الرئيسية / مقالات اسلامية / عقيدتنا / دور أهل البيت عليهم السلام في بناء الجماعة الصالحة
7

دور أهل البيت عليهم السلام في بناء الجماعة الصالحة

الجـانب الأخلاقي

وتأتي الاخلاق في المرتبة الثانية من الاهمية في بناء الجماعة الانسانية; حيث أنها تمثل الاساس الثاني الذي يجب أن يقوم عليه البناء الاجتماعي، وهو الجانب الوجداني والاساس للسلوك الانساني والعلاقات الانسانية التي ترتبط بالعدل والظلم والحسن والقبح والتكامل والتسافل في المسيرة البشرية. وهو ما يعبّر عنه الفلاسفة بالعقل العملي في مقابل العقل النظري الذي يعتمد عليه الجانب العقائدي والفكري كما اشرنا.

ويمكن أن نلاحظ معالم هذا الجانب في بناء الجماعة الصالحة في الامور التالية:

1 ـ دور الاخلاق في صياغة الحكم الشرعي:

التأكيد لدور الاخلاق في صياغة النظام والحكم الشرعي للمجتمع الانساني من جانب، وعلاقتها بالارادة الانسانية وتكاملها من خلال مسؤولية الانسان تجاهها من جانب آخر; حيث أن هذين الجانبين كانا من نقاط الاختلاف الحادّة في الفكر الاسلامي. وذهب عدد كبير من المفكرين الاسلاميين إلى الجبر، وعدم تحمّل الانسان المسؤولية تجاه الانحرافات السلوكية والاخلاقية وفصلها عن ارادته، فهو خاضع بكل وجوده للارادة الالهية وأفعاله هي من صنع الله وخلقه، ولا معنى لافتراض أن عقاب الانسان على مخالفته للحكم الشرعي هو خلاف العدل الالهي أو أنه قبيح على الله، ذلك لان الانسان ليس لديه مدركات أخلاقية مستقلة تصحح له الحكم بالقبح، وإنما عليه الالتزام بالحكم الشرعي لان الحكم الشرعي هو امر الله وإرادته، والانسان مملوك لله تعالى في كل شؤونه، ولا يسأل الله عن شيء من تلك الشؤون (لا يسأل عما يفعل وهم يسألون).

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى يكون الحكم مجرداً عن خلفيّته الاخلاقية الانسانية، فهو مجرد تعبير عن الارادة التشريعية الالهية.

ولكننا نجد أن مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) أكّدت مفهومين في هذا المجال:

الاول: قضية إدراك الانسان الاخلاقي للحسن والقبح فهو يدرك قبح عقاب الانسان المكره والمجبور، بل قبح تكليفه وهو مسلوب الارادة، وأن هذا الادراك هو الذي يهدي الانسان إلى الكثير من الحقائق الالهية.

الثاني: ان الحكم الشرعي جاء من أجل أن يكشف ويحدّد للانسان هذا الادراك، وينير له الطريق للوصول إلى هذه الحقائق التي فطره الله تعالى عليها. بحيث أصبح الحكم الشرعي الالهي ليس مجرّد إلزام أو قرار يمارس فيه الله تعالى ولايته المطلقة على الانسان، بل هو إلى جانب ذلك يمثّل العدل والحكمة الالهيين والغنى المطلق منه تعالى عن أفعال هذا الانسان، فهو يعبر عن المصالح والمفاسد المرتبطة بحياة هذا الانسان ومسيرته التكاملية في هذه الحياة، فهو ذو بعد ومحتوى أخلاقي.

وبهذا يمكن أن نفهم أهميّة المعركة الكلامية التي خاضها أهل البيت(عليهم السلام)وحدّدوا فيها البُعد الاخلاقي في الاحكام الشرعية من خلال قضية الحُسن والقبح في الارادة الانسانية، من خلال طرح «لا جبر ولا تفويض بل أمٌر بين أمرين» في علاقة الارادة الانسانية بالارادة الالهية، فأفعال الانسان التي هي موضوع الحكم الشرعي معلولة لارادة الانسان وهو يتحمل مسؤوليتها، ولكن الانسان بكل وجوده مخلوق لله تعالى وقد خلقه مريداً، وهو خاضع في وجوده وبقائه وقدرته للارادة والقدرة الالهيتين ولا يمكنه أن يتصرف مستقلاً عن هذا الامداد الالهي لوجوده وقدرته.

وقد استفاد أهل البيت(عليهم السلام) هذا الدور للاخلاق من القرآن الكريم، حيث نجد القرآن حينما يضرب للانسان الامثال التي يؤكّد فيها (الحرية) في الارادة الانسانية كما في مثل قوله تعالى: (ضرب الله مثلاً عبداً مملوكاًلا يقدر على شيء…)([1][65])، أو يطرح أمامه التساؤلات مثل: (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون)([2][66])، أو يطرح أمامه مفاهيم (الحسنة والسيئة) مثل: (ولا تستوي الحسنة ولا السّيئة)([3][67])، أو العدل والظلم، أو الصدق والكذب، أو البخل والايثار، وغيرها من المفاهيم، إن القرآن حين يتناول كل ذلك يريد أن يخاطب في الانسان تلك الادراكات الفطرية الوجدانية التي تمثّل الاساس للسلوك الاخلاقي الذي حدّده القرآن ورسمه تفصيلياً، والتي نسمّيها بالحسن والقبح العقليّين.

