاسوة الحسنة بين الناس في السلوك الفردي والاجتماعي العام; فإن هذه المزيّة من أهم الخصائص التي أكّد أهل البيت(عليهم السلام)ضرورة اتصاف شيعتهم بها; ولذلك جعلوها أيضاً احد الاهداف من بناء الجماعة الصالحة كما عرفنا سابقاً.

ولعل التأكيد على اتصاف شيعتهم بصفة الورع والتقوى والاخلاص والعبادة التي أشرنا إليها سابقاً يمثل جانباً من جوانب هذه المزيّة. ولكن بالاضافة إلى ذلك نجد أهل البيت(عليهم السلام) يؤكّدون على شيعتهم الاهتمام بهذه الصفات والالتزامات تأكيداً يجسد جانب الاقتداء والاسوة في الامة وبين الناس باعتباره قضية ذات علاقة خاصة بدور هذه الجماعة الصالحة في المجتمع الاسلامي، وما يمكن أن يكون لهم من تأثير في تحقيق الاهداف العامة من وراء إيجاد هذه الجماعة انطلاقاً من الدور العظيم المؤثّر الذي تؤديه القدوة الحسنة في المجتمع الانساني، على ما سوف نشير إليه مستقبلاً.

ومن هنا جاءت القدوة والاسوة بعنوانها الخاص ـ إلى جانب الصفات الاخرى ـ صفة لابدّ لشيعتهم من الاتّصاف بها، بل قرنوا هذه المزيّة ببعض الاحاديث بما يتّصفون به أنفسهم من ميزة القدوة.

ففي الحديث عن عمر بن يحيى قال: «سمعت أبا عبد الله يقول: إن أحق الناس بالورع آل محمد وشيعتهم كيما تقتدي الرعيّة بهم»([9][44]).

وقد تقدم الحديث الصحيح عن زيد الشحام الذي جاء به عن الامام الصادق: «إن الرجل كان يكون في القبيلة من شيعة علي(عليه السلام) فيكون زينها، أداهم للامانة، وأقضاهم للحقوق، وأصدقهم للحديث إليه وصاياهم وودائعهم، تسأل العشيرة عنه فتقول: من مثل فلان؟! إنّه أدانا للامانة وأصدقنا للحديث»([10][45]).

وعن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «إنّ أصحاب علي(عليه السلام) كانوا المنظور إليهم في القبائل، وكانوا أصحاب الودائع، مرضيّين عند الناس»([11][46]).

وفي رواية أخرى عن سليمان بن مهران قال: «دخلت على الصادق جعفر ابن محمد(عليه السلام) وعنده نفر من الشيعة وهو يقول: معاشر الشيعة، كونوا لنا زيناً، ولا تكونوا علينا شيناً. قولوا للناس حسناً واحفظوا ألسنتكم، وكفّوها عن الفضول وقبح القول»([12][47]).

وبالاضافة إلى هذه الصفات يمكن أن نلاحظ اهتمام الائمة بضرورة توفر صفات الانسان المؤمن الكامل، التي تتحدث عنها الروايات الواردة عنهم(عليهم السلام)في بحوث جهاد  النفس والامر بالمعروف والنهي عن المنكر وابواب احكام العشرة وغيرها، كما سنشير إليه في مواطن عديدة من هذا الكتاب وخصوصاً في نظام العلاقات الاجتماعية، إلا أنه يأتي في مقدمة ذلك اليقين بالله تعالى والثقة وحسن الظن به والتوكل عليه والالتزام بأوامره ونواهيه.

5 ـ القدرة على الصمود:

القدرة على الصمود وتحمّل المسؤولية التأريخية الكبيرة في المساهمة والاستمرار لتحقيق الاهداف الكبرى لاطروحة الامامة، وذلك من خلال تكامل الشخصية الانسانية لابناء الجماعة الصالحة في الالتزام، وضبط النفس، وحفظ الاسرار والكتمان، والصبر والثقة بالله والتوكل عليه وروح التضحية والفداء وحسن المعاشرة مع الناس، والوفاء بالعهود وأداء الامانة، والتخلّق بالاخلاق الاسلامية العالية، والوعي والفهم الصحيح للاوضاع والاحداث الاسلامية.

وهذه المزيّة من الصفات المهمة التي تحتاج إليها الجماعة الصالحة في بقائها واستمرار وجودها في مواجهة التصفيات الجسدية، والضغوط الروحية والنفسية التي يمارسها الاعداء ضد هذه الجماعة، وكذلك في مواجهة التلاطم الاجتماعي والمتغيرات السياسية والمشاكل الاخلاقية والاجتماعية، والاستمرار في حمل الرسالة عبر الاجيال الاسلامية في مختلف ادوار التاريخ.

