الرئيسية / مقالات اسلامية / عقيدتنا / دور أهل البيت عليهم السلام في بناء الجماعة الصالحة
10

دور أهل البيت عليهم السلام في بناء الجماعة الصالحة

3 ـ الشمول في العقائد:

الشمولية في الحالة المذهبية العقائدية، حيث تناول أهل البيت(عليهم السلام)هذا الجانب بالشرح والتوضيح والتفصيل فكان شاملاً لمختلف القضايا العقائدية، ولم يتركوا فراغاً في هذا الجانب يتصرّف فيه المجتهدون بآرائهم واجتهاداتهم واستنباطهم.

وذلك لان القضية العقائدية ـ بخلاف القضية السلوكية الفرعية ـ خطيرة وتترتّب عليها آثار ونتائج حساسة وحادّة، وتنعكس على كل تفاصيل البناء الروحي والاجتماعي والسياسي والمستقبلي للحياة الانسانية.

ومن هذا نجد أن أهل البيت(عليهم السلام) لم يقتصروا في طرحهم للجانب العقائدي على أصول العقائد الاسلامية كالتوحيد، والنبوة، والمعاد فحسب بل شمل المجالات المختلفة مثل: قضايا العدل، والامامة، والجبر والاختيار، والقدر، والكفر والايمان وعلاقتهما بالعمل، والعصمة، والعدالة، والموت والحياة، وسنن التاريخ، والابتلاء، والولاء، والحب والبغض، والاخلاق، وظهور المهدي في آخر الزمان، ومعالم الدار الاخرة: كالبرزخ، والبعث، والنشور، والحوض، والصراط، والرؤية، والحساب، والشفاعة، والجنة والنار، والعذاب والراحة، والخلود في النار والجنة، والحسن والقبح، والوحي الالهي، والعقل.

إن هذه التفاصيل وغيرها التي تناولها الائمة، وعالجوا فيها الجانب الفكري والعقائدي، وقدموا فيها الموقف الناجز كان لها دور عظيم في قوة القاعدة العقائدية واستحكام بناء هذه الجماعة الصالحة وتراصّ صفوفها.

ويمكن أن نلاحظ هذه الشمولية عندما نرجع إلى كتاب عقائد الصدوق وشرحه للشيخ المفيد، حيث يعتمدان أساسياً في التفاصيل على روايات أهل البيت(عليهم السلام).

ولعل من افضل الشواهد على اهمية هذا التأسيس لهذه القاعدة أننا نلاحظ أن تاريخ فترة الحضور (أي حياة الائمة الاحد عشر) شهد اختلافات واسعة في أوساط جماعة أتباع أهل البيت(عليهم السلام) بسبب هذه العقائد تفرعت عنه مذاهب وجماعات. ولكن عندما تمكّن الائمة من تحقيق هذه السعة والشمول في الطرح العقائدي بدأت تتناقص وتتضاءل هذه الاختلافات حتى أصبحت محدودة إلى حدّ بعيد في زمن (الغيبة الكبرى)، مع أن ظروف الغيبة هي أشدّ صعوبة من فترة وجود الائمة بسبب غيبة الامام وعدم القدرة على الاتصال به. ولم يكن ذلك إلاّ بسبب هذا الانجاز الكبير الذي قام به الائمة في فترة وجودهم، وكان ضمانة عقائدية وفكرية لهذه الجماعة الصالحة. كما أن التاريخ الاسلامي شهد اختلافات عقائدية واسعة ولازال بين الجماعات الاسلامية الاخرى بسبب عدم الاتفاق على مرجع واحد غير القرآن الكريم ليكون مآلاً للمسلمين في هذه التفاصيل، بل يمكن أن نقول بعدم وجوده.

والقرآن الكريم وإن كان موضع اتفاق بين المسلمين ولكنه قابل للتأويل، ولذا اكد أهل البيت اهمية وجود الامام المفسر للقرآن الكريم  واكد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)اهمية الثقل الاخر المتمثل بأهل البيت(عليهم السلام) في حديث الثقلين وحديث السفينة([1][61]).

4 ـ حرية الفكر والمنطق السليم:

إرساء قواعد المنهج الصحيح في معالجة قضايا الفكر والعقيدة سواء كان ذلك من خلال التأكيد للحرية الفكرية والعقائدية في المجتمع الاسلامي، أو من خلال التأكيد لضرورة اعتماد المنطق السليم وتحكيم العقل والوجدان والفطرة الانسانية الصافية، أو من خلال الالتزام بالوحي الالهي (القرآن الكريم) والنص النبوي الصحيح بعيداً عن الاهواء والاتجاهات السياسية الخاصة، وبعيداً عن استخدام الذوق والمزاج والميول والظنون الشخصية أو النوعية التي يكثر فيها الخطأ كالقياس والاستحسان، الشيء الذي يسميه أهل البيت والنص النبوي بـ «الرأي». وورد فيه: «من فسّرَ القرآن برأيه فقد كفر» أو «إن دين الله لا يدرك بالعقول»([2][62]).

فقد ورد عن أيوب بن الحر قال: «سمعت أبا عبد الله(عليه السلام) يقول: كلُّ شيء مردود إلى كتاب الله والسنّة، وكلُّ حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف»([3][63]).

وعنه(عليه السلام) قال: «ما أتاكم عنّا من حديث لا يصدّقه كتاب الله فهو باطل»([4][64]).

أو من خلال فتح باب الاجتهاد والاستنباط ضمن القواعد والاصول الصحيحة، واستنطاق القرآن تجاه كل الظواهر والاحداث التي تواجهها البشرية بروح موضوعية ومنفتحة على جميع الاحتمالات والظروف التي يواجهها الانسان.

وقد كانت هذه الحرية الفكرية، وهذا الالتزام بالحدود الاسلامية للاستنباط (النص القرآني والسنّة النبوية)، وهذا الانفتاح والتجديد في الفهم والاستنباط والنظر في معالجة القضايا، وهذا الانسجام مع متطلّبات الفطرة الانسانية والعقل والوجدان من الخصائص التي اتّصفت بها مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) وهذه الجماعة الصالحة كما أشرنا إلى ذلك.

وهذه الخصائص في نفس الوقت التي تمكّنت من أن تبني هذه الجماعة بناءً فكرياً وعقائدياً قوياً ومتطوراً وله القدرة على مواجهة جميع الظروف والاوضاع، مكّنت هذه الجماعة الصالحة من القيام بمسؤولياتها في الدفاع عن العقيدة الاسلامية والفكر الاسلامي الاصيل، ليس في مواجهة الاجتهادات الفكرية والعقائدية الاخرى داخل المجتمع الاسلامي والاطار الاسلامي فحسب، بل في مواجهة التيارات الفكرية والعقائدية التي هي خارج الاطار الاسلامي مطلقاً.

([1][61]) «إني تارك فيكم الثقلين أو الخليفتين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا ابداً، فإنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض». كنز العمال 1: 185 ـ 189.

                و«إنما مثل أهل بيتي فيكم كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق». كنز العمال 1: 186.

([2][62]) راجع بحث التفسير والتأويل وكذلك بحث التفسير عند أهل البيت من كتابنا محاضرات في علوم القرآن.

([3][63]) البحار 2: 242 ح37.

([4][64]) المصدر السابق، ح38.

شاهد أيضاً

00

الامن الايراني يحبط مؤامرة جديدة مناهضة للثورة في مدينة مشهد

اعلنت مديرية الامن في محافظة خراسان الرضوية (شمال شرق ايران) عن احباط مؤامرة جديدة مناهضة ...