ولا نريد هنا أن نتناول هذا البحث الكلامي الاخلاقي بقدر ما نريد أن ننبّه إلى ان أهل البيت عندما وجّهوا أتباعهم إلى التزام هذا الاعتقاد، وأصبح أحد أصول مذهبهم هو الالتزام (بالعدل الالهي)، أرادوا بذلك أن يؤسّسوا القاعدة الاخلاقية في البناء الروحي والمعنوي لاتباعهم، ويوجدوا نوعاً من الحصانة النفسية والروحية عن الوقوع في الانحرافات الاخلاقية الكبرى، كالظلم والعدوان أو مناصرتهما أو السكوت عنهما على الاقل.

2 ـ التمييز بين الاسلام والايمان:

تأكيد قضية التمييز بين الاسلام والايمان أخلاقياً كما جاء ذلك في القرآن الكريم: (قالت الاعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا اسلمنا ولما يدخل الايمان في قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لايلتكم من اعمالكم شيئاً إن الله غفور رحيم  * إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله اولئك هم الصادقون)([4][68]).

وبذلك يكون الاسلام والقبول بالشهادتين واليوم الاخر والالتزام بالصلاة والصيام والحج والزكاة يمثل الدرجة الاولى في سلّم العقيدة الاسلامية، وبه تحقن الدماء وتُصان الاموال والاعراض وتجري عليه الحياة الاجتماعية الاسلامية العامة. ولكن من الناحية الاخلاقية فان هذا يختلف في واقعه عن الالتزام الحقيقي بالاسلام ومترتباته.

وأما الايمان فهو يمثل درجة عالية من رسوخ العقيدة واستقرارها والالتزام بمقتضياتها وتبعاتها.

ولعل خير ما يصور ويشرح هذا المفهوم ويوضح الفرق بينهما هذا النص الذي رواه الكليني في الكافي بطريق معتبر عن حمران بن اعين عن ابي جعفر الباقر(عليه السلام): «الايمان ما استقرّ في القلب وأفضى به إلى الله عزّ وجلّ وصدّقه العمل بالطاعة لله والتسليم لامره، والاسلام ما ظهر من قول أو فعل، وهو الذي عليه جماعة الناس من الفرق كلّها، وبه حُقنت الدماء وعليه جرت المواريث وجاز النكاح واجتمعوا على الصلاة والزكاة والصوم والحج، فخرجوا بذلك من الكفر وأضيفوا إلى الايمان والاسلام لا يشرك الايمان والايمان يشرك الاسلام، وهما في القول والفعل يجتمعان، كما صارت الكعبة في المسجد والمسجد ليس في الكعبة، وكذلك الايمان يشرك الاسلام والاسلام لا يشرك الايمان.

وقد قال الله عزّوجلّ: (قالت الاعراب آمنّا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولمّا يدخل الايمان في قلوبكم)، فقول الله عزّوجلّ أصدق القول: قلتُ: فهل للمؤمن فضل على المسلم في شيء من الفضائل والاحكام والحدود وغير ذلك؟ فقال: لا، هما يجريان في ذلك مجرى واحداً، ولكن للمؤمن فضل على المسلم في أعمالهما وما يتقرّبان به إلى الله عزّوجلّ. قلتُ: أليس الله عزّوجلّ يقول: (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) وزعمت أنّهم مجتمعون على الصلاة والزكاة والصوم والحجّ مع المؤمنين؟ قال: أليس قد قال الله عزّوجلّ: (يضاعف له أضعافاً كثيرة)؟ فالمؤمنون هم الذين يضاعف الله عزّوجلّ لهم حسناتهم لكل حسنة سبعون ضعفاً، فهذا فضل المؤمن، ويزيده الله على قدر صحة ايمانه أضعافاً كثيرة ويفعل الله بالمؤمنين ما يشاء من الخير. قلت: أرأيت من دخل في الاسلام، أليس هو داخلاً في الايمان؟ فقال: لا، ولكنّه قد أضيف إلى الايمان وخرج من الكفر. وسأضرب لك مثلاً تعقل به فضل الايمان على الاسلام: أرأيتَ لو بصرت رجلاً في المسجد، أكنت تشهد أنك رأيته في الكعبة؟ قلت: لا يجوز لي ذلك. قال: لو بصرت رجلاً في الكعبة، أكنت شاهداً أنه قد دخل المسجد الحرام؟ قلت: نعم، قال: وكيف ذلك؟ قلت: إنه لا يصل إلى دخول الكعبة حتى يدخل المسجد، فقال: قد أصبتَ وأحسنتَ، ثم قال: كذلك الايمان والاسلام»([5][69]).

([1][65]) النحل: 75.

([2][66]) الزمر: 39.

([3][67]) فصلت: 41.

([4][68]) الحجرات: 14 ـ 15.

([5][69]) اصول الكافي 2: 26 ـ 27 ح5.

شاهد أيضاً

IMG-20140107-WA0005

الاكتفاء بما روي في أصحاب الكساء

(زهد رَسُول اللَّه(ص)): 29 – أخْبَرَنا أَبُو القاسم بن الحصين، أنا أَبُو طالب بن غيلان، ...