ومن هنا نجد أهل البيت(عليهم السلام) يضعون لشيعتهم أنظمة وقوانين وخصوصيات للتقيّة وامن الجماعة بمختلف أبعادها التي سوف نتحدث عنها، كما وضعوا انظمة للمعاشرة، ويهتمون اهتماماً خاصاً بالجانب الروحي والاخلاقي والثقافي ويضعون إلى جانبها منهجاً للضوابط والاخلاق والخصائص الضرورية التي يجب أن يلتزم بها المنتسبون لهذه الجماعة من شيعتهم، ويرون أن المحافظة على هذه الضوابط أحد معالم امتحان الانسان الشيعي وتمييزه.

فمن النماذج التي تشير إلى هذه الصفة والتي سوف يأتي المزيد منها الروايات التالية:

فقد روى ابن صدقة عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «امتحنوا شيعتنا عند مواقيت الصلاة كيف محافظتهم عليها، وإلى أسرارنا كيف حفظهم لها عند عدونا، وإلى أموالهم كيف مواساتهم لاخوانهم فيها»([13][48]).

وفي رواية أخرى عن أبي الربيع الشامي قال: «دخلت على أبي عبد الله والبيت غاصّ بأهله، فيه الخراساني والشامي ومن أهل الافاق، فلم أجد موضعاً أقعد فيه، فجلس أبو عبد الله وكان متكيا ثم قال: يا شيعة آل محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)، اعلموا أنه ليس منا من لم يملك نفسه عند غضبه، ومن لم يحسن صحبة من صحبه، ومخالقة من خالقه، ومرافقة من رافقه، ومجاورة من جاوره…»([14][49]).

وفي رواية أخرى عن ميسر قال: «قال أبو جعفر(عليه السلام): يا ميسر ألا أخبرك بشيعتنا؟ قلت: بلى جعلت فداك، قال: إنهم حصون حصينة، وصدور أمينة، وأحلام رزينة، ليسوا بالمذاييع البذر، ولا بالجفاة المرائين. رهبان الليل، أُسد النهار»([15][50]).

وفي رواية أخرى عن أبي جعفر(عليه السلام): «شيعتنا المتباذلون في ولايتنا، المتحابّون في مودّتنا، المتزاورون في إحياء أمرنا، الذين إذا غضبوا لم يظلموا، وإن رضوا لم يسرفوا، بركةٌ على من جاوروا، سلمٌ لمن خالطوا»([16][51]).

وقد قرأنا في حديث سابق ـ كما هو في أحاديث عديدة ـ التأكيد لاداء الامانة. ويتّضح هذا النهج وضوحاً رائعاً من خلال الاحاديث الكثيرة جداً التي وردت عنهم في تأديب شيعتهم وتربيتهم على الاخلاق الفاضلة، كما نجده في الموسوعات الحديثية، خصوصاً في أبواب العشرة والامر بالمعروف. وقد ألّفت فيه الكتب المستقلة. وسوف يأتي مزيد من التوضيح لذلك في الجانب الروحي ونظام العلاقات الاجتماعية.

([1][36]) الصف : 2 ـ 3.

([2][37]) غيبة النعماني: 113، ب5 ما روي فيمن ادعى الامامة وليس بإمام ح7.

([3][38]) تفسير الامام الحسن العسكري: 330.

([4][39]) البحار 68 : 166، ح17 ب19 صفات الشيعة.

([5][40]) وسائل الشيعة 11: 431، ح1.

([6][41]) المصدر السابق، ح3

([7][42]) المصدر السابق: 435، ح16، المحاسن 1: 409، ح930، ط. مجمع العالمي لاهل البيت(عليهم السلام).

([8][43]) المصدر السابق: 435، ح17، والمحاسن 1: 409، ح931، ط. مجمع العالمي لاهل البيت(عليهم السلام).

([9][44]) بشارة المصطفى: 17.

([10][45]) وسائل الشيعة 8 : 399.

([11][46]) المشكاة: 63.

([12][47]) أمالي الطوسي 2: 55.

([13][48]) بحار الانوار 68: 149 ب19 صفات الشيعة، ح1 عن قرب الاسناد: 52. الهامش.

([14][49]) البحار 78 : 266، باب مواعظ الصادق، ح178.

([15][50]) المشكاة: 62، ح3 في ذكر علاقات الشيعة.

([16][51]) أصول الكافي 2: 236، ح24 باب المؤمن وعلاماته وصفاته.

شاهد أيضاً

5

الصواريخ هي للدفاع عن ايران والشعب ولا علاقة لها بالاتفاق النووي

قال رئيس الجمهورية حجة الاسلام حسن روحاني في تصريح لقناة NBC التلفزيونية الأمريكية، أن لهجة ...